منتديات الغرباء السلفية http://www.el-ghorba.com/forums/ Thu, 06 Oct 2022 04:03:39 +0200 خلاصات آخر المواضيع النشطه في :منتديات الغرباء السلفية - منتدى المكتبة السلفية والتفريغات. - ar Thu, 06 Oct 2022 04:03:39 +0200 pbboard 60 [رسالة مفرغة] [شهر رمضان .. آداب وأحكام] لفضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي - جمع وترتيب/ أبي عبد الرحمن حمدي آل زيد http://www.el-ghorba.com/forums/t328 Wed, 10 Jun 2015 05:51:51 +0200
http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

 

الحَمْدُ للهِ حَمْدًا لَا يَنْفَدُ، أَفْضَلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَدَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى أَفْضَلِ المُصْطَفَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَعَبَّدَ ([1]).

أَمَّا بَعْدُ، فقد اجتمعَ لديَّ عِدَّةُ تفريغات لبعضِ خُطَبِ ومحاضرات ([2]) فضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي -حفظه ربُّ البَرِيَّات- المتعلِّقة بأحكامِ الصيامِ عامة وصومِ رمضان خاصة وغيرهما من القَضِيَّات، فرأيتُ أنه من الأنفع لي ولعمومِ المسلمين -لاسيما ونحن على أعتابِ شهرٍ كريم- جمعَ شَتاتِ هذه التفريغات -وكلُّها من تفريغي- في رسالةٍ واحدةٍ، بَعْدَ إعادةِ ترتيبِها وتقسيمِها وضَمِّ الفائدةِ إلى بابِها، واللهَ أسألُ الإخلاصَ والقبول. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 127} [البقرة: 127].

هذا، وقد قمتُ بتسميةِ هذي الرسالةِ: (شهرُ رمضان.. آدابٌ وأحكام)، وتشتملُ على ثلاثةِ فصولٍ وأقسام:

الفصلُ الأول: وقفاتٌ بين يدي رمضان.

o   الوقفةُ الأولى: نعمةُ بلوغِ شهر رمضان.

o   الوقفة الثانية: كيف تستقبلُ شهرَ رمضان؟

ü   أولًا: بَدارِ ([3]) إلى التوبة وأنْ تَكُون محلًا لنزولِ فضلِ اللهِ عليكَ.

ü   ثانيًا: وقفةٌ مع القلب.

ü   ثالثًا: رمضان وفضائلُ الأعمال.

ü   رابعًا: رمضان وعبادةُ الوقت.

ü   خامسًا: الجنةُ والنار تستقبلان رمضان، فأين استقبالُكَ أنتَ؟!

ü   سادسًا: كيف تقضي يومًا رمضانيًا على وفقِ ما يحبه الله ويرضاه؟

ü   سابعًا: لابد أنْ نتعلمَ أحكامَ الصيامِ.

الفصلُ الثاني: صيامُ رمضان.. آدابٌ وأحكام.

ü   أولًا: تعريفُ الصيام، وأقسامُه، وهل يلزمُ لصومِ رمضان تبييتُ النية أم لا؟

ü   ثانيًا: حُكْمُ الوِصال، وفوائدُ تعجيلِ الفِطر.

ü   ثالثًا: حُكْمُ الصِّيام بصفةٍ عامة، وصَوْم رمضان بصفةٍ خاصة.

ü   رابعًا: بِمَ يجبُ الصِّيامُ؟

ü   خامسًا: حُكْمُ صيامِ يومِ الشِّكِّ.

ü   سادسًا: على مَن يجب صيامُ رمضانَ؟

ü   سابعًا: مُفْسِدَاتُ الصيام.

الفصلُ الثالث: ماذا بَعْدَ رمضان؟

ü   أولًا: عبوديةٌ يغفلُ عنها كثيرٌ من الناس بعدَ رمضان.

ü   ثانيًا: هل تغيَّرَ حالُكَ وازدادتْ طاعتُكَ بعدَ رمضان أم لا؟

ü   ثالثًا: العبوديةُ وظيفةُ العُمْر.

ü   رابعًا: هل تريدُ أنْ تَعْرِفَ أَنَّ صيامَكَ قُبلَ أم لا؟

ü   خامسًا: فوائدُ المواظبةِ على الطاعة.

ü   سادسًا: أهمُ وقفةٍ يقفها الإنسانُ مع نفسِه.

ü   سابعًا: مَواسِمُ الطاعاتِ لا تنتهي.

 

وكتبه:

أبو عبد الرحمن حمدي آل زيد.

22 شعبان 1436 هـ، الموافق 9/6/2015 م





القراءة المباشرة:





التحميل:

اضغط هنـــا أو اضغط هنـــا




[1]- مُقدِّمة كتاب (زاد المُستَقنِع) للعلّامة الحَجَّاوي رحمه الله.


[2]- وهي: محاضرة (فقه الصيام)، ومحاضرة (أول ليلة في رمضان)، ومحاضرة (وقفات بين يدي رمضان)، ومحاضرة (وقفة مع طلبة العلم بعد رمضان)، وخطبة (استقبال شهر رمضان)، وخطبة (كن ربانيًا ولا تكن رمضانيًا)، وأول عشرين دقيقة من شرح (كتاب الصيام من كتاب عمدة الفقه) لمُوفَّق الدين ابن قُدامة المقدسيّ رحمه الله.


[3]- اسمُ فعل أمر بمعنى بَادِرْ؛ أي أَسرِعْ.




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t328
[تفريغ] [خطبة جمعة] [الضوابط الشرعية عند حلول الفتن] لفضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي -وفقه الله- http://www.el-ghorba.com/forums/t300 Tue, 03 Feb 2015 13:39:12 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18




وفيها:

1. لفتةٌ سريعة حينما كانت الأُمَّةُ متمسكةً بكِتاب ربها وسُنَّة نبيها، كانت أُمَّةً قويةً عَفِيَّةً عظيمةً.

2. إنَّ هذا الذي نعيشه؛ من تشرذم وتفرُّق واختلاف، لا شك أنه ابتلاءٌ من الله وعقوبةٌ أيضًا منه.

3. إنَّ ابتلاء الله لهذه الأُمَّة، وإن عقوبة الله لهذه الأُمَّة، إنما يكون بسبب أسباب، وهي:

الأول: الذنوب والمعاصي.

الثاني: التفرق والتشرذم.

الثالث: البغي.

الرابع: اتباع المتشابه.

4. الدواءُ هو في اتباع الأصول الشرعية عند نزول الفتن بالأُمَّة، وهي:

 
الأصل الأول: المعرفةُ بمنهجِ السلف الصالح في مسائل التكفير، في مسائل الجهاد، في مسائل العذر بالجهل، في مسائل الإيمان، في مسائل الدماء.

الأصل الثاني: الالتفافُ حول العلماء الربانيين، ليس الذين يتاجرون بالدِّين، ويجعلون كِتابَ الله قراطيسًا، يُبْدُونَ بعضَها، ويُخفون كثيرًا منها

الأصل الثالث: احذروا وسائلَ الإعلام، واحذروا الإشاعات الهدَّامة، ليس يُوجَد على القنوات الفضائية ولا عَبْرَ وسائل الإعلام مَن يدل الأُمَّةَ على الهُدَى والرشاد وعلى السُّنة والكِتاب، بل إنكم -كما ترونهم- إنَّ الإعلامَ الفاسد هو الذي يُوجِّه هذه الأُمَّة التوجيهَ الخاطئ.

الأصل الرابع: احذروا أنْ تنجرَّ الحربُ إلى بلدان المسلمين، بين أبناء المسلمين؛ فإنَّ ذلك يُفرِح أعداءَ الإسلام.



لتحميل الخطبة مرئيةً أو مسموعةً، أو الاستماع المباشر لها:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف






http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18






           

لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا

رابط بديل:

هنــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (20) صفحة.




عينةٌ من التفريغِ:

http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t300
[صوتية وتفريغها] [مقطع منهجي مهم] [درة غالية في الذب عن معاوية] لفضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t289 Wed, 17 Dec 2014 11:37:45 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيه فضلُ معاوية -رضي الله عنه-، وحرصُه على دماءِ المسلمين، ونسائهم، وأولادهم، وأموالهم، وضيعاتهم، وسعيُه في الصلح مع الحسن بن عليٍّ -رضي الله عنهما-.




لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف














http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18




           

لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (9) صفحات.




لقراءةِ التفريغ:

القَارِئُ:

(وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ☺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي بَعْثِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَذَكَرَ أَخْبَارًا كَثِيرَةً فِي التَّارِيخِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ سِجِلًّا قَدْ خُتِمَ فِي أَسْفَلِهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ فِيهِ مَا تُرِيدُ فَهُوَ لَكَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: بَلْ نُقَاتِلُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ -وَكَانَ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ-: عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَا تَخْلُصْ إِلَى قَتْلِ هَؤُلَاءِ حَتَّى يُقْتَلَ عَدَدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَمَا خَيْرُ الْحَيَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ حَتَّى لَا أَجِدَ مِنَ الْقِتَالِ بُدًّا.

قَوْلُهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ: الصُّلْحَ؛ أَيْ: نُشِيرُ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ، وَهَذَا ظَاهره أنهما بدآ بِذَلِكَ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ هُوَ الَّذِي بَعَثَهُمَا، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بينهم بِأَنَّهُمَا عَرَضَا أَنْفُسَهُمَا فَوافَقَهُمَا، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ أَي: ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قُلْتُ: وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ بِكَافٍ وَرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ مُصَغَّرٌ، زَاد الْحميدِي بن حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ مَضَى لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَبَنُو حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بَنُو عَمِّ بَنِي أُمَيَّةَ بن عبد شمس، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ؛ أَيْ: مَا شَاءَ مِنَ الْمَالِ، وَقُولَا لَهُ؛ أَيْ: فِي حَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالصُّلْحِ..). اهـ [«فتح الباري لابن حجر» (13/64)]


الشيخ:

اللهُ أكبر! هذه الحقيقة.. هذا الموضع يَرُدُّ على كل ما أُثِيرَ حوْل معاوية ؓ، وهو الذي يُصرِّح يقول: ولا أُقاتِل إذا لم يكن من قتالي بُد، وإلا فهو كان حريصًا على حقنِ دماء المسلمين.

يعني هذا الموضع يردُّ كلَّ ما أُثِيرَ حوْل معاوية ؓ من شبهاتٍ يثيرها أعداءُ معاوية ؓ وأعداء أسرة أبي سفيان.

نَعَم فلقد صنّف فيها مَن صنّف، واستغلها مَن استغل من التأريخيين، وشوَّهوا تاريخَ المسلمين في هذه الحادثة، نَعَم وحملوا على معاوية حتى إنك كنتَ تظن أن معاوية هذا ربما يكُونُ كافرًا منافقًا مرتدًا -والعياذُ بالله-.

هكذا يَدْرُس أبناء المسلمين اليوم في كُتُب التاريخ، واللهِ أَذْكُرُ يا إخواني، ونحن في الصف الثاني الثانوي، نَدْرُس التاريخَ الإسلامي، ويُصوَّر لكَ معاوية على أنه مُرتدٌ مُعتدِي! وانظرْ إلى معاوية، ماذا يقول الآن؟

سبحان الله! يقول: اعرضوا على الحسن، اعرضوا عليه، يريدُ مالًا؟ نُعطِيه مالًا، نُعطِيه مالًا على أنْ يحقنَ.. إذًا معاوية ما أرادَ، مع أنه عنده كتائب الشام، ما يقول معاويةُ هذا من ضعفٍ، لكن ماذا يقول؟

يقول: فلا نقتل من هؤلاء عددًا إلا قتلوا مثله من جنود الشام، فمَن لي بنساء المسلمين؟! ومَن لي بأموالِ المسلمين؟! ومَن لي بأولاد المسلمين؟! ومَن لي بضَيْعاتِهم؟!

سبحان الله! يعني أنا أكُونُ سببًا في هذا؟! فاذهبا إليه، واعرِضُوا عليه ما شاء من المال. نعم.


القارئ:

(فَاعْرِضَا عَلَيْهِ؛ أَيْ: مَا شَاءَ مِنَ الْمَالِ. وَقُولَا لَهُ؛ أَيْ: فِي حَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالصُّلْح. وَاطْلُبَا إِلَيْهِ؛ أَيِ: اطْلُبَا مِنْهُ خَلْعَهُ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ وَتَسْلِيمَ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَابْذُلَا لَهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَا شَاءَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا، قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ، وَيَسْأَلُكَ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحن لَك بِهِ، فَصَالحه). اهـ

الشيخ:

يعني اطلبْ ما شئتَ ونحن مُتكفِّلان بهذا، متكفِّلان بهذا الأمرِ؛ لأن معاويةَ فوَّضَعُهما، أيُّ شيءٍ يطلبه، وَفُّوا له بذلك. نَعَم.

وهنا يتحدث أحدُ الحضور مع الشيخ، ثم يقول الشيخ: تأملتَ أنتَ وأمثالكم، تأمَّلوا.. أنتَ لا ترى الواقع، أنتَ ماذا تتمنى؟ الحمدُ لله أنكَ لمْ تكن هناك، الذين كانوا هناك -كلُّهم- قالوا: موافقة، الحمد لله لمْ يكن أحدٌ منكم هناك.

الذين كانوا هناك أغيرُ منا على الدِّين، ومع ذلك قالوا: موافقة، ولهذا ما قالَ أحدٌ من المسلمين هذا، لماذا؟ لأن معاوية ما يطلبها لنفسه يا دكتور، معاوية إنما يرى المصلحةَ بهذا، معاوية يرى المصلحةَ في أنه الذي يتولَّى أمرَ المسلمين، وأنه الأنسب للمسلمين، والأحفظ لدِين الله U وللمسلمين في هذا الباب.

ولهذا النبي بشَّرَ بهذا، قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».

فكان دَوْرُ الحسن هو دَوْرُ الوحي الذي أُخبرَ به النبيُّ؛ «سَوْفَ يُصْلِحُ»، ما قال: أمير، ولا قال: سيكُون حاكمًا،  ولا قال: سيكُونُ كذا، «سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».

ولهذا كان الذي حصل هو الخير للمسلمين بالوحي السابق أصلًا؛ لأن النبي قال هكذا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».

إذن دَوْرُ الحسن هو الصلح وليس الإمارة، فهيَّأَ اللهُ U لمعاوية للتنازل في هذا الباب للإمارة، لماذا؟ لأنه يرى أن حفظَ دماء المسلمين، ويرى أن الأفضل في هذه المرحلة للمسلمين هو أن يتولَّى معاوية، وإلا معاوية ليس حريصًا على الإمارة.

ومعاوية في قتاله مع عليٍّ لمْ يكن يطلبُ إمارة، ولا طلبَ الإمارةَ، إنما هنا لمصلحةٍ يراها، وأنتَ مثلًا، أنتَ الآن لو عندكَ فسادٌ في العمل -الشغل-؛ من مدير موجود، أو.. أو.. إلى آخره، ورأيتَ أن الإصلاحَ والأصلح لمكان عملكَ هذا أنْ تطلبَ أنتَ: وَلُّونِي مديرًا، لا يُقالُ: أنتَ صاحب دنيا هنا، إنما أنتَ الآن أردتَ الخير، تنبّه.

ولهذا ماذا نقول؟ الواقع نفسه ما هو يا إخواني؟ الواقعُ أنَّ المسلمين، قالوا: موافقة، ولم يقل أحدٌ -مثلما نقول نحن الآن-: لو كان معاوية مثلًا هذا، كنا نتمنى أنَّ معاوية يَتنازل، كنا نتمنى..

نحن لسنا في الواقع، أنتَ الآن تقول: كنا نتمنى، تمام، لكنْ كنا نتمنى.. عليٌّ هو المُحقُّ في المسألة؛ يعني عليٌّ مع معاوية كان مُحقًّا، لكنَّ عشرةَ آلاف كانوا يتمنون ألا يقعَ القتالُ بين عليٍّ ومعاوية، يعني كان عشرةُ آلاف يتمنون هذا، لكنَّ اللهَ U قدَّر هذا، وكان فيه مصلحة رغم الآلام الكثيرة والدماء، إلا أنه -أيضًا- كان مصلحة؛ لتتعلَّمَ الأُمَّةُ ماذا تصنع إذا اختلفت؟ وتتعلَّم الأُمَّةُ -أيضًا- أنْ تتقي شرَّ المنافقين؛ لأن هذا القتال إنما حصل بسبب اندساس المنافقين في الصفوف، تتعلَّم الأُمَّةُ هذا، وإلا حتى مَن شاركَ وكذا، نَدِمَ في هذا أشد الندم.

فنحن نقول -مثلًا-: معاوية كذا، ومعاوية كذا، كان الأَوْلَى.. لا، نحن نقول: معاوية كذا، ومعاوية كذا، ونَمدحُ معاويةَ حتَّى على طلبِ هذا الأمر بما قد يراه هو الصواب في هذا الباب.

ولهذا المسلمون وافقوا للحسن، طيب لماذا؟ طيب الحسن ابنٌ سوف يُصلِحُ اللهُ.. طيب لماذا وافقتْ كتائب.. وعمرو يقولُ -عمرُو يصفُ كتائبَ الحسن بأنها ليست كتائب سهلة- يقول: لقد جاءتْ كتائبٌ أمثال الجبال!

إخواني، هؤلاء كان يُمكِنُ أنْ يُقاتِلوا، ويُمكِنُ أنْ يكُونَ لهم النصرة، لماذا يَرضخون لحُكْمِ الحسن، ولصلحِ الحسن هنا؟ لماذا يَرضخون لهذا،  ويُوافِقُون على إمرة معاوية؟ إلا أن الله U شاءَ الخيرَ لهذه الأُمَّةِ بهذا الأمر، مما يدلُّ واللهِ إلى أنَّ هذا الأمر يرضاه الله U، ولهذا كان الوحيُّ فيه للنبيِّ من قبل وكان التوفيقُ فيه للمسلمين من بعد.

وإلا ظني أنه لو مع الحسن ألف واحدٍ ما وافقوا، كيف جنود أمثال الجبال يَرضخون للحسن ويوافقون على هذا؟ يعني بالأمس كانوا يُقاتِلون جنود معاوية، واليوم يُسلِّمُون لمعاوية بالإمارة، كيف هذا؟!

لهذا نحن لا نأتي اليوم نَحكُم بين الصحابة في هذا، إنما نرى أن الله U قد وفَّقَ لهذا توفيقًا عظيمًا.

فلابد أنْ نقفَ هنا مع معاوية -نَعَم-، مع معاوية التقي، مع معاوية المترجَم له ترجمة حقيقة فعلًا، مع معاوية العالِم، مع معاوية صاحب السُّنة، مع معاوية ؓ صاحب قيادة الإسلام العظيمة الذي يقف على الثغور، مع معاوية أعظم ملوك الإسلام، مع معاوية الحريص ألا يُراقَ دمٌ، مع معاوية الذي خرجَ يُطالِب بدمِ عثمان -لا يُطالِب بولاية-، مع معاوية.. وهكذا.

إذًا نقف فهذه الترجمة الحقيقة التي ينبغي أنْ تُوضع بدلًا من ترجمة معاوية طالِب المُلْكِ، معاوية الذي يُرِيق دماءَ المسلمين، معاوية الذي فعل وفعل، معاوية.. معاوية.. كما يقولُ هؤلاء المُؤرِّخون الحاقدون الحانقون على الإسلام، بل على بني أمية كلهم الذين اتّسعتِ الفتوحاتُ في عهدهم اتّساعًا لمْ تتّسع مثله.. في بني أمية، لكنْ كانوا حاقدين على دولة الإسلام دولة بني أمية.

فهذا هو معاوية الذي دعا له النبي، معاوية الذي مات عنه النبي وهو راضٍ، معاوية الذي تولَّى بَعْدَ النبي للخلفاء الراشدين في عهودِهم وكان قائدًا من قُوّاد المسلمين، معاوية.. معاوية.. معاوية العالِم الذي يُراجِع الصحابة في مسائل علمية، معاوية الحريص على السُّنة، ويقول: أين علماؤكم؟ ثم يقول ؓ لَمَّا كان يحملُ هذه القُصَّة معه: يا أهلَ المدينة، أين علماؤكم يا أهلَ المدينة؟ وكان يتثبّتُ في الحديثِ؛ إذا سَمِعَ حديثًا يتثبّت منه حتى يتيقن أن النبي قد قاله، حتى لا يتلاعبُ الناسُ بالسُّنة.

لهذا قال ابنُ عباس ابنُ عمِّ عليٍّ ؓ لمَّا سُئل عن معاوية لمَّا أفتى بالوتر بركعة، قال ابن عباس: ذاك رجلٌ فقيه.

فتأتينا من أصحاب النبي الشهادات لمعاوية، ومن قبل تأتينا الشهادة من النبي نفسه ، قد قرأنا عليكم أحاديثًا كثيرة أو أحاديثًا صحَّت في فضائل معاوية على لسان النبي ، ويكفي أن النبيَّ راضٍ..

ولهذا قال بعضُ علماء المسلمين لمَّا تكلمَ أحدُهم في معاوية، قال: يا هذا، لغبارُ أنفِ معاوية -الغبارُ الذي يدخل أنفَ معاوية- مع النبي وكذا يوم القتال يوم المعارك، خيرٌ مني ومنكَ.

وقال آخَرٌ: معاوية سِتْرُ أصحابِ رسول الله، فمَن هتكَ السِّتْرَ فهو لما دونه أَهْتَك.

وقال بعضُهم: ما بالكَ برجلٍ كان النبي يقول: سَمِعَ اللهُ لمَن حمده، فيقول: ربنا ولكَ الحمد.

فتواترَ فضلُ معاوية على ألسنة أصحابِ رسول الله، وسلف الأمَّة، ولهذا جُعل في كُتُب العقائد -في بعضها- بعد العشرة المُبشَّرِين، يقولون: ومعاوية خال المؤمنين؛ ردًّا على مَن ينتقص معاوية ؓ.

لكن التاريخَ شوَّه، هذه فتنة حصَلت، فلا نأتي اليوم نقول: كان ينبغي.. وكان ينبغي.. وكان ينبغي.. هذا شاءه اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكنْ لابد كلما وجدَ الرجل الذي يَسْلَمُ قلبَه لأصحاب رسول الله فرصةً في مدحِ الصحابة وتجليةِ الأمرِ فإنه يُبْرِزُها، ليكُونَ هذا تطمينًا، ليس هو (كلمة غير مفهومة؛ 13:22).

فلمْ يكن عندنا معاوية متهمًا حتى نقول هذا الحُكْمَ لنُؤَسِّسَ براءته، وإنما هو ليزدادَ إيمانُنا، {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} [البقرة: 260].

فهذه الأربعة من الطير.. حتى ترى أمامَكَ مَن هو معاوية ؓ، لماذا لا يُبرَزُ هذا؟! ويُبْرَزُ قتالُ معاوية، ويُبْرَزُ كذا، ومعاوية وعمرو بن العاص الخائن! وقد فعلوا في عليٍّ ما فعلوا، والخائن -كما يقول سيد قطب- وكذا، معاوية وزميله عمرو كذا وكذا، وأسلوب الغش، والخديعة، والنفاق، والكذب، وشراء الذمم..

لا، خُذْ معاوية، أهذا مُخادِع؟! أهذا يشتري الذمم؟! ولمْ يكن هذا من أجْل ولايته، إنما هذه شفقةٌ على المسلمين، يقول: مَن لي بأبناء المسلمين؟ مَن لي بنساء المسلمين؟ مَن لي بهذا؟ مَن لي بذاك؟ نَعَم.


القارئ:

(قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ هُوَ الرَّاغِب فِي الصُّلْحِ، وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَى الْحَسَنِ الْمَالَ وَرَغَّبَهُ فِيهِ وَحَثَّهُ عَلَى رَفْعِ السَّيْفِ، وَذَكَّرَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ جَدُّهُ ☺ مِنْ سِيَادَتِهِ فِي الْإِصْلَاحِ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ؛ أَيْ إِنَّا جُبِلْنَا عَلَى الْكَرَمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى أَتْبَاعِنَا مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَوَالِي، وَكُنَّا نَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ لَنَا عَادَةً، وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ؛ أَيِ الْعَسْكَرَيْنِ: الشَّامِيَّ وَالْعِرَاقِيَّ، قَدْ عَاثَتْ بِالْمُثَلَّثَةِ؛ أَيْ قَتَلَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّفْحِ عَمَّا مَضَى مِنْهُمْ، وَالتَّأَلُّفِ بِالْمَالِ، وَأَرَادَ الْحَسَنُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَسْكِينَ الْفِتْنَةِ وَتَفْرِقَةَ الْمَالِ عَلَى مَنْ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا الْمَالُ، فَوَافَقَاهُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَالْتَزَمَا لَهُ مِنَ الْمَالِ فِي كُلِّ عَامٍ وَالثِّيَابِ وَالْأَقْوَاتِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِكُلِّ..). اهـ

الشيخ:

هل يُقال: إن الحسن هنا إنما تنازلَ من أجل مال؟ من أجل دنيا؟ يعني الحسن قال: إي نعم عاثتِ الأمَّة يعني من عراقيةٍ وشامية، عاثتِ الأمَّة في كذا، ودماء، و.. و.. إلى آخره، ولكن هؤلاء الذين معي منهم مَن لا يُوافِقُ على هذا الصلح إلا بالمال، ويُغدَقُ عليه المالُ، وكذا، وكذا، فلابد من مالٍ لِيُرَدَّ هؤلاء عما قد يَحصُلُ منهم من اعتقادِ أنهم قد ذهبَ مُلْكُهم، وقد ذهبَ مالٌ كثيرٌ منهم، وقد ذهبَ كذا، وكذا، وكذا، وكذا، فلو أنَّ معاوية يجعل مالًا كثيرًا حتى نُغدِقَ على هؤلاء.

فالحسن ما يريدُ مالًا لنفسه، الحسن يريدُ ما يريده أي إمام من أئمة المسلمين؛ أنه قد يُعطِي مالًا يتألف به قلبًا، يُعطِي مالًا يتألَّف به شرًّا، يُعطِي مالًا كذا وكذا.

فقال هكذا، أنا مُوافِق على الصلح، ولكن هناك أناس يحتاجون إلى أموالٍ حتى تَسكُنَ ثورتُهم.

إذًا هو طلبَ شيئًا مشروعًا، ما طلبَ مالًا لنفسه، ما طلبَ كذا، كذا، إلى آخرِه، مِثْلُ -مثلًا- يكوُن عندنا واحد يا إخواني، مُعادِي -مثلًا- للمنهج ومعادي لكذا، لكن هذا يُمْكِنُ لو تَذْهَب إليه بهدية بمائة جنيه أو مائتي جنيه، أَعطِه مالًا يَسْكُت، أَعطِه مالًا، كان النبي يُعطِي الرجلَ ويقول: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ»، النبيُّ يتأَّلفُ القلوبَ بهذا، ويَدفَعُ شرَّها بهذا. نَعَم.


 

 


وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

25 صفر 1436 هـ، الموافق 17/12/2014 م











]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t289
[تفريغ] [خطبة جمعة] [السلفية بين انحراف المدعين وافتراء المعادين] لفضيلة الشيخ/ هشام البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t288 Sun, 14 Dec 2014 23:25:04 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيها أنَّ هذه الأُمَّةَ لِمَا اجتمعَ لها من أنواعِ الخيرية العظيمة المبارَكة كانت هذه الأُمَّةُ أُمَّةَ المعاداة، وأُمَّةٌ مقصودُ الأعداءِ من ورائها أنْ يُضْعِفُوها بكل سبيل، وأنْ يغزوها الأعداءُ بكلِّ حالٍ وطريقٍ، ولهذا فإن الغزو على هذه الأُمَّة توافرَ توافرًا عظيمًا.

وفيها يُحذِّرُ الشيخُ من العَداءِ الخفيّ والذي يَحْمِلُ رايته أبناءُ الإسلامِ الذين تربَّوا على موائد الغرب.

وفيها يتحدثُ الشيخُ باستفاضة عن مصطلح السلفية، وكيف أنه بين طائفتين: بين طائفةٍ ادّعته، والسلفيةُ منه براء، وبين طائفةٍ افترتْ عليه وهُم يَعلمون أن السلفية الحق هي العودة إلى النبي وصحابته، فأرادوا أن ينالوا من الإسلام نفسه ومن النصوص القرآنية والنبوية نفسها لا من أشخاصٍ وأفرادٍ، ولكنهم استغلّوا تلك السقطات والهفوات والزلات.

وفيها يتحدث الشيخ عن السلفية والسياسة وفقه الواقع، وكيف أن المنهجَ السلفي لا يُحرِّمُ السياسة، ولكنها السياسةُ المرتبطة بالنص الشرعي.

وفيها إنَّ المنهجَ السلفي لا يرَى في السياسة إلا منهاجًا واحدًا؛ هو كتاب الله، وهو سنة رسول الله.

وفيها إنَّ المنهجَ السلفي يَنظرُ إلى سياسة الناس بالعقوبات المنصوصة في القرآنِ والسُّنة.

وفيها المنهجُ السلفي لا يَعْرِفُ مظاهرات السلفيين والإخوان.

وفيها المنهجُ السلفي منهجٌ أخلاقي، منهجٌ رباني، منهجٌ أدبي، منهجٌ عرَّفنا كيف لا نتعاملُ مع المسلمين فقط، بل كيف نتعامل مع اليهود على أرضنا، ومع النصراني في بلادنا.

وفيها نحن سلفية الولاء والبراء.

وفيها -أخيرًا- احذروا هجمةً على المنهجِ السلفي بدعوى محاربة المنحرفين، واحذروا انتماءً وانتسابًا زائفًا إلى المنهجِ السلفي.




لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف











http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

          









 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (25) صفحة.




لقراءةِ التفريغ:

إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا 71} [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّها الأَحِبَّةُ المؤمنونَ والإخوةَ المسلمونَ، لأنَّ هذه الأُمَّة أُمَّةُ الريادة وأُمَّةُ القيادة وأُمَّةُ الأُمم؛ كما قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]..

لأنَّ هذه الأُمَّةَ شرَّفها الله بخيرِ الكتب؛ وهو القرآن، وجعله مُهيمِنًا على الكتب كلِّها..

لأنَّ هذه الأُمَّةَ شرَّفها الله بخيرِ رسولٍ؛ وهو رسولنا ، وهو سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخر، وهو صاحبُ لواء الحمدِ يوم القيامة ولا فخر، وهو شفيعُ الخلائق كلِّهم يومَ أنْ تلجأَ الخلائقُ إلى الأنبياء والمرسلين طلبًا منهم الشفاعة عند رب العالمين، وكلهم يحيل على غيره، حتى يُنتهى إلى النبي ، فيقول النبي : «أَنَا لَهَا»..

ولأنَّ هذه الأُمَّةَ أكرَمها الله بخير شريعة أيضًا وبخيرِ هدايةٍ..

فهذه الأُمَّةُ لِمَا اجتمعَ لها من أنواعِ الخيرية العظيمة المبارَكة كانت هذه الأُمَّةُ أُمَّةَ المعاداة، وأُمَّةٌ مقصودُ الأعداءِ من ورائها أنْ يُضْعِفُوها بكل سبيل، وأنْ يغزوها الأعداءُ بكلِّ حالٍ وطريقٍ، ولهذا فإن الغزو على هذه الأُمَّة توافرَ توافرًا عظيمًا.

ولقد تكالبَ أعداء الإسلام على هذه الأُمَّة لإخراجها من أُمَّة الريادة إلى أن تكُونَ في ذيلِ الأُمم، وهذا العَدَاءُ عُرِفَ وبَزغَ منذ أن جاء النبي بهذا الإسلام الصَّفِي الناقي الطاهر..

وإلى الآن والعَدَاءُ موجودٌ، لكنَّ العداءَ هذا كان يتّخذُ صورًا وأشكالًا؛ فمن هذه الصور:

العداءُ العسكري والمواجهة المسلحةُ:

فلقد واجهَ المشركون رسول الله ، وقامت الغزواتُ والحروب والمعارك بين النبي وبين هؤلاء، وما بَدْرٌ عنكم ببعيد، ولا أُحُدٌ غائبة عن أذهانكم كذلك، ولا الخندق حين اجتمع الأحزاب من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ لإخماد هذه الدعوة المباركة والتخلص من نبيِّ الإسلام، إلى غير ذلك من الغزوات والحروب والمعارك التي لمْ تتوقف فقط عند المشركين.

بل بعد فتحِ مكة تنتقلُ رحَى المعارك لتكُونَ مع فارس والروم؛ هاتان القوتان اللتان كانتا يُضرب بهما المَثَلُ في القوة والسؤدد، فأيُّ أُمَّةٍ يُمْكِنُ أنْ تَدُوسَ فارسًا أو أن تدوس الروم، وهما الحضارتان الناطحتان للسحاب في أُفُقِ الإنسانية، حتى إن الأمم لتنظر إليهما بعين التَّصاغُر.

فما هذه الأُمَّة التي ستطأ بأقدامها تلك الممالك؟! لكنَّ أُمَّةَ الإسلام قد جرَّبت معهم حروبًا ومعاركًا، ولأنَّ أبناءها كانوا يحملون العقيدة ويجعلونها رائدة وشعارًا ومحرِّكًا لهم في تلك الحروب، فقد داست خيولُ الإسلام جثثَ هؤلاء، ولقد علا الإسلام على هذه الممالك، وصار الإسلام رائدًا للبشرية كلها.

هذا العَدَاءُ العسكري وتلك المواجهة العسكرية كانت تتَّخِذ هذه الحِدَّة والقوة، ولكنَّ الإسلام -ولله الحمد- بأبنائه الذين قال الله فيهم: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52].

إن المسلمين كانوا يَنزِلون تلك المعارك ينتظرون إحدى الحسنين: إما نصرٌ يرزقهم الله U إياه، وإما شهادةٌ في سبيل الله، فينتقلون بالحياة من عند الناس من أبناء وأولاد إلى الحياة عند رب الناس، وما أكرمَ تلك الحياة! {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].

هذا نوعٌ من العداء، وهذا نوعٌ من العزو، لكنَّ نوعًا آخَر أخطرُ من هذا النوع، لكنَّ نوعًا آخَر وُوجِهَتْ به الأُمَّة أشد من هذا النوع؛ إنه العَداءُ الخَفِي، وإنه الغزو الخفي، الذي لا يَحْمِلُ رايته مُشرِكٌ عابِدٌ للأوثان، ولا يَحْمِلُ رايته يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، وإنما يَحْمِلُ رايته أبناءُ الإسلامِ الذين تربَّوا على موائد الغرب، والذين اخترعوا بأفكارهم ومذاهبهم الهدَّامة، وأنفقَ عليهم الغربُ الكافرُ ليُكوِّنَ منهم تكتُّلًا يُحاوِل أنْ يضربَ الإسلامَ بأبناءِ الإسلامِ، وأنْ يضربَ الإسلامَ بنصوص القرآن، وأن يضرب الإسلام بنصوص النبي العدنان .

لقد قامَ أعداءُ الدِّين على هذا الغزوِ، وهو ما يُسمُّونه بالغزو الفكريّ.. ومؤامرات، ومعتقدات، ومذاهِب حاولَ أعداءُ الإسلامِ أن يُميِّعوا قضيةَ الاعتقاد وقضيةَ الإسلام في نفوس أبنائه.

وإذا حاولَ الواحدُ منهم أن يَنزِلَ إلى بلاد المسلمين وإلى أرضهم ليمارِسَ هذا الغزوَ الفكري في أبنائه، ربما اكتشفناه لأنه يهودي، ربما اكتشفناه لأنه نصراني، ولهذا كان لِزامًا عليهم أن يتبنَّوا أبناءً للإسلام، أسماؤهم: محمدٌ، عليٌّ، عمر، خالد، طلحة.. إلى غير هذه الأسماء التي ليس لها من الإسلام نصيبٌ إلا أنها أسماء إسلامية، لكنها في معتقدِها وفيما تدَّخِر في نفوسها هي في الحقيقة امتدادٌ لغزو أعداءِ الإسلام من: الوثنيين، واليهود، والنصارى، وغير هؤلاء.

إنهم العدوُّ الخَطِر، إنهم العدوُّ الخَطِر الذي تراه الآن على واجهات الإعلام، وتراه الآن له ريادةٌ في التوجيه للأنامِ، فترَى الناسَ يجلسونَ أمام الوسائل، ويقرأون تلك الوسائل.

ففي وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، تلك الوسائل التي صار يتصدَّرُها مَن؟ أصحابُ المذاهب الهدّامة، فيأخذون هذا الإسلام، وينالون من الإسلام، ويستغلِّون ثغراتٍ ربما حَصَلتْ من أبنائه.

ونحن نعلَم أن الإسلامَ يَحكُم ولا يُحكَم عليه، ونحن نعلَم أن أحدًا لا يمثِّل الإسلامَ إلا النبي الذي عصمه الله U وصحابةُ النبي .

وأمَّا مَن بَعْدَهُم فإنه يمثِّل الإسلامَ إنْ تكلَّمَ بالإسلام الصافي الذي كان عليه النبي والصحابة.

ولهذا وضعَ النبي هذا الأساسَ حتى  لا يدَّعيه أحدٌ فيصعدُ منبرًا أو يتصدَّرُ توجيهًا، فيقول: أنا الإسلام! قال النبي : «وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً, كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً», قَالُوا: مَن هي يا رسولَ اللهِ؟ قَالَ النبيُّ : «الْجَمَاعَةُ». وفي روايةٍ: «عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي».

فلا يمثِّل الإسلامَ طائفةٌ من الطوائف، ولا جماعة من الجماعات، ولا حزبٌ من الأحزاب، ولا داعية من الدعاة إلا إذا كان يتكلم بالإسلام الصافي؛ الصافي اعتقادًا، الصافي عبادةً، الصافي معاملةً وأخلاقًا حين يَنْسِبُ إلى الإسلام، فتكُون قداسة كلامه فيما نسبه إلى الإسلام، فيما نسبه إلى النص الشرعي من كتاب الله ومن سنة رسول الله .

أيها الأحبة، مصطلحٌ واحد.. سأقف معكم خلال هذه الضربات والغزوات، وخلال هذه الافتراءات والاعتداءات التي يحاول الناس اليوم وعلى رأسهم وسائلُ إعلامٍ مشبوهة، ودعاةٌ على واجهاتها إنما ينفِّذون خُطط الغرب وخُطط الأعداء من أجْل القضاءِ على هذا المصطلح العظيم السامي القيِّم المبارَك، إذا عرَفناه، وعرَفنا معناه، وعرَفنا منهاجه، وعرَفنا سنته، فإنه منهج النبي ..

باختصارٍ شديد، هذا المصطلح: هو مصطلح السلفية، السلفية بين انحراف المدَّعِين وافتراء المعادِين.

السلفيةُ بين انحراف مَن دعا إليها وانتسب إليها، وقال: أنا سلفي، والسلفية منه براء، وبين افتراء المعادِين للسلفية الحق مستغلًّا سلبيةَ مَن انتسب إليها وادَّعاها بغير حق.

ووقفَ هذا المصطلح المظلوم بين تلك الطائفتين؛ بين طائفةٍ ادّعته، والسلفيةُ منه براء، وبين طائفةٍ افترتْ عليه وهُم يَعلمون أن السلفية الحق هي العودة إلى النبي وصحابته، فأرادوا أن ينالوا من الإسلام نفسه ومن النصوص القرآنية والنبوية نفسها لا من أشخاصٍ وأفرادٍ، ولكنهم استغلّوا تلك السقطات والهفوات والزلات.

كنا في الماضي -ولا أقولُ: في الماضي البعيد، بل القريب- ربما سألَ الواحِدُ نفْسَه: هل يمكِن أن يتكلم عن المنهج السلفي؟ أقصد مصطلح السلفية على المنابر، لعل الناس لا يَعُون كثيرًا من هذا، فحسبنا أن نقول: أهل السنة والجماعة، الفِرقة الناجية، الطائفة المنصورة..

لكننا الآن صرنا ونحن نمشي في الطرقات نسمَعُ أطفالًا صِغارًا: يا سلفيون..

نسمَع نساءً يشيرون إلى عرباتنا ونحن نركبها: هؤلاء السلفيون.

نسمَع الإعلامَ، وهو يقول: السلفيون.

نسمَع في فئاتِ المجتمع -حتى العوام- يرددون: السلفيون.. السلفيون.

فهل نغِيبُ عن هذا الواقع؟! لا واللهِ.

هل نترك هذا الواقعَ يتحكَّم في عبارته ومُصْطَلَحِه ولفظةِ السلفية؟!

هؤلاء غيرُ أمناء، حتى ظنَّ الناسُ أنَّ المنهج السلفي وأنَّ السلفيةَ وأنَّ الدعوةَ لما كان عليه النبيُّ والصحابة دعوةُ إجرامٍ! دعوةُ تكفيرٍ! دعوةُ تفجيرٍ! إنْ هي إلا حزبٌ من الأحزاب {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [يوسف: 40]، [النجم: 23].

وصارتِ السلفيةُ يمثِّلها عند الناس الآن حزبٌ، يُقالُ: حزبُ النور، أو داعيةٌ، يُقالُ: هو فلانٌ أو علان، وغابتِ السلفيةُ الحقُّ عن الواقعِ في المفهومِ والمضمون والمدلول.

لهذا فلزامًا علينا، ومن الواجب علينا إنْ كنا دعاةً صادقِين، وإنْ كنا طلبةَ عِلمٍ راسخِين أنْ نجلِّيَ للناس ما علَق بالأذهان، وأنْ نَرُدَّ عن هذا المصطلح العظيم المبارك الشافي الذي يعتز الإنسانُ به وهو يتلفظُ به، الذي (كلمة غير مفهومة) الإنسانُ به، ويدعو إليه؛ لأن هذا المصطلحَ أكبرُ من أن يكُونَ حزبًا معاصرًا، هذا المصطلحُ أكبرُ من الداعيةِ الذي يعلو منبرَه، أو يقف في محرابه، أو يتصدَّرُ في دعوةٍ.

هذا المصطلح -باختصارٍ- ما كان عليه النبيُّ والصحابةُ، إنها السلفية الحق، التي ينضوي تحتها كلُّ عالِم، وكل طالب علم، وكل عامي إذا كان على طريقة النبي وصحابته.

وهل يَعترضُ معترِضٌ على هذا؟! هل يَعترضُ معترِضٌ على أنّ إنقاذَ الأُمَّةِ، وأن استقامتها، وأن حياتها الحياةَ الحقيقة في ظل منهج النبي والصحابة؟!

فالسلفية تساوي «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمِ وَأَصْحَابِي».

فالسلفية تساوي «الجماعة».

فالسلفية تساوي الطائفةُ المنصورة.

فالسلفية تساوي الفِرقة الناجية.

فالسلفية تساوي أهل الحديث.

فالسلفية تساوي أهل الأثر.

فالسلفية تساوي النبي والصحابة.

فالسلفية تساوي {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].

إنها تساوي {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65].

إنها تساوي {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].

إنها تساوي {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

فإذا قال واحدٌ: أنا لا أتبرأ من تلك الآيات، ولا من هذه النصوص البينات الواضحات من سنة النبي .

قلنا: تلك السلفية.

ولهذا كان لابد من أن ننزِّه السلفيةَ عن ادعاء المنحرفِين الذين انحرفوا وادّعوا السلفية وهُم كاذبون، وعن افتراء -أيضًا- الأعداء المعادِين الذين يعادون تلك الآيات التي ذكرتُها لكم، لمْ يعادوا حزبًا معينًا، ولا رجلًا معينًا، ولا داعيةً، إنما -في الحقيقة- يعادون رجوعَ أُمَّةِ الإسلامِ إلى المنبعِ الصافي وإلى المنهجِ الخالص.

فإنْ قلتَ لهم: عودٌ إلى النبي والصحابة.

قالوا: تلك رجعيةٌ! أتريدُ منا أن نعُودَ إلى عصرِ البيداء والصحراء، وعصرِ البعير والناقة، إلى عصر كذا وكذا؟!

فهُم -في الحقيقة- يحارِبُون الإسلامَ الصافي -وإنْ اتّخذتْ صورة الهجمة على الأحزابِ التي تنتمي إلى هذا، الهجمة على الإرهاب، الهمجة على التكفيريين والتفجيريين-.

والحمدُ لله السلفيةُ -وللهِ الحمدُ- السلفيةُ الحق هي أعظم، هي أَوْلَى، هي أوَّل، هي أقوى مَن يواجِه التكفير في المجتمعات، ومَن يواجِه التفجير في المجتمعات.

لأن هذا التكفير والتفجير إنما ينطلقون من نصوصٍ شرعيةٍ فَهِمُوها الفهمَ السيئ الفاسد، وينطلقون من عباراتٍ موهومةٍ، وينطلقون من قواعد ضالة قعَّدوها لأتباعهم، فظنوا تكفيرَ المسلمين منهجًا رائدًا، وظنوا تفجير المسلمين جهادًا في سبيل الله.

فمَن ذا الذي يقوَى على ردِّ النص بالنص؟ ومَن ذا النص يقوَى على ردِّ الفهم بالفهم؟ ومَن ذا الذي يقوى على إبطال القاعدة بالقاعدة؟ إنهم الذين تربوا على المنهج السلفي الخالص، وتربوا على أيدي العلماء الأكابر، وربطوا الأُمَّةَ بمنهاج أئمتها وعلمائها من لدن الصحابة إلى اليوم الذي نعيش فيه.

لأن المنهجَ السلفي ليس منهجًا يَقْبَلُ التجديدَ، وإنما هو منهج معصوم قد فُرِغَ منه، وانتُهَى منه بموتِ النبي حينما أنزلَ اللهُ U قولَه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

السلفيةُ بين ادِّعاء المنحرفِين وبين افتراءِ المعادِين، السلفيةُ وسطٌ في المعتقَدِ والمنهجِ، وسطٌ في المعتقَدِ والمنهجِ بين طائفتين: بين طائفة المفرِّطِين والغالِين، وبين طائفة المعتدِين المفترِين.

إنَّ العقيدةَ السلفية عقيدةٌ خالصة، إنها تُخرِجُ العِبادَ من عبادة البشر؛ من عبادة العِباد إلى عبادة رب العِباد، فترَى السلفيةَ الحق تقاوِمُ كلَّ مظهرٍ من مظاهر الوثنية التي لمْ تنهِ بفتحِ مكة عند هدمِ هُبَل واللَّات؛ حينما هدمَ النبي تلك الأصنام.

ولكنها الوثنية التي تتخذُ أشكالًا متنوعة وصورًا متفاوتةً؛ فتارةً تكُونُ قبرَ وَلِيٍّ وقبرَ صالحٍ، وتارةً تكُونُ حجارةً يُتبرَّكُ بها، وتارةً تكُونُ ترابًا يحمله الإنسانُ معه، وتارةً تكُونُ توكُّلًا على غيره، وتارةً تكُونُ تعظيمًا بالحلف سواه.

ولكنها تربطُ الناسَ بربِّ العالمين ، {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17].

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110].

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9].

«لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ».

هكذا يقرِّر القرآن والسُّنة معتقَدَ المسلمِ، وأنه يَخْرُجُ من الوثنية بكل أشكالها وصورها -وإنْ كانت تتسترُ بستارِ محبةِ الصالحين أو الانتماء لأهلِ بيت النبي -.

ولا شك أن محبةَ الصالحين أمرٌ عظيمٌ، وأن محبة أهل بيت رسول الله أمرٌ جليل، ولكنّ فَرقًا عظيمًا بين محبة الصالحين وأهل البيت وبين عبادة هؤلاء.

فهذا المنهجُ السلفي يجعلك عبدًا لله وفقط، يجعلك قائلًا: لا إلهَ إلا اللهُ، بركنيها، وشروطها، ومعانيها، وألفاظها المحكَمة.

فلا إله إلا الله تعدِلُ في المنهج السلفي: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، فلا يُعبَدُ إلا هو .

ولهاذ لمَّا قالها لهم رسولُ الله ، عَلِمَ المشركون معناها فلمْ يستجيبوا لها، قال -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ 35 وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ 36} [الصافات: 35-36].

ولمَّا عرضَ النبيُّ تلك الكلمة على عمه أبي طالب وهو في النَّزْعِ الأخير كما جاءَ الحديث عند البخاري وهو يقول: «يَا عَم، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فقال عمُّه له في آخِر ما قال -وعنده أبو جهلٍ يقول: أترغَبُ عن مِلَّةِ عبدالمطلب؟-، فكان آخِرُ ما قال: على مِلَّةِ عبدالمطلب.

إنهم يَعلَمون جيدًا أن لا إله إلا الله؛ تعني تَرْك مظاهر الوثنية {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].

المنهج السلفي في عقيدته يَقُوم على الإيمان بالقَدَر وباليومِ الآخِر والكتب والرسل، واحترام الصحابة وتبجيلهم، ومجانبة أهل الأهواء وآرائهم، وغير ذلك من هذه المبادئ والأصول التي ذكَرناها لكم على هذا المنبر في خطبةٍ ما.

إنهم يتبرؤون في عقيدتهم من كلِّ مذهبٍ هدَّامٍ يُخالِف هذا المنهج، من كل مذهبٍ قام على ربطِ الناس بعبادة غير الله؛ كالطوائف الصوفية الغلاة الذين تمحوروا حول هذه القبورَ، وكطائفة الشيعة والروافض الذين ربطوا الناس بأئمة البيت (كلمة غير مفهومة)، فجعلوا لهم اثني عَشَرَ إمامًا هُم الأئمة المعصومون، وآخِرُهم إمامهم المخفي الذي دخلَ السردابَ -في زعمهم- ولمْ يخرج إلى الآن، وبالطبع لن يخرج إلى قيامِ الساعة.

يتبرؤون من هذا كله، ويتبرؤون من كل مُنحرِفٍ في هذه العقيدة وهذا المنهج، فيتبرؤون من كل أهل الانحراف والبدع والأهواء، من كل الفِرق التي انتسبت إلى الإسلامِ، والإسلامُ منها براء.

يتبرؤون من جهميةٍ عطَّلوا الصفات، ومن خوارج كفَّروا بالذنوب والمعاصي، ومن مرجئةٍ قالوا: لا يَضرُّ مع الإيمان معصية؛ كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومن قدريةٍ أنكَروا قدر الله، ومن جبريةٍ ألغوا إرادة العبد ومشيئته.

إنهم يتبرؤون من كل هذه الطوائف، ومن الطوائف المعاصرة والمذاهب المعاصرة يتبرؤون أيضًا من كل الجماعات المنحرفة الموجودة أيًّا كان اسمها وأيًّا كان شكلها؛ من إخوانٍ، وجهادٍ، وجماعةٍ إسلامية، وتكفير وهجرة، وتوقُّف وتبيُّن، وغير هذه الطوائف.

فإنهم يتبرؤون ويَدْعُونَ الأُمَّة إلى انتسابٍ صافٍ، إلى عقيدةٍ خالصةٍ، فيتبرؤون مِن كل مَن انتسبَ إلى الإسلام وليس على هدي النبي وطريقةِ القرآن.

وفي المقابل ينتسبون إلى مَن يُعادِي الإسلامَ! مَن يُعادِي الإسلامَ من المذاهب الهدّامة، والأفكار المعاصرة، والمذاهب المعاصرة؛ كالعلمانية، والحداثية، ودعاة التحرُّر والتحرير -تحرير المرأة-.

وتلك المذاهب الهدّامة المعاصرة يتبرؤون منها، وهُم الذين جاءوا اليومَ على واجهاتِ الإعلام، يَنْفِرُونَ من كل ما يُسمَّى الإسلام، ومن كل ما يُسمَّى بالنص الشرعي، وإذا ذكَرتَ لهم: قال اللهُ قال رسولُه، كأنما لدغه عقربٌ!

لأنه لا يريد أن يُذْكَرَ في برنامجه قال الله وقال الرسول، فضلًا أن تقول: قال أحمد بن حنبل، أو تقول: قال إمامُ الدنيا الشافعي، أو تقول: قال إمام دار الهجرة الإمام مالك، أو تقول: قال أبو حنيفة النعمان إمام أهل الكوفة، أو تقول: أحدًا من هؤلاء..

فإذا ذكَرتَ نصًّا قرآنيًا أو نبويًا، أو إمامًا مهديًا، أو عالِمًا ربانيًا، نَفَرَ وعادَى، وقال: ما هذا الذي تَذْكُر؟! إننا في عصرٍ ينبغي أن نُنحِّي الشريعة! وينبغي أن نُنحِّي تلك النصوص، وأنْ نَفْهَمَ هذه النصوص بالفهم العقلي؛ فمَا أدَّى إليه عقولنا آمنا به، فهو الوحي الجديد!

إذا كان هناك وحيٌّ قديم نَزَلَ على النبي وهو جبريل الرسول الأمين {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 6]، إذا كان هذا وحي هو الذي نَزَلَ على النبي فهناك وحيٌّ جديد! كأني بهم يقولون ذلك، هناك وحي جديد، هو وحي العقل، فلابد أن نَعرِضَ نصوص القرآن ونصوص السُّنة على العقل، فما قَبِلَهُ العقلُ قَبِلْنَاه، وما ردَّه العقلُ رددناه!

وتلك الدعاوى موجودةٌ على واجهات الإعلام، موجودة الآن، ولعل بعضكم يُتابِعُ بعضَ برامجها؛ كبرامج إبراهيم عيسى الضال، أو كبرامج إسلام البحيري المنحرف، وغير ذلك من أصحاب العقول العفنة التي تُحارِبُ نصوص القرآن والسُّنة، بدعوى التنوير، قائلِين رافعِين شعارًا عظيمًا: (سوف يمضي قطارُ التنوير، ولن يستطيعَ أحدٌ أنْ يُوقِفَهُ).

ونقول لهم: بئس ما تقولون! فأنتم أفراخ المعتزلة، وأنتم أَذْنَاب المعتزلة، أنتم معتزلةٌ وَطأَهُم أهلُ السُّنة قديمًا حينما عَلاهم أحمد بالنصوص، وغزاهم أئمةُ الإسلامِ بعد أحمد، حين ردُّوا بعقولهم العفنة للنصوص الشرعية وبالفهم المُنضبِط.

وسيقفُ هذا القطارُ -بإذن الله -تبارك وتعالى-، ولنا مع هؤلاء العقلانيين وقفاتٌ -بإذن الله -تبارك وتعالى- بعد ذلك، لكن حسبنا تلك الإشارة.

فهؤلاء مُعادُونَ للمنهجِ السلفيّ، أتدرون لماذا؟ معادون للسلفية، أتدرون لماذا؟ لأن المنهجَ السلفي يربط الأُمَّة بالنصوصِ من القرآن والسُّنة بفهم سلفِ الأُمَّة.

أَمَّا هؤلاء يريدون تقطيعَ الأواصِرِ بين الأُمَّة وبين نصوصِ القرآنِ والسُّنة، بين الأُمَّة وبين علمائها، حتى يقولُ بعضُ مَن سميتُ، يقولُ: عجبٌ! عجبٌ أنْ ترجِعَ الأُمَّةُ إلى أربعة رجالٍ فتأخذ فقهها وتأخذ أحكامها، عجبٌ هذا!

هل نَرْجِعُ إلى أبي حنيفة، أو أنْ نَرْجِعَ إلى مالكٍ، أو أنْ نَرْجِعَ إلى شافعيٍّ، أو أنْ نَرْجِعَ إلى أحمد بن حنبل؟ عجبٌ هذا! فلابد أنْ نفهمَ النصوصَ بفهمِ العقلِ!

فالمنهجُ السلفي بريءٌ ممن انتسبَ إليه انتسابًا، فصارت المرجعيةُ عنده الحزب الذي ينتمي إليه والشيخ الذي يكُونُ بين يديه كالميت بين يدي المغسِّل، وبريءٌ -أيضًا- من افتراء مَن عاداه؛ حين يريد أن يَقلِعَ جذورَ الارتباطِ بالكتاب والسُّنة بفهم سلف الأُمَّة، ويدعو الأُمَّة إلى هذا المنهج العقلاني الذي لا يرضخ لوحي الله U الذي أنزله على نبينا .

بين هاتين الطائفتين وبين هذين الادِّعاءَين يكُونُ المنهجُ السلفي وتكُونُ السلفيةُ النقيةُ الخالصة التي تعتمدُ على نصوص الكتاب والسُّنة، السلفيةُ التي هي على ما كان عليه النبيُّ في اعتقاده، وأصحابُه -رضوان الله عليهم-، {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 29} [الفتح: 29].

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على نبينا محمدٍ ، وعلى آله وأصحابه أجمعين... وبعدُ:

أيها الأحبة، فكما أخذنا هذا المصطلح العظيم وهذه النسبة الكريمة إلى النبي وصحابته، سَمِّها سلفيةً، سَمِّها أثريةً، سَمِّها جماعةً، سَمِّها طائفةً منصورة، سَمِّها فِرقةً ناجية، فكلها انتساباتٍ صادقة، لا تعني تعصُّبًا لرجلٍ معين، ولا لحزبٍ بعينه معاصر، وإنما تعني الرجوعَ بالإسلام إلى ما كان عليه النبيُّ والصحابة، وهل يَختلِفُ في ذلك اثنان، أو يعترِضُ على ذلك أحدٌ من الأنام؟!

مَن اعترضَ على هذا الرجوع وتلك النسبة فإنه معترِضٌ على الرجوع إلى النبي وسنته؛ لتكُونَ رائدةً في سماء هذه الأُمَّة، إنه التخلي عن مصدر العِزَّةِ والقوة الذي جعلَ هذه الأُمَّةَ أُمَّةَ الريادة.

ثانيًا: السلفيةُ والسياسة وفقهُ الواقِع:

السلفيةُ، المنهجُ السلفي لا يحرِّم السياسة، ولا يقولُ: لا سياسةَ في الدِّين ولا دِينَ في السياسة، إنما المنهجُ السلفي يَعْلَمُ أنَّ السياسةَ وأنَّ قيادةَ الناس وأنَّ سياسةَ الناس جزءٌ لا يتجزأ من هذه الشريعة؛ في عبادتها، وفي اعتقادها، وفي معاملاتها، وفي حدودها وجنايتها، وفي كلِّ هذا الإسلامُ.

الإسلامُ الذي يَقُودُ البشريةَ ويَسُوسُ الناسَ، لكنْ بأي منهج؟ إن المنهج السلفي حينما ينظرُ إلى السياسة، فالسياسةُ تعني عنده سياسةُ النبيُّ، سياسةُ أصحابِ النبي ، السياسةُ المرتبطةُ بالنص الشرعي.

وأيُّ أمرٍ سياسيٍّ لا نجده في كتاب الله ولا في سُنة رسول الله ؟!

أمَّا مسائلُ الحرب وقيادة الجيوش فلا تظن أنها منفصلة عن المنهج السلفي ولا عن الكتاب والسُّنة، كم في القرآن من غزواتٍ ذُكرتْ، ألمْ تُذكر بدرٌ في القرآن؟! ألمْ تُذكر أحدٌ في القرآن؟ ألمْ تُذكر الخندق والأحزاب في القرآن؟! ألمْ تُذكر حنين في القرآن؟! ألمْ تُذكر تبوك في القرآن؟! ألمْ تُذكر تلك الغزوات؟!

ولقد جاء البيانُ الإلهي بالثناءِ والمدح أو المعاتَبَة والمؤاخَذَة في بعض الأحيانِ وفي بعض الأمور؛ {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ 25 ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 25-26].

لقد علَّمنا اللهُ في عليائه أمرًا سياسيًا، إنْ لقينا أعداءَ الإسلام أنْ نتَّخِذَ العُدَّةَ السلاحية، لكنْ لا نعتمدُ عليها إلا بعد العدة الإيمانية.

فاحذروا أيها المسلمون، أن تعتمدوا على سلاحٍ فتاك، أو على قنابل عنقودية، أو على طائراتِ شبح، أو على مُفجِّراتٍ خاصة، أو على جنودٍ تدربوا وفقط! ولكنْ عليكم بالاعتمادِ على اللهِ {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25].

إنه الأساسُ الذي يَقُودُ به المسلمون المعاركَ والحروبَ، مُؤْمِنِين مُعتقِدِين أنهم يخوضون حروبًا إيمانية، حروبًا عقدية؛ فحيثما أَمرَهُم النصُّ بوضعِ السيفِ وبوضعِ السلاح وضعوا، وحيثما منعهم امتنعوا.

فخلاصةُ الجهاد عندنا سيفٌ ناصِر وكتابٌ هادٍ، سيفٌ ناصِر وكتابٌ هادٍ؛ يرَى الإسلامَ بنصوصه الشرعية، لَيَضَعُ شعارًا على كافة المعارك والحروب: كتابٌ هادٍ، سيفٌ ناصِر.

مسلمون يُصلُّون في ساحات الوَغَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102]، أليست آيةً في القرآن؟! تبيُّنُ كيف ونحن نلقَى الأعداءَ ما صنيعُنا؟ كيف نصنع؟ {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]، إلى أنْ قالَ : {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)} [البقرة: 239]، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103].

لقد وضعَ لنا الإسلامُ في نصوص القرآن، ووضعَ لنا النبيُّ في سُنته كيف نُجاهِد، أليس الجهادُ، أليس قيادةُ المعارك من أخص الأمور السياسية؟!

لقد وضعَ لنا المنهجُ السلفي كيف نَحْكُمُ الناسَ، كيف نَسُوسُ الناسَ، إنَّ سياسةَ الناس إنما تكُونُ بشريعةِ ربِّ العالمين ؛ فقد قالَ ربُّنا في كتابه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49].

فلا يرَى المنهجُ السلفي منهجًا يَحْكُم، ولا منهاجًا يسوس الناس إلا بالرجوعِ إلى كتاب الله وإلى سُنة رسول الله، لا بمذاهب أرضية، ولا بقوانين وضعية، فكلُّها سراب لن تجدَ الأُمَّةُ من ورائه إلا الضَّنْك.

قالَ -تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى 124} [طه: 124].

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 50} [المائدة: 49-50].

إنَّ المنهجَ السلفي لا يرَى في السياسة إلا منهاجًا واحدًا؛ هو كتاب الله، وهو سنة رسول الله، ولا يعني المنهج السلفي إذ يقول ذاك أنه يَمنعُ دورَ العقل، ودورَ الانتفاع بالخبراء، وأهل السياسية الكبار.

وسادةُ مَن يُطبِّقُ هذا ويُنفِّذه.. بل إنَّ النبيَّ وضعَ رحَى المعركة لمَن يُحْسِنُ قيادَتها؛ قَبْلَ أنْ يموتَ وقد أَعَدَّ جيشًا، مَن الذي قاده وجعله النبيُّ على قيادته؟!

أهو أبو بكرٍ؟ أخطر الأُمَّةِ، صِدِّيقُها.

أَمْ هو عُمَر؟ فارُوقُها.

أَمْ هو عثمان؟ ذو النورَين.

أَمْ هو عليٌّ؟ ابنُ عمِّه، وصهرُه وحبيبُه.

أَمْ هو مَن؟ إنه قائدٌ من قُوّاد المسلمين، اكتشفَ النبيُّ قدراته، وأَدْرَكَ النبيُّ حُسْنَ سياسته، إنه ليس مُخَضْرَمًا تجاوَزَ الخمسين أو الستين، (كلمة غير مفهومة) لمْ يبلغِ العشرين، إنه أسامة، أسامة بن زيد -رضي الله عنه-.

إن النبيَّ يضعُ رحَى المعركة في يَدِ مَن يَأْمَنُ عنده على المسلمين ودِينهم ودنياهم، ثم في تارةٍ أخرى يرسل النبي جيشًا إلى مؤتة ويعطي الراية لجعفر، يعطي الراية لزيد، يعطي الراية لعبدالله بنِ رواحة، على التوالي؛ «إِذَا قُتِلَ فُلانٌ فَفُلانٌ، وَإِذَا قُتِلَ فُلانٌ فَفُلانٌ»، ويُرتِّبُ النبيُّ ؛ لأنه ليس كل أَحَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَرفعَ الراية، و يُمْكِنُ أنْ يخوضَ المعاركَ، و يُمْكِنُ أنْ يَقُودَ الجيوش.

وتَدُورُ رَحَى المعركة، ويُقتل هذا، ثُمَّ يَأخذُ الرايةَ بعده مَن عيَّنه النبيُّ ، ثُم يُقتل فيَأخذُ الرايةَ من بعده مَن عيَّنه النبيُّ ، ثم يُقتل، فمَن يَأخذُ الرايةَ؟ ولم يُعيِّنِ النبيُّ رابعًا..

إذا بالراية تذهب لقائدها، إذا بالسهمِ يأتي باريه، إذا بالأمرِ يَعُودُ إلى أهل الاختصاص والخبرة، وإلى القائد النِّحرير، «يَأْخُذُ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ»؛ إنه خالد بن الوليد.

فحينما نقول: إنَّ الأُمَّةَ تَحْكُمُهَا الكتابُ والسُّنةُ؛ {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، فلن يُنَحَّى أهلُ الخبرة والريادة، وأنْ يُمْسِكَ السهمَ العلماءُ الربانيون إذا لمْ يَكُونوا مُدرِكِين لقيادة المعارك.

لكنَّ العالِمَ الربانيّ يُجلِّي عن الشريعة، والقائد الربانيّ يُمْسِكُ بسيفه، ليُطلِقَ صاروخَهُ، أو (كلمة غير مفهومة) دبابتَه، أو يُطْلِقُ قنبلتَهُ.

فيُرجَعُ في الأمرِ إلى أهلِ الاختصاص؛ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 7].

إنَّ المنهجَ السلفي يَنظرُ إلى سياسة الناس بالعقوبات المنصوصة في القرآنِ والسُّنة؛ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178].

فتُقامُ الحدودُ، ويُؤخذُ القِصاصُ ممن اعتدَى على وجهِ العدل والإنصاف، إنه يردعُ كلَّ زانٍ فجرَ بإخوانه، فجرَ هذا الزاني بعِرض إخوانه، فتسلّق الأسوارَ، وتجنّح بالظلامِ؛ ليَفْجُرَ بالمؤمناتِ الغافلات، حينئذٍ تُقام عليه الحدود الربانية؛ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].

إنَّ هذا المنهجَ الرباني في جَلْدِ شاربِ الخمر، في جَلْدِه وتأديبِه، وقَطْعِ يدِ السارق؛ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38]، وقَتْلِ القاتِلِ؛ إنه يَضْمَنُ للبشرية السعادةَ، إنه يَضْمَنُ للبشرية الأمنَ والأمان..

إنْ قَتلنا قاتِلًا فلن يَقْتُلَ أَحَدٌ بعد، وإنْ رَجمنا زانيًا فلن يَفْجُرَ أَحَدٌ بعد، وإنْ قَطعنا يدَ سارقٍ في رُبْعِ دينارٍ يساوي جرامًا من الذهب فلن يَسرِقَ أَحَدٌ، وإنْ.. وإنْ.. وإنْ.

ليس المعنى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ} -فقط- {حَيَاةٌ}، ولكنْ لكم في الحدود حياة، لكم في شريعة رب العالمين حياة.

ها هو المنهج السلفي يتحدث وينطلق في سياسةِ الأُمم من كتاب الله ومن سُنة رسول الله؛ وبهذا يَخْتَلِفُ عن الأدعياء الذين ادّعوا المنهج السلفي ثم هُم مرَّغوا جَبِينَه في سياستهم العفنة!

فصاروا يتحاكمون إلى غيرِ ما أنزلَ اللهُ، صاروا يملؤون الميادينَ تحت مسمى السلفية وتحت مُسمَّى الإخوان المسلمِين، خرجوا على الحكام والسلاطين، وليس هذا من المنهج السلفي.

فالمنهجُ السلفي لا يَعْرِفُ خروجًا على حاكمٍ طالما أنّ له الإسلام، لأنَّ النبيَّ أمرَ ألا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه؛ كما جاء في حديث عبادة بن الصامت عند البخاري ومسلم: «وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ».

فالمنهجُ السلفي لا يَعْرِفُ مظاهرات السلفيين والإخوان، ولا يَعْرِفُ اعتصامات السلفيين والإخوان، لا يَعْرِفُ المنهجُ السلفي اضرابًا أو اغتيالًا أو اعتداءً على جنديٍّ في جَيْشٍ أو في شُرْطَةٍ.

بل كلُّ المجتمعِ السلفي مجتمعُ أمنٍ وأمان، كل أمنٍ.. كُلُّنا شُرْطَةٍ، كُلُّنا جَيْشٍ، كُلُّنا يُدافِعُ عن وطنه، وكُلُّنا يُدافِعُ عن دِينه.

كَوْنُ هذا لَبِسَ بَدْلَةً، ولبستُ أنا ثيابًا، هذا لا يُفرِّقُ بين كوني أنا (كلمة غير مفهومة) صمّام أمان، أنا () إنْ وقفتُ على منبري، منعتُ تلك الاعتداءات وأفتيتُ بحرمتها.

فليس المنهجُ السلفيُّ يَعْرِفُ ما يَعْرِفُه أدعياءُ السلفيةِ وأدعياءُ المنهجِ الإسلامي الذين يريدون ويقولون: نحن نريدُ أنْ نُطبِّقَ الإسلامَ. نقول: طبِّقوا الإسلامَ أولًا على أنفسكم.

وبين طائفةٍ أخرى هُم من أعداء الإسلام ومن أعداء المنهج السلفي -أيضًا-، استغلُّوا هذه الزّلات والانحرافات، فصاروا يطعنون في الإسلام، ويقولون: لا يَصْلُحُ الإسلامُ لسياسةِ العصرِ، لا يَصْلُحُ الإسلامُ لقيادةِ الناس، لا يَصْلُحُ الإسلامُ لكذا وكذا، الإسلامُ نحن ضدُّه، نحن ضد حجاب المرأة، نحن ضد أن نتحاكمَ إلى النص الشرعي، نحن ضد أن نُعِيدَ الأُمَّةَ إلى أئمتها وعلمائها، ولهذا صاروا ينالون من الإسلام، ويقولون: هؤلاء هُم السلفيون.

نحن نبرأُ من طائفةِ الإعلامين الذين يحارِبون الإسلام تحت مظلة محاربة المُنحرِفِين في الميادين، ونحن نبرأ ممن ينتسبُ -أيضًا- إلى المنهجِ السلفي وهو منه براء.

أيها الأحبةُ، السلفيةُ -ثالثًا- منهجٌ أخلاقي، منهجٌ ربّاني، منهجٌ أدبي، منهجٌ عرَّفنا كيف لا نتعاملُ مع المسلمين فقط، بل كيف نتعامل مع اليهود على أرضنا، ومع النصراني في بلادنا.

إنه لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَقتلَ نصرانيًا، أو يهوديًا، أو يعتدي على ماله أو عِرضِه، فضلًا أنْ يعتديَ على مُسْلِمٍ.

المنهجُ السلفي ضدُّ الاعتداء على النصارى في بلادنا.

المنهجُ السلفي ضد الاعتداء على اليهود في بلادنا.

المنهجُ السلفي {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 8 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 9} [الممتحنة: 8-9].

قال النبيُّ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ».

ولا زالَ الحديثُ (كلمة غير مفهومة) في أذهاننا وآذاننا؛ لقد مات النبي ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ في شعيرٍ أخذه.

بل إن النبي قد بيَّن وبلَّغَ قولَ اللهِ U: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]؛ قال اللهُ -تبارك وتعالى- مُبيِّنًا حِلَّ الطعامِ، وحِلَّ نكاحِ النساء من الكتابيات إذا كنَّ مُحصناتٍ عفيفاتٍ.

فيجُوزُ للمسلم أن يتزوجَ النصرانية، ويجُوزُ للمسلم أن يأكلَ طعامَ النصراني، هذا شيءٌ والمُعتقَدُ شيءٌ آخَر.

فنحن نعتقد أن مَن لمْ يُؤْمِنْ بنبي الإسلام، ومَن لمْ يُؤْمِنْ بالقرآن، فإنه ليس مسلمًا، وليس مؤمنًا، وهو كافر بالله رب العالمين، لكنَّ عدمَ الاعتداء عليه شيءٌ آخَر، هكذا علَّمنا النبيُّ .

وهناك مَن يقول.. ونحن بين طائفتين، بين طائفةٍ -أيضًا- تدَّعِي الإسلامَ، وتدَّعِي المنهج السلفي، وتدَّعِي وتدَّعِي، يَدعُون إلى التقاربِ مع هذه الأديان، وأنَّ كلَّ هذه الأديان إنما هي دِينٌ واحدٌ، كن نصرانيًا، كن يهوديًا، كن بوذيًا، كن مجوسيًا، كن ما كنتَ، فإن اللهَ يَقْبَلُ كلَّ مذهبٍ، ويرضَى عن كلِّ دِينٍ.

ونقول لهؤلاء: قال -تعالى-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].

وبين طائفةٍ أخرى -أيضًا- قد اعتدت على هؤلاء في بلادنا، قد اعتدت على النصارى، واستباحت أموالهم، واستباحت أعراضَهم، فقتلوا مَن قتلوا، واعتدوا على مَن اعتدوا.

نحن بسلفيتنا؛ سلفيةِ الأخلاق، سلفيةِ الآداب، سلفيةِ المنهج الرباني الذي لا يَعْرِفُ وضعَ أمرٍ من الأمور إلا في نصابه، والحمدُ لله رب العالمين.

وأخيرًا، نحن سلفيةُ الولاءِ والبراء:

فإننا نُوالِي المسلمين، ونوالي المؤمنين، {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ 56} [المائدة: 55-56].

إننا نوالي مَن أمرنا اللهُ بولائه، ونعادي مَن أمرنا الله U بعدائه؛ نعادي كلَّ كافرٍ، ونعادي كلَّ مجرمٍ.

نحن نعادي أُمَّةَ اليهود ونَعْرِفُ مخططاتهم، نعادي مَن يعتدي على بلادنا، مَن يضع الخطط حتى يُرفع الأمن من بلادنا، مَن يُنفِقُ على المذاهبِ الهدامة، مَن يُنفِقُ على السلاح ليُشترَى في بلادنا، مَن يكوِّن تلك العصابات ويَدْعَمُها بالأسلحة..

هكذا يعملُ أعداءُ الإسلام، فنحن نتبرأ منهم وإنْ آتوا بغصنِ الزيتون، وإنْ رسموا لنا حمامةً تطير، فإن الله علّمنا في كتابه {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

فنحن لا نَأْمَنُ لليهودِ أبدًا، ولا لأعداء الإسلام أبدًا، لسنا مع معسكر أمريكا، ولا معسكر روسيا، ولا معسكر فرنسا، ولسنا مع الحِلْفِ الأطلنطي ولا أطلسي، ولا غير ذلك.

نحن نعلَمُ جيدًا أنهم يكيدون للإسلام وللمسلمين، ولا نَأْمَنُهم أبدًا على بلادِ المسلمين.

وأيضًا نتبرأ من هؤلاء الذين يدعوننا دعواتٍ تغريبية إلى أنْ نكوُنَ مثلهم في الأخلاقِ والمعاملاتِ والحُكْمِ وغير ذلك.

ونقول لهؤلاء الإعلاميين الذين يربطوننا بهذا الغرب ويجعلونه قدوتنا، ويدعون الأُمَّة أنْ تقتديَ بهم في الحُكم وفي الأخلاق وفي الآداب وفي المعاملات وغير هؤلاء، نقولُ: أما هؤلاء الغرب الذين ليس عندهم شريعة، وضعوا لهم قوانين أرضية يمشون عليها، أما نحن فعندنا كتابُ ربنا، وعندنا سُنة نبينا، عندنا دواءُ أمراضنا، عندنا شفاءُ أسقامنا، فكيف نلجأ إلى قوانين مُستورَدة؟! {كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101].

أَعَرَفْتُم أيها الأحبةُ، أنَّ السلفيةَ.. أنَّ المنهجَ السلفي مظلومٌ بين ادعاء المنحرفين وبين افتراءات العادِين؟

أنا أريدُ أنْ أَخْلُصَ من هذه الخُطبة إلى كلمةٍ واحدةٍ أختمُ بها: إنَّ المنهجَ السلفي.. إنَّ السلفيةَ حينما تُذكَرُ لكم، لا تأخذوها من وسائل الإعلام المشبوهة، ولا تأخذوها من الجماعات المنحرفة المنتسبة إليها.

السلفيةُ.. أريدُ أنْ تَعْلَمُوا يا أُمَّةَ الإسلام، أنها منهجُ النبيِّ ومنهجُ الصحابة، فما كان عليه النبيُّ والصحابةُ فهو المنهجُ السلفي.

إننا لا ندعوكم إلى حزبٍ، لا ندعوكم إلى جماعةٍ، ندعوكم إلى ما كان عيه النبيُّ والصحابة، أيختلفُ في ذلك اثنان؟! أيترددُ في ذلك رجلان أو امرأتان أو صبيان؟! لا يترددُ في هذا أحدٌ من الأنامِ.

فاحذروا هجمةً على المنهجِ السلفي بدعوى محاربة المنحرفين، واحذروا انتماءً وانتسابًا زائفًا إلى المنهجِ السلفي.. أظنُّ الرسالةَ واضحةً، (كلمة غير مفهومة).

أنتم سلفيون، وإنْ زنا منكم زانٍ، فلقد زنا ماعِزٌ والغامدية، فرجمهما النبيُّ، ولمْ يُخرِجهما من صحبةِ رسول الله.

أنتم سلفيون، وإنْ سرقَ سارقٌ، فإن النبيَّ أقامَ حدَّ السرقة على المرأة المخزومية، ولمْ يُخرِجها من الصحبة.

أنتم سلفيون، وإنْ حصلتْ زلةٌ، وإنْ حصلَ معصيةٌ؛ فإنَّ المعاصي لا تُخرِجكم من كونكم من جماعة المسلمين؛ من جماعة السلفيين.

إنما يُخرِجنا من جماعة السلفيين مَن عاداهم في منهجهم، ومَن افترى على النبي، وأحدثَ في هذا الدِّين حدثًا، وابتدع بدعًا؛ فكان جهميًّا، أو صوفيًا، أو أشعريًا، أو جبريًا، أو قدريًا، أو إخوانيًّا، أو تبليغيًّا، أو حزبَ نور، أو حزبَ ظلام.. كلُّ هؤلاء ليسوا سلفيين.

فالسلفيةُ سلفيةُ عقيدة، السلفيةُ سلفية سياسة عظيمة، السلفيةُ سلفية أخلاق، السلفية سلفية ولاء وبراء، السلفيةُ رحمة لا تَعْرِفُ تكفيرًا للمجتمعات، السلفيةُ رحمة لا تَعْرِفُ تفجيرًا للمجتمعات، السلفيةُ مع أُمَّتِها، مع حاكِمها تُعينُه وتضع يديها على يدِه في طاعةِ الله U.

السلفيةُ تبرأ من كل تفجيرٍ، وتكفيرٍ، ومظاهرةٍ، واعتصامٍ، وغير ذلك.

وعليه فتلك الدعاوى التي تدعوكم إلى الخروجِ إلى الميادين في يومِ الثامن والعشرين من هذا الشهرِ تحت مسمى (الجبهة السلفية) هذه جبهةُ فتنةٍ، هذه جبهةٌ خلفيةٌ، ليست سلفيةً، هذه جبهةٌ متمرِّدة؛ كشأنِ المذاهب المتمرِّدة، كتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، والتكفير والهجرة، ليست جبهةً سلفيةً.

إنما الجبهةُ السلفيةُ -بحقٍّ- هو مَن يربِطُ الأُمَّةَ حُكّامًا ومحكومين، راعيًا ورعاةً، بما كان عليه النبيُّ والصحابةُ.

أسألُ اللهَ -بمنِّه، وكرمِه، وعظيمِ فضلِه- أنْ يُعيدَنا -وإياكم- حكّامًا ومحكومين إلى ما كان عليه سلفُنا الصالح، إلى النبيِّ وصحابته.

أسألُ اللهَ U، بمنِّه وكرمِه- أنْ يحفظَ علينا مصرَنا، وأنْ يحفظَ علينا أعراضَنا، وأنْ يحفظَ علينا أُمّتنا، وأنْ يرزقنا التحاكُمَ إلى كتابِ الله وإلى سُنّة رسول الله .

كما أسأله -سبحانه في عليائه- أنْ يُمكِّنَ من الإرهابيين، وأنْ يُمكِّنَ من المنحرفِين، وأنْ يُمكِّنَ من الضالِين، وأنْ يُوسِّعَ وينشرَ دعوةَ الدعاة المخلصين والعلماء الربانيين، إنه وَلِيُّ ذلك والقادِرُ عليه، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَكَ على عبدِالله ورسولِه محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأقمِ الصلاةَ.


 

 

وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

22 صفر 1436 هـ، الموافق 14/12/2014 م


 




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t288
[صوتية وتفريغها] [خطبة جمعة] [تنبيه العباد لخطورة العلمانية والإلحاد] لفضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي -حفظه الله- http://www.el-ghorba.com/forums/t287 Wed, 10 Dec 2014 08:07:16 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيها يُحذِّرُ الشيخُ من الإلحادِ الذي انتشر الآن بكثرة في بلدان المسلمين، وصرنا نشاهد على القنوات الفضائية مَن يناقش فكرة وجود الرب -سبحانه وتعالى-.

وفيها -أيضًا- يُحذِّرُ الشيخُ من نظريتي: النشوء والارتقاء، والانفجار العظيم.

وفيها -أيضًا- يُحذِّرُ الشيخُ من إسلام البحيري، وإبراهيم عيسى.

وفيها -أيضًا- لا يُسعِدُ البشريةَ ولا يُسعِدُ الأُمَّةَ إلا كتابُ الله -عز وجل- يُطبَّق بين أبنائها، وإلا سُنَّةُ النبي ﷺ تُطبَّقُ في المجتمع في جميع المجالات.

وأخيرًا تحدَّثَ الشيخُ عن سببين من أسباب انتشار هذا الإلحاد في بلاد المسلمين، وهما: ضعفُ المسلمين، والشهوات.




لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف











http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

          









 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (24) صفحة.

4. تم اعتماد خط (المصحف العثماني - حفص) كخطٍّ رئيسي في كتابة الآيات القرآنية.

وللحصول على آخر إصدارٍ للخط من موقعه الرسمي، اضغط هنــــا




لقراءةِ التفريغ:

إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّها الأَحِبَّةُ المؤمنونَ والإخوةَ المسلمونَ، إنَّ العَدَاءَ للإسلام عداءٌ عظيمٌ متمكِّنٌ، وهذا العداءُ قد تكلمنا عليه قبل ذلك؛ أنَّه إذا كان عداءً خارجيًا، فإنَّ الأمْرَ يَهُون؛ حيث أنَّ المسلمين سيواجهون هذا العداء والاعتداء قوةً واحدةً.

لكنْ أن يكُونَ الاعتداءُ من جسد هذه الأُمَّة عَبْر أفكارٍ خبيثةٍ، وعبر مناهج منحرفة، فإنَّ الأمْرَ خطيرٌ جِدُّ خطير؛ وذلك لأنَّه سيُعادِي الإسلامَ أبناءُ الإسلامِ، وسيُعادي هذه الِملّةَ أبناءُ المِلّةِ، فيمَن ينتسبون إلى الملة وإلى الإسلام.. حينئذٍ ستكُون الحربُ ضروسًا، سيكُون الصراعُ قويًا.

ولا شك أيها الأحبة، في وسط حياة هذا المجتمع الآن، ضمن صراعاتٍ سياسية على ما يكُون حول منصب الحُكْمِ وغيره، حول هذه الصراعات التي تُفجِّرها جماعاتٌ منحرفة، من جماعات تكفيرية وجهادية، وغير ذلك من هذه الجماعات المنحرفة التي تَقُوم على تأجيج هذه الثورات، وتلك المظاهرات؛ ليحيا المجتمع وسط الاضطرابات، وليفقد المجتمع الأمن والأمان.

وحينئذٍ تُبَثُّ هذه الأفكار، ويتسلَّط هؤلاء على المجتمع المسلم، فلا تسألْ حينئذٍ عن رقابٍ تطير، ولا عن دماءٍ تسيل، ولا عن أعراضٍ تُنتَهك، ولا عن أموالٍ تُسلب، ولا غير ذلك من هذه الأشياء.

وقد تكلَّمنا عن هذا الأمْرِ، بما تقُوم الجماعات التكفيرية، والتي تُسمِّي نفسها تارةً جهاديَّة، وتارة جماعات إسلامية، وتارة إخوانية، وتارة تكفيرية، وغير ذلك، لقد عشنا مع هذه الجماعات المنحرفة، وبَيَّنا خطرَها على المجتمع .

لكننا أيها الأحبة، سنقضي وقتًا في هذه الخطبة المباركة -إن شاء الله- مع بُعْدٍ آخَر يغفل عنه كثيرٌ من الناس، مع بُعْدٍ آخَر في مجتمعنا الآن, ومع داءٍ عظيمٍ، لا أكُون مُبالغًا إذا قلتُ: بأنَّ هذا الداءَ هو أعظمُ من الأدواء السابقة.

إنَّ هذا الداء لا يلتفتُ إليه كثير من الناس؛ لأنَّه داءٌ متمكِّنٌ يتخذ وسائل خفية، ويتخذ وسائل عظيمة في هدمِ الدِّين وثوابت الشريعة، في غيابٍ من الناس عن مناقشة الأمور الشرعية مناقشةً قائمةً على كتاب الله، وعلى سُنة رسول الله ﷺ.

حين يذهب الأمن والأمان، وحين يشتغل المجتمع بالمظاهرات والإضرابات والتفجيرات وغير ذلك، ينشأُ أصحابُ الفِكْرِ المنحرف، أصحابُ الإلحاد، أصحابُ المدارس العقلانية؛ التي تريد إلغاءَ الدِّين كله.

إنَّها لا تحارِبُ حاكمًا على كرسيه، ولا تحارب نظامًا تريد تغييره، وإنَّما -في الحقيقة- تحارب ملةَ محمدٍ ﷺ، ودِين رسول الله ﷺ؛ لإبعاد هذا الدين عن المجتمع، وإقصاء هذا الدين عن المجتمع، حتى لا يبقى أحدٌ في المجتمع يقول: قال الله، قال رسوله، قال سلفنا الصالح.. هؤلاء هُم أصحاب المدرسة العقلانية، هؤلاء هُم الملاحدة.

نَعَم أيُّها الأحبةُ، الإلحاد.. الإلحاد.. الإلحاد الذي هو إنكار وجود الله -عز وجل-، وما كان أحدٌ يتخيَّل أنَّ الإلحاد الذي هو إنكار وجود الرب -سبحانه وتعالى- يكُون في مجتمعات المسلمين.

إنَّ المجتمعات المشركة التي نشأ فيها النبي ﷺ في كُفَّار قريش، لمْ تكن تُنكِر وجود الرب -سبحانه وتعالى-، إنَّما كانوا يُؤْمِنُونَ بوجود الله، ويؤمنون به ربًا، وخالقًا، ورازقًا، ومُحيِيًا، ومميتًا.

لكنَّ القضية في الصراع الذي كان بين النبي ﷺ وبين هؤلاء، كان الصراع في توحيد الألوهية؛ إفرادُ الله -عز وجل- بالعبادة، والتوجُّه، والقصد، والإرادة، والتوكل، والإنابة، والخضوع، والخشوع، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من هذه الأشياء.

قال -سبحانه-: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} [الزخرف: 87]؛ أي: كفار قريش، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87].

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9].

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].

فهؤلاء الكُفَّار، الذين أُرسِلَ النبيُّ ﷺ إليهم، وهم كفَّار قريش في بيئته ﷺ الأولى، والنبي ﷺ قد أُرسِلَ إلى الإنس والجن، لكنَّه نشأ ﷺ أولًا في وسط كُفَّار قريش، ما كانوا يُنكِرون وجود الله -سبحانه وتعالى-، لمْ يكن عندهم الإلحاد؛ الذي هو إنكار وجود الله.

إنَّما كانوا يُنكِرون حقَّ الله -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].

{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} نَصْرِفُ العبادةَ له، ولا نَصْرِفُهَا لغيره؟! {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}.

فكانتِ القضيةُ: هي قضيةُ صَرْفِ حقِّ اللهِ -عز وجل- لأندادٍ وأوثانٍ؛ إلى مَناة، إلى اللَّات، إلى العُزَّى، إلى هُبَل.. ثلاثمائة وستون صنمًا حول الكعبة، قد اتّخذت القبائلُ آلهةً تعبدها من دُونِ الله، يصنعُ حَجَرًا، ويصنعُ إلهًا من عجوة، يعبده فترةً من الزمان ثم إنْ جاعَ أكله، أو إن وقع انكسر، فيَعُودُ؛ ليصنعَ إلهًا آخَر.

هذه هي عقول البشرية في عهدِ النبي ﷺ الذين أُرسِل اليهم النبي ﷺ، لكنْ لو تسألُ واحدًا: مَن الذي خَلق؟ مَن الذي رزق؟ مَن الذي أوجد تلك السموات والأرض؟ ليقولون: الله.

ولم يكن الإلحاد الذي هو إنكار وجود الله -عز وجل- معروفًا في القديم، بل كانت فكرةً يَلفِظها الناس، إلا ما كان من أفرادٍ قلائل عبر التاريخ، كما ذكرَ اللهُ -عز وجل- في كتابه عن فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، قال لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

فقد ادَّعى الربوبية، وقد ادَّعى الألوهية هذا الفرعون، ونحن على يقين؛ أنَّه ما تَبَنَّى فرعون ذلك، إلا وهو يُكابِرُ حِسَّه وعقله.

ولذلك قال موسى ♠: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102]، أنتَ تَعْلَمُ.

وقال اللهُ -سبحانه وتعالى-: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، فهم يُنكِرون ذلك ظُلمًا وَعُلوًا، ولا يقتنعون بذلك، ولكنَّها وُجِدَت.

فالتاريخ يُحدِّثنا عن فرعون، ويُحدِّثنا عن أفرادٍ قلائل، لكنْ أنْ يتحوَّل الإلحادُ إلى مدارس! أن يتحوَّل الإلحاد إلى طبقاتٍ عريضةٍ على وجهِ الكرة الأرضية في إنكار وجود الله -سبحانه وتعالى-! هذا أمرٌ مُقْلِقٌ ومُفْزِعٌ.

ولابد أنْ نقفَ معه وقفةً حتى يَعْلَمَ كلُّ واحدٍ منَّا خطورةَ الأمرِ؛ خطورةَ الأمر على نفسه، خطورة الأمر على ولدِه في شباب الجامعات، خطورة الأمر بَعد العولمة التي جعلت من العالَم كله كرةً صغيرةً، يستطيع الواحدُ أن يتعرَّف على أفكار الناس، وأن يقرأ ما في أذهانهم بسهولةٍ ويسرٍ، فصار هذا الإلحاد ربما دخلَ بيتك، والمعصومُ مَن عصمه الله -سبحانه وتعالى-.

حسب إحصائيَّات قامت من سنوات -لتنظرَ إلى أعداد الملاحدة في العالَم- إنَّ الإلحادَ غزا أوروبا، وغزا المجتمعات التي يُقال: مجتمعات متقدمة، ولقد بدأت بذوره تقوَى -هذا الإلحاد- في نهاية القرن السابع عشر وفي بداية القرن الثامن عشر، حينما عجزت الكنيسة عن إسعادِ أوروبا، وعن إيجاد الحلول عندهم.

حينئذٍ لجأ هؤلاء إلى العقل، ولجأ هؤلاء إلى التجربة الحسيَّة المحسوسة، وفي نهضةٍ علميةٍ وتكنولوجيَّةٍ، شهدتها تلك المجتمعات، ظهرَ تقديمُ العقل وظهرَ الاعتزازُ بقدرةِ الأفراد..

ومن هُنا برزت فكرةُ إنكارِ وجود الرب -سبحانه وتعالى-، إنَّ وجودَ ربٍ، إنَّ وجودَ دِينٍ، لَيتعارض مع العقل، ويتعارض مع إمكانيات الفرد، ويتعارض مع إباحيته، واستفراغ شهوته في كلِّ الميادين.

ولهذا ظهرت النظريات الفلسفية الإلحادية في المجتمعات حينئذٍ، كما قرَّرَها -على سبيل المثال- الماركسية التي أسَّسَها وقرَّرَها لِينِين مَارْكِس، حين أقام مذهبَه على الفكرة التي تقول: لا إلهَ، والحياةُ مادة!

لا إله: إنكار وجود الرب -عز وجل-، و أنَّ هذه الحياة ما هي إلا مادة، وأنَّ الدِّين أَفْيُون الشعوب.

أفيون! هذا الدِّين أفيون! لابد أن يُمحى الدِّين من بين الناس، فوجود الدِّين بين الناس يجعل هناك ضوابطًا، ويجعل هناك أصولًا، فلابد من محو هذا الدِّين الذي أدّى إلى كسلِ الشعوب كأنه أفيون، كأنَّه مُسْكِرٌ، أدّى إلى كَسَلِ الشعوب، وعدم الإنتاجية، وعدم الاعتزاز بالشخص، وغير ذلك من هذه الأشياء.. لهذا قال :لا إله.

والحياة مادةٌ؛ أي: مادة أزليةٌ، هذه ترجع إلى الطبيعة، ولا ترجع إلى وجودِ خالقٍ لهذا الكون.

فأنكرَ وجودَ الخالق -سبحانه وتعالى-، وقال: لا إله، هذه النظرية الماركسية التي قامت على ذلك.

كذلك من هؤلاء الفلاسفة: الفيلسوف المعروف الذي تعرفونه جميعًا، وتسمعون عنه، وهو دَارْوِين، الذي وَضع نظرية النشوء والارتقاء، والتي قرَّر من خلالها -أيضًا- نفي وجود الرب -سبحانه وتعالى-، وعودة هذه الكائنات في أصلها إلى خليةٍ بسيطةٍ، في يومٍ من الأيام هذه الخلية البسيطة منها حصلَ تطورٌ بعدَ تطورٍ حتى وُجِدَ الإنسان وسائر الكائنات، ثم إنَّ الطبيعة صارت تنتقي من هذه الكائنات -بعد تطورٍ وتطورٍ- صارت تنتقي بما يُسمِّيه هو البقاء للأصلح، أو الاختيار الطبيعي.

الطبيعة تختار من هذه الكائنات ما يُمكِنُ أن يبقى، وما لا يُمكِنُ أن يبقى تتركه وهكذا، نظرية النشوء والارتقاء.

فأنتَ لمْ يخلقكَ اللهُ -سبحانه وتعالى-، وإنَّما أنتَ كائنٌ حي، لكَ أصلٌ في قديم الزمان، خلية بسيطة، فلمْ يكن هذا الخَلْقُ مُتعدِّدًا؛ هذا خُلِقَ وحدَه وهذا خُلِقَ وحدَه، وإنما كانت كل هذه الكائنات تَعود إلى تلك الخلية البسيطة، وبعد ذلك حصل ارتقاءٌ وتطورٌ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ حتى صرتَ أنتَ أيها الإنسان.

من أين جئتَ؟ ما ندري من أين جئتَ! ومَن الذي خَلقَكَ؟ كُلُّنا نَعُودُ.. الإنسانُ والحيوانات والبهائم وكلُّ هذه الكائنات تَعُودُ في أصلها إلى خليةٍ بسيطة، والطبيعةُ هي التي تنتقي وتختار تحت قاعدة البقاء للأصلح.

قامت هذه النظرية -أيضًا- وتلك الفكرة -أيضًا- على تنحية وجود الله -سبحانه وتعالى-، وأنَّ هذا الكون ما أوجَده خالقٌ ولا ربٌ، وإنما وُجد هذا عَبْرَ نظرية النشوء والارتقاء، حتى إنَّه ليقول: إنَّ الإنسان يرجع أصله إلى قردٍ!

وذلك للمُشابَهَةِ بين الإنسان وبين الحيوانات، فيَعُود بكَ.. أنتَ كأصلٍ تَعُودُ إلى القردِ -والعياذُ بالله-.

هذه نظريةٌ عقلية، ووُجدتْ هذه النظريات وفرَّختْ، ومن النظريات -أيضًا- التي وُجدت ما يُسمَّى بنظرية الانفجار العظيم، وهذه النظرية -أيضًا- تقُوم على إنكار وجود الله -سبحانه وتعالى-، وأنَّه لا يُوجد ربٌّ لهذا الكون، ولا خالقٌّ لهذا الكون، وإنما يعُود هذا الكون -أيضًا- إلى كرة صغيرة كرأسِ الدَّبُّوس، وُجدت هذه قَبْلَ خمسة عشر مليارًا من السنوات، ثُم حصلَ لها انفجارٌ -هذه الكرة الصغيرة كرأسِ الدبوس- حصلَ لها انفجارٌ عظيم، فانشطرَ منها هذا الخَلْقُ وتلك الكائنات، ووُجدت من رأسِ هذا الدبوس الذي يعُود إلى خمسة عشر مليارًا من السنين!

فمَن الذي أخبرهم بذلك؟! ومَن الذي أعلمهم بذلك؟! وهل هذه الكائنات فعلًا تعُود إلى ما يُسمَّى برأس الدبوس؟!

وإنَّما أنا أُفصِّلُ في هذا -مع أنَّ البعض قد يقول: لا حاجة لنا في هذا- أنا أُفصِّل في هذا؛ لتَعْلَمُوا تلك العقلية الغربية وتلك العقلية المدنية العلمية التي تدَّعي معارضة الوحي ومعارضة الرسل بما عندها من تكنولوجيا، بما عندها من عِلمٍ، بما عندها من تجارب، بما عندها من تقدُّمٍ.

لأنَّ الصراعَ الآن هو بين وحيٍ أنزله اللهُ على أنبيائه، فجاءوا بالمنهج السعيد، وجاءوا بكتبٍ ورسالات، وأخرَجوا البشرية من تلك الظلمات إلى نورِ التوحيد، إلى نورِ الحق، إلى الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- ربًا، إلى الإيمان بالرسل، إلى الإيمان بفضائل الأمور التي جاءت بها رسلُ اللهِ.. صراعٌ بين هذا الوحي بمادته وبين العقل بمادته.

فانظروا إنَّما أقول لكم هذا؛ لتَعْلَمُوا أنكم تستنكفون عن سماع هذا، ولتَعْلَمُوا أنَّ تلك النظريات التي تدَّعي تمدُّنًا وتدَّعي حضارةً، أنَّها -والعياذُ بالله- الأنعامُ أعلى منها، وصدقَ اللهُ -عز وجل- إذ يقول: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179].

فتارةً عندهم يعُود هذا الخَلْقُ إلى خلية بسيطة، ثم تتطور من مرحلةٍ إلى مرحلة، حتى ينشأ الإنسان والكائنات، أو تارةً يعُود هذا الخَلْقُ إلى كرةٍ صغيرة لا تتجاوزُ رأسَ الدبوس، ثم بعد ذلك يحصلُ انفجارٌ لهذا الرأسِ، ثم يتكوَّنُ منه هذا العالَم.

وإلى الآن ولئن سألتَ هؤلاء: هذا الرأسُ -رأس الدبوس- مَن الذي أَوجَده؟! أنتم تقولون: رأس الدبوس، فمَن الذي أَوجَدَ رأس الدبوس، وهذه المرحلة من الانفجار التي حصلت؟!

إنّ الانفجارَ مُدمِّرٌ، ونحن نَعْلَمُ أنَّ الانفجارَ في أي مكان من الأماكن ليجعلُ الأمورَ عبثية؛ فحجرٌ هنا، ورأسٌ هنا، وخشبةٌ هناك، وغير ذلك، أمَّا أنَّ هذا الانفجارَ يُنْبِئُ عن سماءٍ عظيمة في صُنْعِها وخَلْقِها، وأرضٍ منبسطة، وجبال، وإنسان في أحسن تقويم يختلف عن البهيم، وبهيم على خَلْقٍ مُعَيَّن، أَيَعُودُ هذا الانفجارُ ليُشكِّل هذه التشكيلة من الإبداع الذي لا يُوجِدُها إلا ربنا -سبحانه وتعالى-؟!

أمَا نظروا إلى تلك السموات كيف رُفِعتْ بلا عمدٍ؟! كيف تُوجِدُ الطبيعةُ ويُوجِدُ هذا الانفجارُ سماءً ترتقي، ويُوجِدُ أرضًا تنبسط، ويوجِد جبالًا ترتفع؟!

{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17 وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ 18 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ 19 وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20].

أفلا ينظرون إلى هذه الأشياء؟!

{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ 58 أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 58-59].

{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ 63 أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63-64].

{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ 68 أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ 69 لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ 70 أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ 71 أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} [الواقعة: 68-72].

هذا الإلحاد الذي يقُوم على فكرة إلغاء وجود ربٍ لهذا الكون، هذا الإلحاد الذي -كما قلتُ لكم- لمْ يوجَد عَبْرَ التاريخ في صور جماعات ومؤسسات، وإنَّما وُجِدَ في صور أفراد قلائل، للأسف الشديد في عصرنا الحديث وفي زماننا الذي نعيش نَجِدُ موجةً من الإلحاد تَسُودُ العالَم كلَّه بنسبٍ صارت مُفزِعَةً للغاية.

فقد ذكرتْ بعضُ الدراسات أنَّ في أمريكا -الآن- من الملاحدة ما يبلغ 9% من سكان الولايات المتحدة، وفي كندا ما يصل إلى نسبةٍ مهولة ما يصل إلى 45% تقريبًا من سكان كندا، وفي أوروبا عمومًا ما يصل إلى ما يُقارِب أيضًا 45% ملاحدة لا يُؤمِنُون بوجود الله -سبحانه وتعالى-.

ولقد غزا هذه الإلحاد عَبْرَ تلك القنوات وعَبْرَ العولمة الحديثة، صار هذا الإلحاد إلى المجتمعات المسلمة ليكُونَ في بلدان المسلمين، فلا تخلو بلدٌ الآن من ملاحدة يُنكِرون وجود الله -سبحانه وتعالى-.

وهذا أمرٌ صار مُشاهَدًا وعلى القنوات الفضائية هناك الآن مَن يناقش فكرة وجود الله -سبحانه وتعالى-، وهناك مَن يتستر تحت المدرسة العقلانية حين يُلغِي الدِّين ويُقدِّم العقل على الدِّين تحت ما يُسمَّى قطار التنوير أو تحت ما يُسمَّى بالتغريب الذي يبدؤون هكذا؛ تغريب وتنوير، ثُم ينتهي إلى إلحادٍ وإنكارٍ لوجودِ الربِّ -سبحانه وتعالى-.

صار الإلحادُ في مجتمعنا الآن وفي مجتمعات المسلمين، صار الإلحاد الآن بين شباب الجامعات؛ هناك مَن يُنكِرُ الدِّينَ، هناك مَن يُنكِرُ وجودَ الرب -سبحانه وتعالى-، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

صار من أبنائنا -من أبناء المسلمين، من أبناء الإسلام، ممن نشأَ على شهادة ألا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله، نشأَ الآن على هذا التوحيد وتلك المُسلَّمات- صار الآن يُنكِرُ وجودَ الرب -سبحانه وتعالى-!

وكم واللهِ من شبابٍ لقيناهم يا إخواني، وهذا لا أقولُ: السَّنَة أو السَّنَة قبل تلك السَّنَة، وإنما من عشرات السنين وجدنا مَن -مِن شبابِ المدارس- وجدنا مَن يُنكِرُ فكرةَ وجودِ الرب -سبحانه وتعالى- ووجود الدِّين، وأنَّ هذا الخَلْقَ إنما يَعُودُ إلى الطبيعةِ؛ فطبيعةٌ أَوجدَتْ، وطبيعةٌ نظَّمتْ، وطبيعةٌ خَلَقتْ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومَن الذي خلقَ الطبيعةَ؟! والطبيعةُ هذه ما مادتها؟ ما مادةُ تلك الطبيعة؟ ما مادتها؟ التي لها إرادة، والتي لها قدرة، والتي لها اختيار، والتي لها سمعٌ، والتي لها بصرٌ..

ولهذا أقولُ: فكرةُ الإلحاد تلك.. لمْ نرَ فكرةَ الإلحاد عَبْرَ المجتمع الذي نشأَ فيه النبيُّ ﷺ، وإنما كان عابدًا للأوثان يُؤْمِنُ بوجود الله، لكنه يَصْرِفُ حقَّ اللهِ -عز وجل- لحقِّ المخلوقِين.

قد يقول قائل: لكنَّ هذا الأمر نحن لا نجده كثيرًا في مجتمعنا.

أقول: تلك الموجةُ العقلانية الموجودة الآن في هذا المجتمع عَبْرَ قنواتٍ فضائية وعَبْرَ كُتُب إلحادية تُصنَّف الآن لموجودٌ الآن.

كلُّ مَن يُنحِّي النقلَ عن الناس والدِّينَ عن الناس ويُقدِّم عقلَه ليكُونَ العقلُ هو الرائد وليكُونَ العقلُ هو المُشرِّع وليكُونَ العقلُ هو المُسيِّر، كلُّ هؤلاء إنما يصلون إلى خدمةِ هذا الإلحاد في تنحيةِ الدِّين عن الناس.

لعلكم سمعتم -حتى لا أكُونُ مُنظِّرًا أكثرَ من واقعيٍّ- لعلكم سمعتم منذ أشهر من هذا الكاتب المشهور المعروف وهو إبراهيم عيسى حينما يخرج على القنوات الفضائية، ويقول: ليس هناك ما يُسمَّى بالشريعة الإسلامية، وليس هناك ما يُسمَّى بالخلافة الإسلامية، هاتوا لي كتابًا يُسمَّى بكتاب الشريعة.

ما في شريعة، ما في شريعة إسلامية، هذا إبراهيم عيسى لعلكم تسمعونه وتعرفونه، يقول: ما في شيء اسمه شريعة إسلامية، ولا خلافة إسلامية، لا يُوجَد كتاب يُسمَّى كتاب الشريعة الإسلامية.

وهذا إبراهيم عيسى قام على إعداد حلقاتٍ فاقت العشرات يَرُدُّ ثوابت الشريعة، ويَرُدُّ ثوابت الدِّين؛ لا يُؤْمِنُ بنسخٍ، ولا يُؤْمِنُ بعذابِ قبرٍ، ولا يُؤْمِنُ برجمٍ، ولا غير ذلك من هذه الأشياء، وصار يُصوِّبُ سهامه تجاه ثوابت الشريعة وتجاه ثوابت الدِّين.

وهذا كاتبٌ إعلامي موجود على القنوات ربما يسمعه أكثرُ الناس، فكرتُه تلك تَعُودُ إلى ماذا؟ في النهاية تَعُودُ إلى تنحية الدِّين عن واقع الناس؛ لا ينبغي أنْ أقولَ لكَ: قال اللهُ.. قال الرسول، لا ينبغي أنْ أقولَ لكَ: كذا وكذا، فتقول لي: قال اللهُ.. قال الرسول.

ولهذا نراهم الآن يتأسَّدُون على كلِّ مَن يَذْكُرُ شريعةَ الرب -سبحانه وتعالى-، أو يريد أنْ يَعُودَ بالمجتمع إلى ما كان عليه النبي، أو يقول: نحن نريد حُكْمَ الإسلام، لكنِ الإسلام الذي جاء به النبيُّ ﷺ.

لا يُسعِدُ البشريةُ ولا يُسعِدُ الأُمَّةُ إلا كتابُ الله -عز وجل- يُطبَّق بين أبنائها، وإلا سُنَّةُ النبي ﷺ تُطبَّقُ في المجتمع في جميع المجالات.

لابد من كتابِ الله ومن سُنَّةِ رسول الله، لكنهم إذا سمعوا أحدًا يقول ذلك، قالوا: هذا يريد أنْ يرجعَ بنا إلى عصرِ البيداء، إلى عصر الصحراء، إلى الناقة، إلى كذا وكذا، إن المجتمع الآن صار مجتمعًا مُتقدِّمًا، صار مجتمعًا يعيش عصرَ النهضة العلمية، فلا ينبغي أنْ نَرْجِعَ إلى نصوص في القديم، لا ندري أقالها النبي أو ما قالها النبي، كان الإسلامُ يَصْلُحُ لحياة النبي ﷺ والصحابة، أمَّا الآن فلا يَصْلُحُ بين الناس كتابٌ وسُنَّةٌ.

وهذا الآخَرُ -أيضًا- الذي ربما سمعه بعضكم، وتعددت حلقاته وتنوعت، وتأسَّدَ تأسُّدًا عظيمًا، بل هو يدعو إلى المناظرة، وهو الذي يُسمَّى ويُدعَى بإسلام بحيري.

فإن هذا الرجل -أيضًا- يُصادِم نصوصَ القرآن، ويُصادِم نصوصَ السُّنة، ويضع قاعدةً عنده، وهي قاعدةُ التنوير، وينبغي أن يَخرُجَ الناس من ربقة النصوص الشرعية، حتى إنه ليصفُ النصوص الشرعية بالعجلِ! الذي تخلَّص منه موسى -عليه السلام-، فيقول: عجلُ بني إسرائيل، أنا أقولُ لكَ: كذا وكذا، فتقول لي: الأثر.. الدليل.. الحديث، هذا يساوي عجلَ بني إسرائيل!

فإنَّ بني إسرائيل قد صنعوا {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148]، يحسبونه على شيءٍ وليس بشيءٍ، كذلك -أيضًا- أنتم الآن في تمحوركم حول النصوص هذه كأنكم -تمامًا- كبني إسرائيل، صنعوا عجلًا وليس بشيءٍ، وسوف نهدِمُ هذا العجلَ، وسوف نتخلَّصُ من هذا العجلِ؛ كما تخلَّصَ موسى -عليه السلام- من عجلِ بني إسرائيل.

يتمنى إسلام -هذا- بحيري أنْ يتخلصَ من النصوص الشرعية ومن الأثر ومن الدليل؛ كما تخلّص موسى -عليه السلام- من عجلِ بني إسرائيل، ويقول: هذه المرة لن نتراجعَ، قطارُ التنوير يمضي ولن تتوقف عجلته.

كلُّ هؤلاء باضُوا وفرَّخوا في غيابٍ عن تأصيل الشريعة، واستغلوا سلبياتٍ عظيمة كبيرة وقعتْ من هؤلاء الذين يتصدرون لتعليم الناس الشريعة وهم من أبعدِ الناس عنها، استغلوا هذا، واستغلوا ضعفَ المسلمين في هذا الجانبِ، وصاروا يخاطبون الناسَ بموجِبِ عقلٍ، بموجبِ تجربةٍ، بموجبِ حسٍّ، وغير ذلك من هذه العقلانيات التي قالها الغربُ وأسّسها من غير قناعةٍ بها.

فهذا الغربُ الذي وضعَ قاعدة العقلِ والذي قال: بأننا نُؤْمِنُ بالمحسوسات، وما وراء المحسوسات نحن لا نُؤْمِنُ بذلك، هو نفسه يتناقضُ في هذا.

ولعلكم سمعتم عن قصة المعلِّمُ الذي أَخبرَ تلامذته يومًا ما لمَّا قال: هل ترونَ هذه النار -مثلًا-؟

يقولون: نَعَم. الطلابُ يقولون: نَعَم.

فيقول: إذن النار موجودة. هل ترون كذا؟

نَعَم.

إذن هو موجود. هل ترون الله؟

قالوا: لا.

قال: إذن هو غير موجودٍ.

فقام طالبٌ ذكيٌّ، فقال: يا أستاذ.

قال: نَعَم.

قال: هل ترى عقلك؟

قال: لا.

قال: إذن هو غير موجود.

إذن عقلُكَ هذا غير موجود، مع أنّ الغربَ يُناقِضُ هذا، والنظريات العلمية تناقض هذا، لا زالت النظريات العلمية تتكلم عن قانون الجاذبية، فهل رأيتم الجاذبية؟! تتكلم عن الإلكترون، فهل رأيتم ذلك؟!

تتكلم عن هذه النظريات وهي غير موجودة، وأنتم تعتقدون أن الجاذبية هذه موجودة، وأن هذه الجاذبية لها أثرٌ في الكون وكذا وكذا، صفوا لنا ذلك.

هل رأيتم الروح؟! وأنتم تعلمون أن الجسدَ كلمة غير مفهومة ويمضي ما بقيتْ فيه روحٌ، فإنْ فارقت الروح الجسدَ مات، فهل يُمْكِنُ وصفُ الروح؟ هل رأيتم الروح؟ ما رأيتم الروح، ومع ذلك تُؤْمِنُونَ بها وتعتقدونها.

إذن حتى هؤلاء في تأسيسهم لنظرية المحسوس، والإيمان بهذا المحسوس -وفقط- يتناقضون؛ إذ يُؤمِنُون بنظرياتٍ موجودةٍ وهي غير محسوسةٍ.

تلهثُ وراء غربٍ وشرق، تلهث وراء تلك النظريات، وتترك كتابَ ربك -سبحانه-، وتترك سنة النبي ﷺ.

ولهذا نقولُ -أيُّها الأحِبَّةُ-: إنَّ لهذا الإلحادِ أسبابًا: أولًا من هذه الأسبابِ: ضعفُ المسلمينَ:-

فصار شبابُ المسلمين يَنْظُرُ إلى أُمَّةِ الإسلام على أنها أُمَّةٌ هزيلة، أُمَّةٌ ضعيفة، فإذا نظرَ إلى الغرب وجدها أُمَّةً قويةً فانبهر بها، أبهرته تلك الحضارة، فتحوَّلَ ليقتديَ بها؛ لأن الإنسانَ مجبولٌ على الاقتداء بالأقوى، فينظر إلى الغرب فيقتدي به في حالة ضعفِ المسلمين.

فضعفُ المسلمين وكونُهم الآن لَمَّا تركوا كتابَ ربِّهِم وسُنَّةَ نبيِّهِم صاروا في ذيلِ الأمم، بعد أنْ كانوا قادة الأمم، بعد أن كانوا أساتذة العالَم، بعد أن كانوا أصحاب الحضارة وأصحاب الإنسانية، لكنّها الحضارة البنَّاءة، والإنسانية التي تقُومُ على بناء الإنسان جسدًا وروحًا، لا تقُومُ على بنائه الجسدي فقط, وإنما تقُومُ على بنائه الروحي والجسدي لقوله ﷺ: «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

فجاءَ الإسلامُ ليُربِّيَ القلبَ على المعاني العظيمة، ليُربِّيه على إخباتِه، على إنابتِه، على إخلاصِه، على خشوعِه، على خضوعِه، فيتحول البدنُ نتيجة هذا القلبِ الصالح إلى بدنٍ بنَّاء، إلى بدنٍ معطاء.

كذلك مما ساعدَ على وجودِ هذا الإلحادِ في العالَم -أيضًا، بل بين شباب المسلمين-: الشهوات:-

فإن هذا الإلحاد الذي يقُومُ على تنحيةِ الدِّين ووجود الرب، حتى يعتبروا هؤلاء أنّ الربَّ فكرةٌ وماتت!

يقُومُ ذلك على إشباعِ الرغبات، ليس هناك حلال، ولا حرام، ولا ضوابط، الزنا، شُرْبُ الخمر، الاعتداءات، كلُّ ذلك لا ضوابطَ لها، فالإلحادُ لا يقُومُ على أيِّ قاعدةٍ؛ لأنه يُنحِّي فكرةَ وجودِ الرب، فكرةَ وجودِ الدِّين..

لماذا لا تزني أنتَ الآن؟

لأن الزنا حرام؛ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32].

لماذا لا تأكل أموال الناس بالباطل؟

لأن اللَه يقولُ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].

لماذا لا تقتلُ؟

لأن اللهَ -عز وجل- يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].

لماذا لا تُبذِّرُ؟

لأن الله يقول: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا 26 إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا 27} [الإسراء: 26-27].

لماذا لا تشرب الخمرَ؟

لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90].

إذن ما الذي يقفُ حجرَ عثرةٍ أمام شهواتِكَ ورغباتِكَ الغير شرعية؟ إنه الدِّينُ، فأرادوا تنحيته، فإذا نُحِّيَ الدِّينُ وحلَّ الإلحادُ فلا تسألْ عن هذه الشهوات التي سيمارسها الشبابُ بلا ضوابطٍ.

ولهذا هؤلاء الشباب الذين لجأوا إلى الإلحاد إنما لجأوا إليه للقيام بتفريغِ ما عندهم من شهواتٍ بغير ضوابط شرعية، فلا حرامَ عندهم، ولا حلال.

ولا أَدَلَّ على ذلك -أيضًا- منذ سنواتٍ ليست بالكثيرة طالعتنا صحفُنا بجماعةٍ في مصرَ تُسمَّى بعبدة الشيطان!

طائفة في مصرنا، لا أقولُ في أمريكا، لا أقولُ في الاتحاد السوفيتي -سلفًا، وروسيا الآن-، لا أقول في هذه المجتمعات الشيوعية والإلحادية الواضحة التي تقُوم على المادة، بل في مصرنا.

في مصرنا تلك البلد التي يُقال: بلدُ العِلم والإيمان، في مصرنا بلدُ الأزهر، في مصرنا بلدُ العلماء، يخرج طائفة تُسمَّى بعبدةِ الشيطانِ، ليس يُوجَدُ عند العربِ، لا في كفار قريش، ولا مَن حَوْلَ قريش يُوجَد عبدةُ الشيطان، إنما كانوا يعبدون أصنامًا ما كانوا يعبدون شيطانًا مباشرة -وإنْ رجعتْ كلُّ عبودية إلى عبادة الشطيان-، لكنْ يقولون: نحن عبدةُ الشيطان!

هؤلاء إنما لجأوا لهذه الفكرة، لماذا؟ لتنحيةِ الدِّين ولإيجادِ بيئةٍ يُفرِغونَ فيها الشهوات بلا ضوابط، حتى كانت شهواتُهم شهواتٍ وكانت لذاتٍ شاذّة..

يتمثّلون بالشيطان تمامًا، فيُنحُّون لا أقول: فكرة الله -عز وجل، كما يقولون-، بل يُنحُّون حتى العقل الذي يتعامل به الإنسان حتى ولو كان كافرًا.

هذه الطائفة وُجدت في مصرنا، وجدت في بلادنا، وُجدت من شبابنا، ولهذا لابد أن ننبِّه الأُمَّةَ على هذا، ولابد أن ننبِّه الأُمَّةَ على مسائل الإلحاد والمدرسة العقلانية التي تريد اجتيالَ الناس عن شريعة رب العالمين..

في وسط هذا الصراع السياسي، وفي وسط المظاهرات التي لا تنتهي، وفي وسط سلسلة التفجيرات التي لا تنتهي تنشأُ هذه الأفكارُ الخبيثةُ؛ لتستغلَّ غفلةَ الناس عن تعلُّم دينهم، ومحاولة فرض هذه الأفكار الإلحادية بين شبابنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخُطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ لله رب العالمين، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على عبدالله ورسوله محمدٍ ﷺ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أيها الأحبةُ، هذا الإلحادُ وهو العائدُ إلى نظريةِ أنه لا إلهَ، وأنّ الحياةَ هذه مادةٌ، وأنّ الدِّينَ -كما يُقال- أفيون الشعوب، بل إن الرب -سبحانه وتعالى- كان فكرةً قديمة عند بعضهم، ثم تنحَّى الربُّ أو ماتَ، وصار الكونُ يسير بلا مُدبِّر!

هذه الفكرةُ -كما قلتُ- التي تتعارضُ مع العقل الصريح ومع النقل الصحيح ومع الفطرة السوية، صارَ هذا الإلحادُ بين جماعاتٍ من شبابنا وأبنائنا وبناتنا.

لهذا لابد أنْ نركِّزَ عليه، وأن نحذِّر أبناءنا من هذه الأفكار الخبيثة الوافدة، ومن هذه الضلالات والانحرافات والكفريات التي ليس وراءها كفرٌ، بل هي كُفْرُ فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24].

وحتى فرعون حينما يقولُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} فإنما يُسمِّي للناس ربًّا وإلهًا، أمَّا هؤلاء فلا يريدون سماعَ كلمةٍ من تلك الكلمات.

هذا الإلحاد تَخْدُمُهُ المدارسُ العقلانية -كما قلتُ لكم- مما يُسمَّى بأصحاب التنوير، ومن أمثلة هؤلاء الآن: إسلام البحيري هذا، وإبراهيم عيسى.

كذلك من المدارس التي تخدم هذا الإلحاد مدرسةُ العلمانية، ومدرسةُ العلمانية تعُودُ إلى تنحية الدِّين عن واقع الحياة؛ فهُم يُؤْمِنُونُ بوجود الرب -سبحانه وتعالى-، وأنه الخالِق لكنهم لا يُؤْمِنُونُ به مُشرِّعًا، ولا يُؤْمِنُونُ بالرب -سبحانه وتعالى- مُحكِّمًا بين الناس.

لهذا يُنحُّونَ الدِّينَ عن حياة الناس، لا أقولُ: عن السياسة فقط -وإنْ كان هذا فكرة بعضهم- إلا أن عودةَ فكرتهم تعُودُ إلى تنحية الدِّين عن الحياة؛ تنحيةُ الدِّينِ عن التعليم، تنحيةُ الدِّينِ عن السياسة، تنحيةُ الدِّينِ عن الاقتصاد، تنحيةُ الدِّينِ عن الإعلام، تنحيةُ الدِّينِ عن العلاقات الاجتماعية..

يريدون إبعادَ الدِّين عن أي مجالٍ من مجالات الحياة، وأنَّ الأمورَ تعُودُ إلى مادياتٍ فقط، فالبشريةُ تختارُ قانونها الذي تعيش به، وتختار أصولها التي تعتمدُ عليها، وليس قال الله.. قال رسوله ﷺ.

هذه العلمانية لَمَّا نقول: علمانيون؛ أي: أنهم قائمون على تنحية الدِّين عن واقع الحياة.

وللأسفِ الشديد كثيرٌ من الناس اليوم يتبنى هذه الأفكار، ويتبنى تلك الفكرة، ويتبنى هذا الأصل بقصدٍ أو بغير قصدٍ، ويظن أنَّ الدِّينَ لا علاقةَ له بما يُنظِّمُ الناسَ حُكْمًا وسياسةً واقتصادًا وتعليمًا وإعلامًا.. فما علاقةُ الدِّينِ بالسياسة؟! وما علاقة الدِّينِ بالتعليم؟! وما علاقة الدِّينِ بالإعلام؟! وما علاقة الدِّينِ بالاقتصاد؟! وما علاقة الدِّينِ بالاجتماعية التي يعيشها الناس؟!

وهذا -والعياذُ بالله- مُعارَضةٌ للشريعة؛ فإن النبي ﷺ تختلفونَ أنه بنى خيرَ أُمَّة؟ وأنه ﷺ بنى خيرَ جيلٍ؟ بمَ بناه النبيُّ ﷺ؟ أيُّ قانونٍ أرضي اعتمده النبيُّ ﷺ في بناء أُمَّةِ الإسلام؟!

نحن عندنا عصرُ النبي والصحابة، لا يختلف اثنانِ -حتى من هؤلاء العقلانيين، ومن هؤلاء العلمانيين- لا يختلفُ اثنانِ أنَّ أزهَى عصورِ أُمَّةِ الإسلام -أزهَى عصورِ أُمّتنا- مع النبيِّ والصحابةِ، مع الخلفاء الأربعة، عصر الفتوحات.

فإذا كان هذا الأمرُ حقيقةً لا نختلف فيها.. هلَّا سألتم أنفسَكُم سؤالًا: لمَ كانتِ السيادةُ للأُمَّةِ مع النبي والصحابة والخلفاء الراشدين؟! لمَ كانتِ القوةُ في صدرِ هذه الأُمَّة لا في آخرِها؟! لمَ كانت العِزَّةُ في صدرِ هذه الأُمَّة حتى داستْ أُمَّةُ الإسلام الممالكَ الموجودة؛ كمملَكةِ فارِس، وكمملَكةِ الرُّومِ.

فلقد كانت فارس يُشارُ إليها بالبنان، وكانت الروم يُشارُ إليها بالبنان، أنَّى للعربِ -أهلِ البادية- أنْ يرتقوا هذا المرتقى حتى يصلوا إلى مملكة فارس أو إلى مملكة الروم؟!

ونقولُ: إنّ الإسلامَ صنعَ من هؤلاء أُمَّةً مجيدةً عظيمةً، لا أقولُ: بَنَتْ حضارةً تساوي حضارةَ فارس والروم، بل داستْ فارسَ والروم ووطئتها بخيول الإسلام، ودرَّستِ الإسلامَ في تلك الأراضي التي سيطرت عليها النصرانية وسيطرت عليها المجوسية.

هلَّا سألتم أنفسكم: كيف كان ذلك؟!

نقولُ: بكتابِ الله، بسُنَّةِ رسول الله، بتحكيمِ ما أنزله الله، قال الله -عز وجل- مخاطبًا نبيه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، وقال -تعالى-: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 50} [المائدة: 49-50].

إنَّ سعادةَ البشريةِ وإنَّ قوةَ الأُمَّةِ في الرجوعِ إلى كتابِ الله وإلى سُنَّةِ رسول الله، ليس تنحية الكتاب والسُّنَّة عن التعليم، عن الإعلام، عن السياسة.

ولهذا عبارةُ لا سياسةَ في الدِّين، ولا دينَ في السياسة هذه عبارةٌ خاطئة مائة في المائة، كيف لا سياسةَ في الدِّين ولا دِينَ في السياسة؟! مَن الذي قال ذلك؟!

فإنَّ السياسةَ بندٌ من بنودِ هذه الشريعة، ولهذا صنَّف علماؤنا في السياسة الشرعية، عندنا كُتُب موجودة في تراث المسلمين السياسةُ الشرعية، ووضعوا كيف تُساسُ أيُّ بلدٍ سياسةً شرعيةً.

كيف تكُون لا سياسةَ في الدِّين ولا دِينَ في السياسة؟! وعندنا السياسةُ هي التي تَسُوسُ الناسَ بتعبيدِ الناسِ لرب العالمين -سبحانه وتعالى-، سياسةُ دنياهم بالدِّين..

فإن كثيرًا من مسائلنا إنما تَعُودُ إلى الإمامِ، تَعُودُ إلى الحاكِمِ، تَعُودُ إلى السياسة، مَن الذي يُحاسِبُ الناس إنْ قصَّروا في الواجبات، وانتهكوا المُحرَّمات إلا السياسة؟

مَن الذي يُنظِّفُ أسواقَ الناسِ من الربا وغير ذلك من المُعامَلاتِ الباطلة؟ إنها السياسةُ.

مَن الذي يُقِيمُ الحدود في الناس، ويضعُ العقوبات الشرعية سواء المُقدَّرة كالحدود أو غير المُقدَّرة كالتعزيرات إلا السياسة؟

مَن الذي يُجاهِدُ في سبيل الله لإعلاء كلمة الله إلا السياسة؟

مَن الذي يُنظِّمُ حياةَ الناس، ويضعُ مناهجَ التعليم على وِفق الكتاب والسُّنة؟ مناهج التعليم التي تقُومُ على بناء أبنائنا، على إثقالِ عقولِهم بالوحي، بالنور، بالهُدَى الذي جاء به النبيُّ ﷺ؛ كما أثقلَ النبيُّ ﷺ عقولَ البشرية، عقولَ أصحابه، حتى أَخرَجَ من أصحابه لا أقولُ: رجالًا، بل أَخرَجَ منهم صبيانًا كالرجال..

عليٌّ -رضي الله عنه- وهو صبيٌّ صغيرٌ، وقارِنْ بين عليٍّ في هذا الموقف وبين رجالات الأُمَّةِ الآن، لا أقولُ: بين عليٍّ الصبي وبين صبيان الأُمَّةِ الآن، قارِنْ بين عليٍّ وبينهم الآن، قارِنْ؛ فإن عليًّا -رضي الله عنه- وهو صبيٌّ ربَّاه النبيُّ ﷺ على الكلماتِ الأُولَى من الوحي..

فيومَ أنِ اجتمعَ كفارُ قريشٍ، ودفعوا بشبابها لمحاصرة النبي ﷺ في بيته، ثم الانقضاض على رسول الله ﷺ انقضاضَ رجلٍ واحدٍ، ويقتلونه لتتخلَّصَ قريشٌ من رسول الله ﷺ، وحينئذٍ يتفرَّقُ دمُه على القبائل..

واجتمعَ أربعون شابًا من الشباب القوي في قريشٍ، وأَعْلَمَ اللهُ -عز وجل- نبيَّه ﷺ، وخرجَ النبيُّ ﷺ من بين أظهرهم، وتركَ مَن مكانه؟ تركَ مَن؟ تركَ عليًّا -رضي الله عنه-، كان لعليٍّ وقتها خمسون سَنَةً أو ستون أو سبعون؟! عليٌّ -رضي اللهُ عنه- كان صبيًّا يومها..

كان صبيًّا صغيرًا وهو يَعْلَمُ أنه بنومه مكان النبي ﷺ يُعرِّضُ نفسَه للقتلِ، ويُعرِّضُ نفسَه لاختلافِ السيوف وتنوُّعِ الضربات، ولكنْ وليكن!

هذه التربية التي جعلتْ منه بطلًا منه الصِّغَرِ، هذه التربية كانت على ماذا؟ كانتْ على قانونٍ فرنسي؟! أو قانون بريطاني؟! أو قانونٍ أرضي؟!

كانت على الكلماتِ الأولى التي أنزَلَها اللهُ -عز وجل- على نبيِّه ﷺ، فأخرَجَ النبيُّ ﷺ هذا الصبي منذ نعومة أظفاره.

لقد كان مع النبي ﷺ شبابٌ صِغَارٌ لكنهم يَقُودُونَ الجيوشَ، تَعْلَمُونَ -أيضًا- أنَّ النبي ﷺ قبلَ أنْ يموتَ هَمَّ بإرسالِ جيشِه إلى الشام، بقيادةِ مَن؟

بقيادةِ أسامة بن زيد، الجيشُ الذي أعدَّه النبيُّ ﷺ قبل أن يموتَ، بل ماتَ النبيُّ ﷺ ولمْ يَخْرُجْ جيشُ أسامة، كان على رأسِه قائدًا مَن يا إخواني؟ كان على رأسه قائدًا مَن في سِنِّ الصف الأول الثانوي أو الثاني..

كان على رأسه أسامة بن زيد الذي بلغَ من العمر سَبْعَ عشرةَ سَنَةً، سَبْعَ عشرةَ سَنَةً يَقُودُ جيشًا! متى تربَّى هذا يا إخواني؟! متى تربَّى؟! تخرَّجَ من أي جامعة؟! حصلَ على أي شهادة؟!

تربَّى الذي بلغَ سِنَّ السابعة وهو قائد، ونحن نَعْلَمُ أن صناعةَ القُوَّاد ليست سهلة، صناعةُ عسكريٍّ سهلةٌ؛ اضربْ يا ولد، لكن صناعة قائد.. قائد جيش يُحرِّكُ الجيشَ، قائد يُجرِي اللهُ على يديه مُجرياتِ المعركة.. قِفْ، اضربْ، أبدًا!

متى تربَّى هذا القائدُ؟ تربيةُ القائدِ الآن كيف تُكلِّفها؟ وفي أي فترةٍ زمنيةٍ يُمْكِنُ أنْ تقضي هذا؟

لكنَّ النبي ﷺ ربَّى أسامةَ بن زيد على هذا، بل أقولُ -وأعجبُ من هذا في نظري-: يومَ أنْ حصلتْ محنةُ عائشة -رضي الله عنها-، وكانت في العام الخامس الهجري؛ يعني وقتها كان أسامة بن زيد لديه اثنا عَشَرَ عامًا، قبلَ أنْ يموتَ النبيُّ بخمس كان لديه اثنا عَشَرِ عامًا، ولَمَّا حصلتْ محنةُ عائشة استشارَ النبيُّ ﷺ من المسلمين استشارَ شخصين من الذكور؛ استشار عليًّا بن أبي طالب، واستشار أسامة بن زيد في أمرِ عائشة، استشارَ أسامةَ بن زيدٍ في أمرِ عائشة، وكان أمرًا جللًا، أمرًا خطيرًا..

حينما تستشيرُ -الآن- في أمرِ ولدِكَ أو في أمرِ زوجتِكَ، تختارُ مَن للاستشارةِ؟ تختارُ الرَّجُلُ العاقل، الرَّجُلُ صاحِبُ الخبرةِ، لكنْ أنْ تختارَ صبيًّا، أنْ تختارَ مَن لمْ يَبْلُغْ بعد؛ لتستشيره في أحسِّ أمورِكَ وأخطرِ القضايا، لأن قضيةَ عائشة كانت قضية مجتمع، قضية أُمَّة، يستشير النبيُّ ﷺ أسامةَ بن زيد، فيقول له أسامة -رضي الله عنه-: يا رسولَ الله، أهلُكَ ولا نَعْلَمُ عنهم إلا خيرًا، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقُكَ.

سل بريرة فإنها كانت جارية مع عائشة، وهي تأتيكَ بخبرِ عائشة على الكمالِ وعلى التمامِ.

فاستشار النبيُّ ﷺ أسامةَ بن زيد، أيُّ منهجٍ أخرَجَ أسامة يا إخواني؟

إنه الكتابُ والسُّنة، ففي تعليمنا لابد أن يكُونَ الإسلامُ حتى ننشِّئَ أبناءنا على هذه المعاني العظيمة، وعلى الإسلام الصافي الخالصِ.

نَعَم على الإسلامِ الذي ربَّى هذه الأُمَّةَ العظيمة، سواءً من الصبيان، أو من الرجال كأبي بكرٍ، أو من النساء كخديجة -رضي الله عنها-، وعائشة الصِّديقة بنت الصِّديق التي حَوَتْ من العِلم ما كانت به مَرْجِعًا لأصحاب النبيِّ ﷺ، ولم تتخرج عائشة -رضي الله عنها- من مَدْرَسَةٍ، ولا من جامعةٍ.

وعلى هذا صار أئمةُ الإسلامِ، فكانَ الإسلامُ قويًّا في عصورِ هؤلاء بلا قانونٍ أرضي، وبلا علمانية مخترَعة.

فهذه العلمانية يَفِدُ منها الإلحاد؛ لأنَّ في النهاية لا يُحكَّمُ الدِّنُ في الناسِ، وبالتالي لا نعتقدُ أنَّ الربَّ مُشرِّعٌ، فهناك مَن اعتقد أن الكون ليس له إلهٌ يَخلق، وهؤلاء العلمانيون اعتقدوا أن إله الكون لا يَحْكُمُ، وأن إله الكون لا يُشرِّع، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ونُحِّيَتِ الشريعةُ عن واقعِ الناس، بل للأسف الشديد استطاع الغربُ أنْ يُفهِمَ المسلمين أن مصدرَ الإرهاب هو الإسلام، وأن مصدر الإرهاب هذا التعليم الشرعي، وهذا التعليم الديني.

ولهذا أخذتِ المملكةُ العربية السعودية النصيبَ الأوفر من انتقادِ العالَم؛ لأنكم تُرَبُّون على دِين محمد بن عبدالوهاب، وتُرَبُّون على الأصول الشرعية، وعلى النصوص وغير ذلك، وتهتمون بهذا أكثر من غيركم حتى نشأَ الإرهابُ في العالَم.

ونقول لهؤلاء الغربِ: إنَّ الإرهابَ يَنْتُجُ منكم، إنّ الإرهابَ يَنْتُجُ من بيئةٍ تُقدِّمُ عقلًا على نقلٍ، ينشأُ من بيئة لا تنضبط بالضوابط الشرعية؛ لا عندها حرامٌ، ولا حلال.

انظر إلى الغرب وإلى هذا العالَم، كيف أنه يمارِسُ أكبرَ الجرام وأكبر القِتْلات الجماعية والحرق الجماعي، ومع ذلك يَظْهَرُ على أنه في ثوبِ المُصْلِح، وفي ثوبِ الوَداعَة، وفي ثوبِ السلامة، ونحن نَعْلَمُ عداءَ الغرب وكيف أنهم يسومون الناس سوء العذاب.

ليس الدِّينُ مصدرًا للإرهاب، لكنني أَقْصِدُ الدِّين ماذا؟ ليس دِين الجماعات المُنحرِفة، وليس دِين الطوائف الضالة، وإنما هو دِينُ محمدٍ ﷺ الذي جاء به، والذي طبّقه الصحابةُ، والذي فهمه الصحابةُ، وأوصلوه للأُمَّة.

لا سعادةَ للبشريةِ إلا أنْ يُحَكَّمَ فيها كتابُ الله، وسُنة رسول الله ﷺ.

فهؤلاء العلمانيون الذين يتصدرون القنوات، والذين يتصدرون كثيرًا من المؤسسات، والذين لا يرضون بأنْ يُقال لهم: قال اللهُ، وقال رسولُه، لا يُمْكِنُ أنْ يَسْعَدَ مجتمعنا وهؤلاء بين أبنائنا يُعلِّمون ويُربُّون ويُخرِّجونَ..

لن يَصْلُحَ مجتمعُنا، ولن تصلح أمتنا، ولن يكُون فيها عائشة، ولا الصِّديق، ولا عليٌّ، ولا أسامة، ولا عمروٌ، ولا خالد، ولا طلحة، ولا الزبير إلا بنفسِ المادة التي ربَّى النبيُّ عليها هؤلاء، وهي مادةُ الوحي؛ كتابُ الله، سُنة رسول الله ﷺ بفهمِ سلفنا الصالح.

فاحذروا الإلحاد، واحذروا هذه المدارس العقلانية، واحذروا التنويريين -كما يُقال-، واحذروا هذه الموجة من العولمة التي أَذْهَبَتِ الفوارِقَ، والتي ضربتْ في الأصول والثوابت.

أنتَ مُسْلِمٌ اليوم تسمع الآن وتهتزُّ عندكَ  ثوابتٌ؛ عذابُ القبر ونعيمه، خرافة! -هكذا يقولون-، مسألةُ الرَّجْمِ غيرُ موجودة! الناسخ والمنسوخ، البخاري أحاديثه كثيرٌ فيها ضعيفة؛ لأنها تُخالِفُ العقلَ.

أرادوا إخراجَكَ من ثوابتِ هذه الشريعة، فأسأل اللهَ -سبحانه وتعالى- ألا يُمكِّنَ لهؤلاء، وألا يُمَكِّنَ لتلك التيارات المُنحرِفة؛ من الإلحاد، ومن المدارس العلمانية، ومن مدارس التنوير، ومن مدارس الحداثة، ومن هذه الأفكار الضالة المُنحرِفة التي تقُوم على تنحية الشريعة عن واقع الناس، بل وعلى تنحية الرب كخالقٍ، وعن تنحيةِ الربِّ كمُشرِّعٍ.

نسأل اللهَ -سبحانه وتعالى- ألا يمكِّنَ لهؤلاء، وألا يرفعَ لهم راية، وألا يجعلَ لهم دعوة، وألا يُقِيمَ لهم قبولًا في الناس.

ونسأله -سبحانه وتعالى- أنْ يُحكِّمَ فينا كتابَه وسُنة نبيه ﷺ.

اللهم لا تَدَعْ لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا عيبًا إلا سترته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا هَمًّا إلا فرّجته، ولا مكروبًا إلا صرفته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها ويسّرتها -بفضلِكَ يا رب العالمين-.

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وأقمِ الصلاةَ.



 


وفرَّغه/ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد  &  وأبو محمد إبراهيم بكر.

ونسّقه وراجعه/ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

18 صفر 1436 هـ، الموافق 10/12/2014 م




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t287
[صوتية وتفريغها] [مقطع لا يفوتكَ من حال السلف] لفضيلة الشيخ/ هشام بن فؤاد البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t286 Fri, 05 Dec 2014 19:56:26 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيه الفارِقُ الجوهريّ بين جيلِ الصحابة -رضوان الله عليهم- وجيلنا.. تُرى ما هو؟!

وفيه كيف كان يعامِلُ النبيُّ ^ الصِّغار؟

وفيه لا يَجُوزُ تفسيقُ إحدَى الطائفتين؛ لا طائفةَ عليّ ولا طائفة معاوية -رضي الله عنهما-، وما وقعَ إنما هو اجتهادٌ -وإنْ سمّينا طائفة معاوية بُغَاة مُتأوِّلين- لكنْ ليسوا فاسقِين؛ فإنّ التأوُّلَ يَرفعُ الكُفْرَ والتبديعَ والفسقَ.

وفيه التأوُّل الصادر -ليس من صاحِبِ هوى- من صاحبِ سُنَّة -حتى لو في باب التكفير- يَرفعُ التكفير والتبديع والتفسيق.

وفيه لَمَّا يُقال: الصحابة تقاتَلُوا، لا يُفهَمُ أنّ الصحابة -كلهم- وقعَ القتالُ بينهم!

وفيه كلامٌ ماتع لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في التفضيل بين خديجة وعائشة -رضي الله عنهما-.

وفيه هل الإمامُ يُشِيرُ بالصلحِ؟




لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف











http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

          









 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (17) صفحة.




لقراءةِ التفريغ:

قالَ الشيخُ هشامٌ البيلي -وفقه الله-:

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبدالله ورسوله محمد ^ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبَعْدُ:

حديثُنا موصولٌ -بتوفيق الله سبحانه وتعالى- حول القراءة في هذا الكتاب المُبارك، وهو صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدِّثين -رحمه الله تعالى-، وقراءتنا في كتاب الصلح.


(القارِئ)

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعدُ:

قالَ الإمامُ البخاريُّ -رحمه الله تعالى-: بَابٌ: هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ؟ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ^ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ^، فَقَالَ: «أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ، لاَ يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟»، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.


(تعليق الشيخ هشام)

سبحان الله! عجيبٌ واللهِ يا إخواني، أصحاب رسول الله ^ أمام النصِّ وأمام هدي رسول الله ^ أعجب ما يكُون من الامتثال.

صدقَ عبدُالله بن مسعود -رضي الله عنه- عندما قال: (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ أَبرَّها وأصفاها قَلْبَ مُحَمَّدٍ ^، فَاصْطَفَاهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ رسولِ الله ^، فَوَجَدَ أصفاها وأبرَّها قُلُوبَ أَصْحَابِهِ فاختارهم لصحبته).

فهؤلاء الصحابة مُختارون، ولهذا فعلًا كيف تقوم شريعة تطبيقًا وتعليمًا ودعوةً وجهادًا ونشرًا في ثلاثٍ وعشرين سنة، منها ثلاث سنوات كانت الدعوة فيها سرية.

في ظل عشرين سَنَة تُبنى أُمَّة؟! مستحيل، صعب هذا، أنتَ منذ عشرين سَنة، منذ ثلاثين سَنة، وأنتَ في بيتك، وولدك هذا يمين، والآخَر شِمال، والزوجة فوق، والصغير تحت، من عشرين لثلاثين سَنة لا تقوَى على [تربيةِ] أولادك.

من الناس [مَن يعجز] أن يأتي بولده إلى المسجد على مدار عشرين سنة، لكنْ أنْ تُبنى أُمَّة في عشرين سنة معناه أنَّ الأُمَّةَ تتلقى تلقيًا بلا تلعثُمٍ، وما يقوله النبي يتحول إلى واقع، ما في وقت..

ما في وقت اعتقاد؛ من توحيد ألوهية، وربوبية، وأسماء وصفات، وقَدَر، وإيمان باليوم الآخر، كلُّ هذا مع أنَّ القوم كانوا في جاهلية جهلاء، وكانوا عبَّاد أصنام، يعني أنت تحتاج إلى كم سَنة لتهدم ثلاثمائة وستين صنمًا؟!

إذا أردتَ أن تتصور الأمر، فأقولُ لكَ: منذ كم سَنة ونحن في (بِيَلَا) -القرية هذه- وعندنا (أبو غَنَّام) وعندنا (المعدَّاوي)، ولمْ يتزحزح منهما قبر، بل تجديدات، ترميمات موالد، احتفالات، نفقات، كل شيء.. في قبرين في أواسط المسلمين، فالذي يخطب في (المعداوي) رجلٌ يَتْبَعُ وزارة! والذي يخطب في (أبي غنَّام) ليس أبا جهل، وليس هو أبا لهبٍ، ومع ذلك تَعْجَزُ..

بل هناك قبور في ناحية ربما تكُون هذه القبور بعيدة عن الناس ومع ذلك قائمة هكذا، مثل الدِّير، هذا في الصحراء في مكانٍ خالٍ، ومع ذلك يقُوم هكذا، يقوم عليه الواحد، يقوم عليه الاثنان، يقوم عليه الثلاثة، أمَّا [وجود] ثلاثمائة وستين صنمًا في وسطِ قومٍ يعبدون آلهتهم التي يصنعونها بأيديهم، صعبٌ هذا أنْ تُحَوِّلَه.

ثم اتركْ ما يتعلق بالعقيدة، وتعالَ لِمَا يتعلق بالأحكام؛ صلاة، وُضوء، تيمُّم، أحكام حيض ونفاس، الطهارة عمومًا مع الصلاة، صلاة جماعة، صلاة عيدين، صلاة استسقاء، صلاة كسوف، صلاة خوف، صلاة جمعة، صلاة مسافر، كل هذه أحكام.. انتقل إلى الصيام بأحكامه، انتقل إلى الزكاة بأحكامها، انتقل إلى الحج بأحكامه.

دعِ العبادات، تعالَ إلى الجهاد بأحكامه وما فيه سِلْمًا وحَرْبًا.

دعْ هذا، تعالَ إلى المعاملات؛ بيعٌ، شراء، من شروط بَيْعٍ أو كذا، كل أنواع المعاملات تَرِدُ لك في باب المعاملات.

اتركِ المعاملات، تعالَ إلى الأنكحة؛ من زواجٍ، من طلاق، من عِدَدٍ، من نفقاتٍ إلى غير ذلك.

اترك هذه الأنكحة وتعالَ إلى الحدود والجنايات؛ لترى حدَّ الزنا، وترى حدَّ الخمر، وترى حدَّ السرقة، وترى القصاص، وترى..

اتركْ هذا وتعالَ إلى باب القضاء، في باب الأحكام بالقضاء، والإقرار، والشهادات، والأحكام التي يحتاج إليها القاضي..

هذا بابُ أحكامٍ فقهية، إذًا عندنا عقائد وأحكام فقهية.

اتركْ هذا، وتعالَ إلى باب الأخلاق وباب الآداب، كيف علَّم خُلُقَ الصبر، الصدق، الأمانة، الخوف، الرجاء، الإنابة، كلُّ هذا تجده في أحاديث النبي ^ في هذه الأبواب.

اتركْ هذا، وتعالَ إلى الواقع العملي؛ من غزواتٍ، من حروبٍ، من سرايا، من.. من..

اتركْ هذا، وتعالَ إلى بابِ الدعوة وعَرْضِ النبي نفسه على القبائل، وكذا.. وكذا، ومراسلة الملوك.

اتركْ هذا، وتعالَ إلى باب التعامل مع الزوجات، فالنبيُّ ^ له من العَدَدِ من الزوجات ما ليس لغيرِه، كيف عامَلَ هذه، وصبرَ على هذه، وقوَّم هذه.. وكذا.

اتركْ هذا، وتعالَ إلى تربية النبي للصحابة على الإيمانيات وعلى التعلُّقِ باللهِ رب العالمين، ولمْ يُغادِرْ من ذلك أحدًا من المجتمع.

تعالَ إلى الصِّغار؛ كيف عامَلَهُم النبي، الأطفال معرفون عن عهدِ رسول الله، ولهُمْ حظٌ، وحظٌ قويّ؛ «يَا أَبا عُمَير، ما فَعَلَ النُّغَيرُ؟»، لصحابيٍّ صغير.

«يَا أَبا عُمَير، ما فَعَلَ النُّغَيرُ؟»؛ طائِرُكَ يا أبا عمير؛ يُكَنِّيه، أبو عمير هذا صبيٌّ صغير، طفلٌ، ويُكَنِّيه النبيُّ أبا عمير, ومعه طائرٌ مشغولٌ به، يقول النبي: «يَا أَبا عُمَير، ما فَعَلَ النُّغَيرُ؟»، ماتَ النُّغَيرُ، فتأثَّرَ النبيُّ لموتِ النغير، وصار يُواسِي أبا عمير.

لو أقولُ لكَ: أبو عمير.. لقلتَ: أبو عمير هذا الصحابي الذي كان.. في أيِّ معركة، ما المعركة التي كان قائدها أبو عمير هذا؟ لا -[وقد تظنُّ أنّ]- وأبو عمير هذا مِثْلُ أبي بكرٍ.

ويتركُ -[النبيُّ]- أبا عمير، ويرى ابنَ عُمَر..

ابنُ عُمَر يُعرَضُ عليه في أُحُد فيردُّه النبي ☺ لصغرِ سِنِّه ☺، يأتي فلانٌ: يا رسول الله، لمَ تَقْبَلْ هذا ولا تَقْبَلُنِي؟! واللهِ إنِّي أَصْرَعُه.

أنتَ صغيرٌ.

لا واللهِ يا رسول الله، إنِّي أَصْرَعُه.

تفعلُ هذا؟

نَعَم.

إذًا أَرِنِي، فصرعَهُ، فقَبِلَهُ ^.

يسألُ النبيُّ ^: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ شَجَرَةٍ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا..»، فمَن يَعْلَمُ ذلكَ من الصحابة؟ [غلامٌ] صغير؛ ابنُ عُمَر -رضي الله عنه-.

ويحتضنُ أَنَس وهو صغير، ويحمل أُمامَة بنت زينب على كتفه، يَدْخُلُ المسجدَ ليصلي وهو يحمل أمامة بنت زينب على كتفه، فإذا سجدَ وضعها، أُمامَة ينشغلُ بها في صلاته.

يَنْزِلُ ليأخذَ الحسن -رضي الله عنه-، ويضع الحسن على كتفه وهو يخطب على المنبر.

انظروا يا إخواني، إمام مسجد يحملُ ابنته، وخطيب مسجد يحملُ ولدَهُ، مَن الذي يصنعُ هذا؟!

أنا أَذْكُرُ مَرَّةً ونحن نخطب في مسجد، وكان معي الولد، وكان ما زال صغيرًا، والولدُ في (كلمة غير مفهومة) من المنبر، المنبر له غرفة تدخل منها تخطب، وأنا وضعته في الغرفة والناس لا يرونه، ومع ذلك نِصْفُ الخطبة وأنا مُنشغِلٌ بالولدِ؛ قد يصرخُ، قد يعملُ شيئًا..

لكنْ أنا أحملُ ولدي على كتفي! بل ويشيرُ النبيُّ ويخترقُ ببصيرته عَبْرَ حُجُبِ الزمان بوحي الله -عز وجل- إليه؛ حينما يقولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ -وهو على كتفه- سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

ولهذا خُذْ فائدةً سلفية في هذا الباب قد تكُون أول مرة تَسمعها، لا يَجُوزُ تفسيقُ إحدَى الطائفتين؛ لا طائفةَ عليّ ولا طائفة معاوية، وما وقعَ إنما هو اجتهادٌ -وإنْ سمّينا طائفة معاوية بُغَاة مُتأوِّلين- لكنْ ليسوا فاسقِين؛ فإنّ التأوُّلَ يَرفعُ الكُفْرَ والتبديعَ والفسقَ.

خُذها فائدة سلفية، فإنَّ التأوُّلَ الصادرَ -ليس من صاحِبِ هوى- من صاحبِ سُنَّة -حتى لو في باب التكفير- يَرفعُ التكفير والتبديع والتفسيق.

ولهذا الطائفتان كما وصفهما النبي: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ سَوْفَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، ولمْ يقل: فاسقة.

غايةُ ما هناك، قال: «تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ»، والبغي في المصطلح الشرعي يعني طائفة لها موقفٌ من الإمام بتأوُّلٍ مُعَيَّن، لا يُقال: إنَّها فاسقة، ولا يُقال: إنها كذا، طالما لها تأوُّلٌ، ولكنْ يُصْلَحُ بينهما؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9-10].

مُؤْمِنُون.. مُؤْمِنُون.. مُؤْمِنُون.. ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولا يُقال: [طائفة] فاسقة.

خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: تَفْسُقُ إحدى الطائفتين -لا بِعَيْنِها-؛ لا بِعَيْن طائفة معينة، لا نقولُ: طائفة عليّ أو طائفة معاوية الفاسقة، لكنْ إحدى الطائفتين فاسقة.

وخلافًا للخوارج المُحَكِّمَة الذين يقولون: بتكفيرِ عليٍّ ومعاوية.

إذًا عندنا طوائفٌ:

طوائفٌ كفَّرتْ عليًّا ومعاوية؛ وهذه الطائفة هي طائفة الخوارج المُحكِّمة.

وطائفة قالتْ: تَفْسُقُ إحدى الطائفتين -لا بِعَيْنِ طائفة-؛ وهذا كلامُ عمرو بن عبيد المعتزلي، والمعتزلة.

طائفة تقولُ: هما طائفتان مسلمتان عظيمتان وإنْ كانت إحداهما وهي طائفة معاوية من البغاة المتأوِّلِين، فهُم أخطأوا في هذا ولكنهم ليسوا فُسَّاقًا، لماذا؟ لأنهم قاتَلُوا بتأويلٍ.

ولهذا التأويلُ يَمنعُ التكفيرَ والتبديعَ والتفسيقَ؛ التأويلُ يَمنعُ التكفيرَ؛ أنْ تقولَ له: أنتَ كافرٌ، إذا كان تأويلُه له حظٌّ من النظرِ، ويمنع التفسيق، ويمنع التبديع.

وقد يمنع التكفير ويُبْقِي التبديعَ؛ مِثْلُ -مثلًا- الخوارج، الخوارجُ ماذا صنعوا؟ الخوارجُ استباحوا دماءَ الأُمَّةِ لكنْ لماذا  لا يَكْفُرُون؟! مع أنَّ مَن استحلَّ دمَ مُسْلِمٍ و[هو] يَعْلَمُ أنَّ اللهَ عصمه فإنه يَكْفُرُ.

لو قلتُ: يَجُوزُ قتلُ المسلم من غير عُذْرٍ شرعي، يَكْفُرُ الإنسان إذا استحلَّ ذلك، وهُم كفَّروا الصحابة ومع ذلك جماهيرُ الأُمَّة -كما نقلَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية- السَّلَفُ لمْ يُكفِّروا الخوارج ، لماذا؟

لأنهم تأوَّلُوا، هُم ما رأوا استباحة دمِ المسلم كمسلم هكذا، لا [هُم] يقولون: هؤلاء ارتكبوا ما يستوجِبُ استباحةَ دمائهم.

فهُم يَقْتُلُون يظنون أنّ هذا هو الحق، لهذا مُنِعوا من التكفير، لكنهم «شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ»، لكنهم من شَرِّ أهلِ البدع والأهواء، لهذا قال ^: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».

إذًا فهذا التأويل استوجَبَ التبديعَ ولكنه لمْ يستوجِبِ التكفيرَ، فتارةً يرفع التأويل التكفير والتبديع والتفسيق، وتارةً يرفع التكفير ويُبْقِي التبديع، وتارةً يرفع التبديعَ والتكفيرَ ويُبْقِي التفسيق، وهكذا على حسبِ المتأوِّل، والمسألة المُتَأوَّل فيها، وطريقة التأوُّل، وهكذا.

فالصحابةُ -رضوان الله عليهم- قد سَلِمُوا من التبديع والتكفير والتفسيق وإنْ وقعَ السيفُ بين أَحَدٍ منهم.

وطبعًا لَمَّا يُقال: الصحابة تقاتَلُوا، لا يُفهَمُ أنّ الصحابة -كلهم- وقعَ القتالُ بينهم، بل كما ذكرَ ابنُ سيرين في أثرٍ علَّق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه: من أصح الأسانيد على وجه الأرض، يقولُ: (هاجتِ الفتنةُ وأصحاب رسول الله ^ مُتوافِرُون -كانوا عشرة آلاف صحابي-، فلمْ يُقاتِلْ منهم مائةٌ، بل لمْ يَبْلُغوا الثلاثين).

حتى تُصحِّحَ.. بدلًا من أنْ تقولَ -مثلًا-: إنَّ الصحابة تقاتَلُوا, إنَّما المرادُ بالصحابة تقاتَلُوا يعني أفراد قليلة منهم، يعني تسعة آلاف وتسعمائة وسبعين صحابيًا لمْ يَنْشُبْ بينهم قتالٌ، وثلاثون صحابيًا انقسموا بين عليٍّ ومعاوية يتأوَّلونَ هذه المسائل؛ فمثلًا عمّار هنا، عمرو بن العاص هنا، معاوية هنا، عليٌّ هنا.. لمْ يَبْلُغوا ثلاثين صحابيًا.

يعني تسعة آلاف وتسعمائة وسبعين صحابيًا لا يتقاتَلُونَ، وثلاثون صحابيًا يتقاتَلُونَ؛ لحكمةِ الله -عزَّ وجلَّ-.

وإنَّما الذي أدارَ رحَى القتالِ وأَزَّزَ القتالَ المنافقون في كلا المعسكرين هنا أو هناك، أما عليٌّ ومعاوية -رضي الله عنما- فهما صحابيان، لا يُقال: بفسقِ معاوية، ولا يُقال: بفسقِ عليٍّ، ولا يُقال: بفسقِ عمرو بن العاص، ولا يُقال: بفسقِ كذا.. هذا -يا إخواني- مُعتَقَدٌ لابد أن تَفْهَمُوه -بارك الله فيكم-.

فهذا التأويل قد يمنع التكفير، وقد يمنع التبديع، وقد يمنع التفسيق نفسه، كما في الصحابة -رضوان الله عليهم- خلافًا للمعتزلة الذين قالوا: تفسقُ إحدى الطائفتين، وخلافًا للخوارج الذين كفَّروا عليًّا ومعاوية -رضي الله عنهما-، كفَّروهما لمَّا وقعَ التحكيمُ اعتزلَ الخوارجُ عليًّا -رضي الله عنه-، وحَكَمُوا عليه بالكفرِ مع أنَّهم من وقتٍ قليل كانوا يُقاتِلُون مع عليٍّ -رضي الله عنه-، كانوا في جيشِ عليٍّ، فلمَّا حصلَ التحكيم اعتزلوا عليًّا، وكفَّروه، ورفعوا المصاحف على الأسِنَّةِ.

فالشاهِدُ من هذا المبحث أنَّ الصحابة اختصروا على النبي ^ الجدالَ، واختصروا على النبي ^ طُولَ الجَهْدِ معهم للامتثالِ، وإنَّما كان النبي يقول فيتحوَّل الكلام إلى واقع عملي.

ولهذا كانت خُطَبُ النبي ^ -يا إخواني- خُطبًا مختصرة؛ لأنَّه إذا قال: اتقوا الله، خافوا الله، لا تأكلوا الربا، لا تَقْرَبُوا الزنا، كان المجتمع يمتثل لرسول الله ^.

[لكنْ] أنتَ الآن تخطب في الربا، تخطب كم [دقيقة]؟ أقلُّ واحد فينا يخطب أربعين دقيقة، يخطب خمسة وأربعين دقيقة، في الربا، أقسام الربا، ربا الفَضْل، ربا النَّسِيئَة، حديث عُبادَة بن الصَّامِت، الآيات، الواقع، البنوك، والأمم تُهدَم بالربا، وهذه مُبارَزَة، وخِفْ ربَّكَ، وبالموعظة، والحكمة، والجدال بالتي هي أحسن..

وعندما تَنْزِلُ [من على المنبر]، يقولُ لكَ [أحدُهم]: بَسِّ الشيخ فلان يقول: بأنها حلال، بَسْ يا شيخ أنا آتي بالمال من أين؟ بَسْ يا شيخ..

يا الله! بعد كل هذا.. يا أخي، إن الله -عز وجل- خاطَبكَ في القرآن، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279].

يعني أنا لو صعدتُّ المنبر -يا إخواني-، أقول هكذا: أمَّا بَعْدُ -بَعْدَ المقدِّمة-: احذروا يا أُمَّةَ الإسلام، الربا؛ صغيرَهُ وكبيرَهُ، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 278-280].

مَن له مالٌ عند أخيه بسبب الربا لا يأخذُ زيادةً، وأمَّا أصلُ ماله؛ فإمَّا أن يكُون الرَّجل مُعْسِرًا فليُنظِرْه إلى مَيسرة، وإمَّا أن يكُون هذا الرَّجل ميسورًا فليطالبه، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].

فإنْ خفتَ على مالِكَ، وأردتَ أخذَ الربا بالزيادة، فاحذرْ يومًا تَرْجِعُ فيه إلى الله؛ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281]، ثُم أَنْزِلُ [من على المنبر]، أقولُ: قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

المُفترَض أن هذه الكلمات تُحفَر في قلوب الناس وننتهي من هذه المسائل، لكنْ ما حصَلَ، ولا يَحْصُلُ إلا في قلوب مَن أرادَ اللهُ -عز وجل- لهُم الخير.

لهذا هل ممكِن أن تبني في عشرين سَنةً أُمَّة؟! في عشرين سَنة؟! لكنَّ الصحابة في هذه الأُمَّة المباركة في ظل عشرين سنة كُلُّها جهاد بالحجة والبيان وبالسيف والسنان مع الامتثال.

فانظر ماذا جرى هنا، وهذا سببُ إيراد هذا البحثِ، انظر ماذا هنا، اختصمَ رجلان أمام غرفة النبي ^، سَمِعَ النبي صَوْتَ خصومٍ بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهم يَستوضِعُ الآخَرَ ويسترفقه في شيء؛ يا أخي..

يعني واحد له دَين عند الثاني، يا أخ، أَنْظِرْنِي فترة، أو ضعْ عني بعضَه، واللهِ حالتي كذا، واللهِ لستُ قادرًا، أنظرني أو خفِّضِ الدَّين الذي عليَّ. والثاني يقولُ: واللهِ لا أفعلُ، أريد مالي، واللهِ لا أفعلُ.

هذا جائز أَمْ لا يا إخواني؟

نَعَم، هذا بابُ الإحسان؛ تتنازَلُ عن دَينِكَ أو شيء من دَينِكَ هذا بابُ إحسان.

يقول: واللهِ لا أتنازل -هذا باب إحسان-، واللهِ لا أفعل.. هذا الكلام لمْ يكن أمام النبيِّ، إنما كان النبيُّ داخِلَ حجرته وبيته، لكنه يسمع، فماذا قال النبيُّ؟

حتى تَنْظُروا إلى التربيةِ يا إخواني، التربيةُ لا تغادرُ صغيرة ولا كبيرة، وفي نفس الوقت ليس هناك تعبٌ ولا نصبٌ، فماذا قال النبيُّ؟

فخرجَ عليهما رسولُ الله، فقالَ: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ؟».

المُتألِّي؛ يعني الحالِف، مَن الذي يحلف لا يعملُ الخير؟ «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ؟» بَس، هذا فقط، فماذا قال الصحابي؟ قال: أنا يا رسولَ الله، وله أيُّ ذلك أَحَبَّ.

أنا، وسمعًا وطاعةً.

يا الله!

إذًا الأُمَّة تُبنى في عشرين سَنةً يا إخوان؟!

في عشرين دقيقة.. في عشرين دقيقة، نَعَم صحيح كان الإسلام بنزول الوحي، يومَ أنْ نزلَ الوحي بآيات بالتوحيد بَس كان الإسلام كاملًا عندهم، فلما نزلتْ معه الأحكام كان الإسلام كاملًا عندهم، كلُّ حُكْمٍ يَنزِل، مباشرةً يُطبَّق.

لهذا يُمكِن أنْ أقولَ لكَ: الأُمَّة بُنيتْ في عشر دقائق، في دقيقة؛ لأنَّ الأُمَّةَ لمْ تتلعثمْ مع أيِّ أمرٍ من الأوامر، لكنْ تكاملتِ الأوامرُ في عشرين سنة، لكنّ بناءَ الأُمَّةِ بناءً كاملًا مع كلِّ أمرٍ يَنزِل.

يعني بُنيتِ الأُمَّةُ مع ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: 1]، كانتِ الأُمَّةُ مَن؟ كانتِ الأُمَّةُ هي خديجة، والأُمَّةُ هي أبو بكر، والأُمَّةُ زيد بن حارثة، والأُمَّةُ عليّ بن أبي طالب.

بُنيتْ مباشرةً أَمْ لا؟!

«إِنِّي خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، قالتْ: كلا، واللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا؛ إنَّك لَتَحْمِلُ الْكَلَّ.. وكذا.. وكذا، ثُم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل معه.. هذا هو النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ على موسى، أنا مُؤْمِنٌ معكَ.

خديجة تأخّرتْ في إسلامها، كم ليلة يا إخواني؟! كم ساعة؟! كم دقيقة؟! ولا شيء.

إذًا الأُمَّةُ كانت في وقتٍ من الأوقات.. الأُمَّةُ كانتْ مَن؟ كانتِ النبي وعنده خديجة، وبعد ذلك انضافَ إليهم مَن؟ الصدِّيق.

الأُمَّةُ -أُمَّةُ الإسلام- كانت خديجة! فما رأيكم؟

هل خذلتْ رسولَ الله؟! أبدًا.

تلعثمتْ؟! أبدًا.

قَوِيَ النبيُّ بها, ولهذا يقولُ المتألِّق العالِم الفَذّ السَّلفي نضَّرَ اللهُ -عز وجل- وجهَهُ في الفردوس الأعلى بجوارِ ربِّه، شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية -رحمه اللهُ تعالى-، أسدُ الأُمَّةِ في كل عصورها، مِن بعده والناسُ عيالٌ على كتبه، في التفضيل بين خديجة وعائشة، يقول -رحمه الله-:

(أمَّا بالنسبةِ لانتفاعِ رسولِ اللهِ ^ فكانت خديجةُ خيرَ الأُمَّةِ له، وأمَّا بالنسبة لانتفاع الأُمَّة فكانت عائشةُ خيرًا للأُمَّة من خديجة).

فخديجة خيرٌ لرسول الله من عائشة؛ لأنَّها وقفتْ معه في المواقف الأولى، أين كانت عائشة يا إخواني؟ ربما ما وُلدتْ.

وأمَّا عائشة فنفعها للأُمَّةِ، عائشة تُفتِي، عائشة تتصدّر الأُمَّةَ، يموتُ النبيُّ، وتموتُ عائشةُ بعده بحوالي أربعة وأربعين سَنةً، سَنة (54هـ) -تقريبًا- وفاة عائشة، ماتَ النبيُّ سنة (10هـ).

إذًا (44) سَنةً، هذه مُدّة طويلة، مع كونها تُفتِي في عهدِ النبي، ومع كونها تُعلِّمُ الأُمَّةَ في عهدِ النبي، لكنْ أكثر من أربعين سَنة وعائشةُ تُفتِي الأُمَّةَ.. مَرْجِع! حتى أن الصحابة يَدْخُلُون عليها في بعض الأسئلة المُحرِجة -يستحيون-؛ كما دخلَ أبو موسى: يا أُمّتاه، قالت: نَعَم، قال: سؤالٌ لكِ ولكني أستحي، قالت: إنما أنا أُمُّكَ، فسلني عما تسأل عنه أُمَّكَ.

اللهُ أكبر! روعة يا إخواني! روعة! روعة!

فسألها عن الرَّجل يُجامِعُ امرأته ولا يُنْزِل، قالت: قال ^: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».

ويتكرر هذا مع عائشة -رضي الله عنها-، سلني عما تسأل عنه أُمَّكَ، لا تستحي أنا أُمُّكَ، فبقيتْ عائشة تُفتِي وتُفتِي وتُفتِي وتُفتِي وتُعلِّم حتى خرجتْ في قتال عليٍّ ومعاوية تركبُ جملها لتَفْصِلَ بينهما.

إلى هذا الحدِّ عائشة -رضي الله عنها-، فلمْ تكن عائشة امرأةً سلبية، ولا امرأةً مُهمَلَة، ولا كذا، أبدًا بل كانت معروفةً عند الصحابةِ بعلمِها ورجاحةِ عقلِها ورأيِها.

ولهذا كانت تَرُدُّ على الصحابة في بعض الأحيان؛ لمَّا مات سعد بن أبي وقّاص -والحديثُ عند مسلم-، فقلن -يعني أزواج النبي ^-: هاتوا سعدًا نُصلِّي عليه في المسجد.

سعد له قدرٌ، سعد خال النبي، كان النبيُّ يقولُ -كما جاء عند بعض أصحاب السنن، إذا دخلَ سعد-: «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي أَحَدُكُمْ خَالَهُ».

هل أَحَدٌ عنده خال مثله؟! «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي أَحَدُكُمْ خَالَهُ».

فقالَ أزواجُ النبي: أحضروا لنا سعدًا نُصلِّي عليه في المسجد، فقال الصحابة: لا، سنُصلِّي عليه في المُصلَّى؛ النبي ما كان يُصلِّي على الجنازة في المسجد، قالت [عائشة -رضي الله عنها]: أحضروه نصلي [عليه]، فما صلى النبي على ابني بيضاء إلا في المسجد.

فكانتْ تُراجِعُ الصحابةَ، ويكُون الحقُّ معها في كثير من الأمور.

في غرفتها، وأبو هريرة يُحدِّث حول الغرفة، فتردُّ على أبي هريرة وهو يُحدِّث.

يَصِلُها كلامُ ابنِ عمر: اعتمرَ النبي أربعَ عمراتٍ إحداهن في رجب. قالت: رحمَ اللهُ أبا عبدالرحمن، ما اعتمر النبي عمرةً إلا كنتُ معه، ولمْ يعتمر في رجبٍ قط.

كلُّ عمرات النبي في ذي القعدة -هذه فائدة-، كلُّ عمرات النبي الأربع في ذي القعدة.

فمباشرةً يا إخواني، ماذا قال الرجل؟ فقط النبي قال.. لكنْ كلمات قوية: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَى اللهِ أَلَّا يَفْعَلَ المَعْرُوفَ؟».

مَن هذا الذي يحلف ألا يفعلَ معروفًا؟! وهل الدنيا إلا مرحلة قصيرة تنتقل بعدها إلى دارٍ تتمنى هذا المعروف، تتمنى إنظارَ مُعْسِرٍ أو تجاوُزَ عن مُعْسِرٍ، أَمَا تَعْلَمَ قصّةَ الرَّجل الذي ليس له من الخير إلا أنَّه كان يُنظِرُ الناسَ، ويتجاوَزُ عنهم؛ ابتغاء ما عند الله أنْ يُيسِّرَ اللهُ عليه، فغفرَ اللهُ له؟!

فـ «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَى اللهِ أَلَّا يَفْعَلَ المَعْرُوفَ؟»، قال: أنا يا رسول الله، وله أيُّ ذلك أَحَبَّ.

الذي يريده، الذي يريد أن يدفعه فليدفعه.

وجاء في رواية عند البخاري أنَّ النبيَ رفعَ.. وقال لكعب بن مالك وكان يتلاحَى مع رَجُلٍ آخَر -إمَّا هذه القصة أو غيرها-، الرَّجل يقول: ضعْ شطرَه، اتركْ بعضَه، فرفعَ النبيُّ ^ الستارَ، وقال: «يا كَعْبٌ، ضَعْ شَطْرَهُ»، قال: فعلتُ يا رسولَ اللهِ، قال للرَّجل: «قُمْ فَاقْضِهُ»، فقام فقضاه.. مباشرةً!

«ضَعْ شَطْرَهُ»، فعلتُ يا رسولَ اللهِ. فعلتُ وليس سأفعلُ! اعْتَبِرِ الأمرَ انتهى.. فعلتُ يا رسولَ الله.

إذًا هذه الأُمَّةُ تتربى في كم يا إخواني؟! في دقيقة!

وصلنا لدقيقةٍ، هل نتكلمُ مرةً أخرى فقد تَصِلُ إلى ثانية! أُمَّةٌ تتربى في ثانية! أقولُ: يَنْزِلُ الوحيُ، والأُمَّةُ تمتثل وتستجيب لرسول الله ^.

فهل يُشِيرُ الإمامُ بالصلح؟ يأتيكَ البخاري المتألِّق يضع هذا التبويب.

مَن الإمامُ؟ النبيُّ.

هل الإمام يشير بالصلح؟

طبعًا هنا كلام النبي غير مُلزِم، يعني لو قال الصحابي: يا رسول الله، هذا مالي وأولادي، لا يُلزَم، ولا يكُون هو جاحِدًا لرسول الله هنا، ولا يُقال: يَكْفُر، ولا..، هذا حقُّه.

هذا حقُّه؛ مثل ما قالتْ بَرِيرَة لرسول الله لمَّا كانت متزوجة من مُغِيث فلمَّا أُعتقت وصارت حُرَّة..

الأَمَةُ إذا أُعتقت تُخَيَّر؛ تبقَى مع زوجِها الذي كان عبدًا أَمْ لا؟ إنما هي أصالةً لو كانت حُرَّةً لا تتزوج عبدًا، لكنْ ما حُكْمُ المرأة لو كانت أَمَةً تحت العبد ولكنها أُعتقت؟ هل يُفَرَّق بينهما فورًا، أَمْ تُخَيَّر، أَمْ تبقى معه؟ تُخَيَّر، فالمرأةُ تُخَيَّرُ.

فكان مُغيثُ يمشي وراءها، وكان يحبها حبًّا جمًا، حتى أنَّه يبكي بالدموع، حتى رقَّ له النبيُّ ^، وكلَّم بريرة في هذا، وكان النبي يقول: «أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مُغِيثٍ؟!»، فرقَّ له النبي ^، فكلَّم بريرة أن تعُودَ [إليه]، فقالت: يا رسول الله، تأمرُ أَمْ تَشْفَعُ؟

طبعًا يختلف الأمر، انظرْ إلى الأدب العالي؛ تأمرُ أَمْ تَشْفَعُ؟ قال: «أَنَا أَشْفَعُ»، قالت: لا حاجة لي فيه يا رسول الله.

فتارةً تُقبل الشفاعةُ، وتارةً تُرَد.

أسامة بن زيد.. النبي قال: (كلام غير مفهوم)، عربية، عربية، لمَّا تقدَّمَ لها مَن؟ أبو جَهْمٍ ومعاوية وأسامة، قال النبيُّ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ، لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَرَجُلٌ لَا يَضَعُ العَصَى عَنْ عَاتِقِهِ. انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».

طبعًا أسامة من الموالي، هو ابن زيد بن حارثة، وهذا ليس كُفئًا للعربِ، والعربُ كانوا يعتزُّون بهذا لكنَّ الإسلام هو الذي علا على كلِّ شيء، وإلا  هذه مصيبة!

ولهذا كان زواجُ زينب بنت جحش من زيد بن حارثة مسألةً عظيمة جدًا جدًا، حُسبت لزينب بنت جحش أنها قدَّمتْ مُرَادَ رسولِ الله ^ على مُرادِها، مُرادَ الشارِعِ على مُرادِها.

فقالَ لفاطمة بنت قَيْسٍ: «لَعَلَّ اللهُ أنْ يُبَارِكَ لَكِ فِيهِ», فتزوجت أسامة، فأَقرَّ اللهُ -عز وجل- عينيها بأسامة -رضي الله عنه-.

فتارةً تُقبل الشفاعةُ، وتارةً تُرد، فهناك أوامرٌ..

عند مُسْلِمٍ لمَّا طلّق زيدُ بن حارثة زينبَ بنت جحش، لأنه شاءَ اللهُ -عز وجل- أن يتزوج زيد من زينب ثُم طلّقها زيد ليقعَ هذا التشريعُ الذي كان في الجاهلية عندهم أنَّ الرجل لا يتزوّجُ زوجةَ ابنِه من التبني, فأبطلَ الإسلامُ التبني وأبطلَ هذه الأحكام, وتزوّجَ النبيُّ من زينب بنت جحش بعد زيدٍ بن حارثة.

عند مُسْلِمٍ أنَّ النبي أرسلَ زيدَ بن حارثة يُكلِّمُ زينبَ أن يتزوجها رسولُ الله، زيدٌ كان زوجًا لمَن؟ كان زوجًا لزينب بنت جحش، وكان قد طلّقها، قال: فلمَّا أتيتها وقعتْ في نفسي، أي وقعتْ هيبتها في نفسي؛ النبيُّ تكلَّمَ عليها، قال: فوقفتُ في ناحيةٍ -وكان زوجها بالأمس القريب-، فوقف في ناحيةٍ، ثُم قال: إنَّ رسول الله ^ يَعرِضُ عليكِ الزواجَ.

فماذا قالت زينب؟ قالت: حتى أستأمرَ ربِّي -أستشير ربي أولًا-.

فمِثْلُ هذا يُقبل أو يُرد، [قالت:] حتى أستأمرَ ربي، فزوّجها اللهُ -عز وجل-، اللهُ هو الذي زوّجها، فـ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: 37].

ولهذا كانت تقول زينبُ: زوّجكنّ آباؤكنّ، وزوّجني اللهُ من فوق سبع سموات، أليست هي القائلة: حتى أستأمرَ ربي؟ مع أنّ الذي تقدّم إليها مَن؟ الرسولُ ^.

ما قالت لمَّا جاءَ الرسولُ ليتزوّجها.. فَرِحَتْ، وقالتْ: الآن أَمْ متى؟! غدًا أَمِ اليوم؟! لكنْ حتى أستأمر ربي.

فاستأمرتْ ربَّها، فزوّجها اللهُ -سبحانه وتعالى-؛ فـ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، لمْ يكن لزينب بنت جحشٍ وليّ, ولهذا [كانت] تقولُ: زوجكنّ آباؤكنّ كلكنّ.. كلُّ واحدةٍ تبحث -طبعًا- عن الميزة الفريدة، الميزة الخاصة، فتقول زينب: زوجكنّ آباؤكنّ، وزوّجني الله من فوق سبع سموات.

وتقول عائشة: وأنا برّأني اللهُ من فوق سبعِ سموات.

أنتِ زوَّجكِ اللهُ من فوق سبع سموات، وأنا -أيضًا- برَّأني اللهُ من فوق سبع سموات.

سبحان الله -يا إخواني-!، انظروا إلى الأُمَّةِ العظيمة!

«أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ، لاَ يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟»، قال: أنا يا رسول الله، وله أيُّ ذلك أَحَبَّ.

فالإمامُ له أن يشيرَ بالصلح، ليس يُلزِم ويكُونُ أمرُه مُلزِمًا في هذا، إنما هو يشير فقط، فإن أخذَ الطرفان فحسنٌ، وإذا قال: لا يا شيخ -مثلًا-، لا اُحْكُمْ بيننا، أنا لن أتنازلَ عن شيء، هل للإمامِ أنْ يُلْزِمَهُ؟ لا.

طيب، أنتَ لن تتنازلَ وأخوكَ مُعْسِرٌ، تُنْظِرُه حتى يَقْدِرَ على هذا، وليس لكَ أن ترفع أمرَه الى القاضي، ولا تسجنه إذا كان معسرًا.

ولهذا المُعْسِرُ ليس فيه إلا ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، هذا أمرٌ، إنَّما إذا كان مماطِلًا ارفعْ أمرَه إلى القاضي، إذا كان متلاعِبًا ارفعْ أمرَه إلى القاضي.

أمَّا إنْ كان معسرًا -فعلًا- وثبتَ إعسارُه، فلا يُرفَعُ إلى القاضي، وحينئذٍ لو رُفع فهذا ظلمٌ منكَ, لو رفعته إلى القاضي وسجنه أو ضربه أو تكلَّف أموالًا بسبب رفعِكَ أمره إلى القاضي فهذا ظلمٌ، لكنْ إنْ ثبتَ أنه مماطِلٌ ترفع أمرَه إلى القاضي؛ النبيُّ يقول: «لَيُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ..». «لَيُّ الوَاجِدِ»؛ يعني: الغني، وَلَيُّهُ؛ يعني: مماطلته، «لَيُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ مَالَهُ وَعِرْضَهُ» -أو كما قالَ  ^ -.

ما معنى: وله أيُّ ذلك أَحَبَّ؟ [هل] يعني [ذلك أن] يدفع المال كلَّه، أو نصفه، أَمْ ماذا؟

يعني: يدفع يدفع، يترك يترك، يعني له أي ذلك أحب من الرِّفْقِ أو وضعِ الدَّين، لا يريدُ أنْ يدفعَ ما في مشكلة، معه شيء يدفعه ما في مشكلة، أيُّ ذلك أحب، الذي يستطيعه. نَعَمْ.






وفرَّغه/ أبو محمد إبراهيم بكر.

وراجعه ونسّقه/ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

13 صفر 1436 هـ، الموافق 5/12/2014 م




 




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t286
[صوتية وتفريغها] [ خطبة جمعة] [ليست قصة فلاح بل قصة أمة] لفضيلة الشيخ هشام بن فؤاد البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t284 Sat, 29 Nov 2014 08:44:16 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيها يشرحُ الشيخُ البيلي حديثَ الفلاح المعروف، ويستخرجُ منه الفوائدَ والعِبر.

وفيها أنّ سُنَّةَ النبيِّ ^ رِيَاضٌ عظيم، وحديقةٌ غَنَّاء؛ فيها من الزهورِ والثمارِ ما ينبغي أنْ يَقطفه المُسْلِمُ ليقفَ عند عِبره وعظاتِه.

وفيها أنّ الإسلامَ جاء ليبنيَ لا ليهدِمَ.. جاء ليَعْمُرَ لا ليُخَرِّبَ..

وفيها دعوةٌ إلى العملِ، والأخذِ بالأسبابِ..

وفيها يا فلّاحُ، أنتَ في عبودية!

وفيها حيثما كان موقِعُكَ.. فالشريعةُ تُخاطِبُكَ..

وفيها لربما عظَّمَ اللهُ حقيرًا، وكثَّر قليلًا..

وفيها دائمًا المقاماتُ العالية تكُونُ بالأعمالِ الزائدةِ التي ليست واجبةً.

وفيها إثباتُ كراماتِ الأولياء.

وفيها استحبابُ أنْ تقولَ لمَن لا تَعْلَمُ اسمه: يا عبدَالله.

وفيها أنّ الزكاةَ في الخارج من الأرض في بيئاتنا نِصْفُ العُشْرِ.

وفيها أنّ الإنسانَ بلا عبوديةٍ كالبهيم تمامًا، بل البهيم أفضل.

وفيها أنّ الملائكةَ تَعْرِفُ بعضَ أسماء بني آدم.

وفيها أنّ الرجلَ الصالحَ يعلمُ عمله الذي يدِّخره بينه وبين اللهِ، ولكنه لا يُخبِرُ به الناسَ.




وبالجملة، فالخطبةُ تُعد -وبحقٍّ- من أمتعِ الخطبِ وأكثرها فائدة، فلتحرصْ على قراءتها.



لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف











http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

          









 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (29) صفحة.

4. وفرَّغه/ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.




لقراءةِ التفريغ:

قالَ الشيخُ -حفظه الله-:


إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -^-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

أيها الأحبةُ المؤمنونَ والإخوةُ المسلمون، روَى الإمامُ مُسْلِمٌ من حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- [عن النبيِّ ^] قالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ فِي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: أن اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ فاسْتَوْعَبَتْ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ؛ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَه فِي السَّحَاب، فَقَالَ لَهُ الرجل: لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّماءِ للاسْمِ الَّذِي قُلْتَهُ، فَأَخْبِرْنِي مَاذا تَصْنَعُ؟ قَالَ: لا أَصْنَعُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي  إِذَا خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ، تَصَدَّقْتُ بِثُلُثِهِ، وَأَكَلْتُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَرَدَدْتُ فِيهَا ثُلُثَهُ».

هذا الحديثُ حديثٌ مشهورٌ، وحديثٌ عظيمٌ، وفيه من الفوائد ما ينبغي أنْ نقفَ عندها، فسُنَّةُ النبيِّ -^- رِيَاضٌ عظيم، وحديقةٌ غَنَّاء؛ فيها من الزهورِ والثمارِ ما ينبغي أنْ يَقطفه المُسْلِمُ ليقفَ عند عِبره وعظاتِه.

وليس الشأنُ أنْ يَعْلَمَ الإنسانُ القصةَ والحكاية، وإنما الشأنُ أنْ يقفَ عند مرامِيها، وهذه قصةٌ طالما سمعتموها، وفي الحقيقة هي قِصَّةُ أُمَّةٍ بأَسْرِها إذا تفقدتها الأُمَّةُ واعتبرتْ بها.

فالحديثُ عن رَجُلٍ صالحٍ أكرَمه اللهُ -سبحانه وتعالى- أيما إكرامٍ، وحباه بالفضائل والآيات والكرامات العِظام.

لكنها في الحقيقة قِصَّةُ أُمَّة، لو قامتِ الأُمَّةُ بما قام به الرجل لكافأ الله -سبحانه وتعالى- الأُمَّةَ بما كافأ به الرجل.

فليستِ العِبرةُ بالعَدَد، وإنما العِبرةُ بالمسالِكِ والمعاني والأعمال.

فإذا كان هذا الرَّجُل اتَّقَى اللهَ -سبحانه وتعالى- وراعَى حقَّ اللهِ -عز وجل- عليه، فأكرَمه اللهُ -سبحانه وتعالى- بهذا الإكرام، فماذا لو اتقتِ الأُمَّةُ اللهَ -سبحانه وتعالى-؟! فأطاعتْ ربها، ووقفت عند أوامره، واجتنبت نواهيه، وكانت أُمَّةً مُنْصَاعَةً للأمر، قائمةً بكتاب الله وسُنَّة رسول الله -^-، شاكرةً نِعَمَ اللهِ -سبحانه وتعالى- عليها، آخِذَةً هذه النِّعَم مُسخِّرةً إياها في مرضاةِ اللهِ -سبحانه وتعالى-، فيا تُرَى ما حالُ الأُمَّةِ حينئذٍ؟!

فإننا وإنْ تناولنا قِصَّةَ رَجُلٍ، ففي الحقيقة نتناولُ قِصَّةَ أُمَّةٍ، نتناول قِصَّةَ الصلاح الذي من أجله خلقنا اللهُ -سبحانه وتعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فما خَلَقَ اللهُ -عز وجل- مَوْتًا ولا حياةً، ولا خَلَقَ اللهُ -عز وجل- آدميًّا ولا حيوانًا، ولا جعلَ الله -سبحانه وتعالى- سماءً وأرضًا؛ إلا لعمارة هذا الكون بعبودية الله -تبارك وتعالى-، قال الله -عز وجل-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات: 56].

فالعبادةُ غايةٌ عظيمة خلقنا الله -سبحانه وتعالى- من أَجْلِهَا، وأَوْجَدَنا الله -سبحانه وتعالى- لنحقِّقَ تلك العبودية.

والفَرْقُ بين الإنسان والبَهيم عبادةُ الله، فإذا لمْ يَعْبُدِ الإنسانُ ربَّه، فما قيمته؟! فالبهيمُ أفضل منه، وهذا بنص القرآن؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- قد قال في مُحْكَمِ آياته: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

فإذا اتخذَ الإنسانُ إلهَه هواه، وأعرَض عن عبادة مولاه، فما قيمته؟! لا قيمةَ له، فالأنعامُ أفضل منه.

أترون لمَ الأنعامُ أفضل منه؟ لأنَّ الأنعامَ لمْ يُودِعها الله -سبحانه وتعالى- عقلًا، وقد حباك الله -عز وجل- بالعقل وفضَّلك به، وما سُمِّي  العقل عقلًا؛ إلا لأنه يحجز صاحبه عن المفاسد، وعما يؤذيه.

ولهذا سُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يحجز صاحبه عن هذه الأشياء، ويَدُلُّه على معالي الأمور.

ولهذا لمْ يكن المجنون مكلفًا، المجنونُ غيرُ مُكَلَّفٍ، يُرفَع عنه التكليف؛ كما جاء في الحديث: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ..»، وذكرَ النبي -^ «المَجْنُون حَتَّى يَعْقِلَ».

فالمجنون آدميٌّ، له يدان، رِجْلان، مِثلُك تمامًا في الصورة؛ لكنه غيرُ مُكَلَّف، أتدرون لماذا يا عباد الله؟ لأنه ليس عنده عقلٌ يَمنعه من الرذائل ويحثه على الفضائل، ليس عنده عقلٌ يُعرِّفه على الأمر ويُجَنِّبه النهي، ولهذا رُفِع عنه التكليف.

كذلك الصبي الصغير؛ فإنه غيرُ مُكلَّفٍ -وإنْ قُبِلَتْ منه العبادات إنْ أطاع الله-، أولادُنا الصغار ما لمْ يَبْلُغُوا فإنهم غيرُ مُكلَّفِين، وإنْ فعلوا الطاعات فإنهم مثابون، وهذه القاعدة بفَضْلِ الله -سبحانه وتعالى-.

أتدرون لِمَ الصبيُّ الصغير غيرُ مُكَلَّف؟ ليس لأنه مجنونًا ولكنه لأن عقله لمْ يَبْلُغِ الدرجة التي تُؤهِّله التكليف؛ إذ لمْ يتميز بَعْدُ في عقله، ويختار ما يُصلِحه على وجه التمام، ويجتنب ما يضره على وجه التمام والكلام، فلمَّا لمْ تَكتَمل أهليته رَفَع اللهُ -عز وجل- عنه التكليفَ.

إذن الإنسان بلا عبودية كالبهيم تمامًا، بل البهيم أفضل؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لمْ يُكلِّف بهيمًا وإنما كلَّف إنسانًا، لمْ يُودِعِ البهيمَ عقلًا وإنما أودعه الإنسان.

فإذا أعرضَ الإنسانُ عن طاعة ربه -سبحانه وتعالى- فما قيمة عقلِه هذا؟ ولكنه اتَّبع هواه، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23].

وهكذا أيها الأحبة، تلك القِصَّةُ العظيمة المعروفةُ عندنا جميعًا؛ هي قصةُ أُمَّةٍ وقصةُ مجتمعٍ، ليست قصَّةَ شخصٍ  واحد ولا فردٍ واحد.

وقد يَبتَلي اللهُ -سبحانه وتعالى- أُمَّةَ الإسلام بخصلة الرجل؛ لينظرَ الامتثالَ؛ كما حصَل في قِصَّةِ كَعْبٍ بنِ مالِك وصاحبيه.

إنَّ الذي تَخَلَّف عن غزوة تَبُوك مع النبيِّ -^- هو كعب بن مالك -رضي الله عنه- وصاحباه؛ ولكنَّ المجتمعَ كلَّه ابتُلي بهذا؛ إذ أمرَ النبيُّ -^- المجتمع كله أنْ يَهجُرَ وأن يُقاطِعَ كعب بن مالك وصاحبيه؛ حتى يُنزِلَ اللهُ -عز وجل- في شأنهم أمرَه.

وهَجَرَه المجتمعُ كلُّه بأَسْرِه، حتى إنَّ كعبَ بن مالك كان يُلقِي السلامَ على أقربِ الناسِ إليه فلا يَرُدُّ عليه السلامَ؛ يُلقِي السلامَ علي النبيِّ -^- فلا يَرُدُّ النبيُّ -^- السلامَ.

مع أن المجتمع يحب كعبًا، ويتشوف إلى توبة الله -سبحانه وتعالى- عليه، ولكن الله ابتَلى كعبًا بهذه المقاطعة، وابتلى المجتمع أيضًا بهذه المقاطعة: هل سيُكَلِّمه ابنُ عمِّه؟ هل سيُكَلِّمه أخوه؟ هل سيُكَلِّمه أقربُ الناسِ إليه؟ قد يُكلِّمه في خفاء، قد يُكلِّمه في جوف الليل، لا واللهِ ما حصَلَ.

بل إنه جاء في الصحيح: أنَّ كعبَ بنَ مالكٍ -رضي الله عنه- تَسَوَّر حائطًا لابن عمه، وجاءه فسلَّم عليه، فلمْ يَرُدْ عليه السلام، قال: ناشدتُكَ الله، هل تَعْلَمُنِي إلا أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ قالَ: اللهُ أعلم.

وهذه ليست ردًّا، ما قال: نَعَمْ، ولا: لَا.

قال: اللهُ أعلم، ولمْ يَرُدْ عليه، قال كعبٌ: فبكيتُ، وانقلبتُ على وجهي أبكي، كان يُمْكِنُ أنْ يُكلِّمه ابنُ عمه، الرسولُ لا يراه، ولا أحدَ يراه، ولكنه راقَبَ مولاه.

وهذا من أعظم الإيمان؛ أنْ يُراقِبَ الإنسانُ ربَّه، لا أنه إذا اختفى واختلى بمحارم الله -سبحانه وتعالى- انتهكها، ولكنه يُعظِّمُ الرب, لا يُعظِّم عبدًا، ولا يُعظِّم حكومةً، ولا يُعظِّم رئيسًا، فإذا رأى الحكومةَ والرئيسَ والشرطيَّ ابتعد عن المعصية أو المخالفة، فإذا خلَى بنفسه ارتكبها!

لا يا إخواني، ولكنه يُراقِبُ مولاه الذي ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: 3].

ولهذا كان مَن اختَلى بِحُرُمات اللهِ فانتهكها، لمْ يكن مؤمنًا الإيمانَ الكامل، كما جاء في الصحيح أن النبيَّ -^- قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ».

نَعَمْ لو كان مؤمنًا الإيمانَ الكامل لَما فجرَ بنساء المسلمين، وتَسَلَّقَ الأسوارَ، وتَجنَّح في الظلام، فلمَّا غابَ عن زوجٍ أو مَحْرَمٍ انتهكَ حرماتِ الله!

لأنه لمْ يَغِبْ عن ربه ولو تَلَحَّفَ بلِحافٍ سميك، ولو ابتعد في أعماق الأرض، ولو تركَ الأرض كلها، لا يُمْكِنُ أن يبتعد عن عين الله -سبحانه وتعالى-.

ولهذا المؤمنُ لا يأتي المعصية؛ لأنه يَعْلَمُ أنَّ اللهَ مُراقِبه، بل ربُّكَ لا يُراقِبُ ظاهرًا إنما يُراقِبُ باطنًا، ولهذا اللهُ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]، فربُّكَ يَعْلَمُ ما تُكنُّه صدورُكَ.

نَعَمْ، قد يَنطوي قلبي هذا على حسدٍ، على حقدٍ، على رياءٍ، على إرادةِ سوءٍ، والناس لا يَعْلَمُون عني، يروْني رَجُلًا صالحًا في الظاهر؛ لكنني بيني وبين ربي عِرْبِيدٌ! اللهُ يَعْلَمُ هذا.

لهذا وَجَب على الإنسان أن يُنظِّفَ ظاهره، وأن يُنظِّف باطنه، وأن يَتعبّد اللهَ، لا بالظاهر فقط، فتلك عبادة المنافقين، وإنما يَتعبّد الله بالظاهر والباطن، ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: 2-3].

إن قصة هذا الفلاح البسيط؛ إنها قصة فلاح، وكم الفلاحون كثرةً وعددًا، إنها قصة رجل فلاح، ليست قصة عابدٍ تحدثت الأرضُ عن عبادته، قصةُ رجلٍ فلاحٍ بسيطٍ في أرضه في فلاةٍ مِن الأرض، بعيدًا عن الناس، بعيدًا عن الحَضر، يتقي الله -سبحانه وتعالى-.

ولربما خَفي عملُه عن كثير من الناس، لكن الله -برحمته وبفضله- مهما أَخفى العبدُ الصالح عمله، فقام في جوف الليل يناجي ربًّا يتجلى لعباده في ثلث الليل الآخِر مِن كل ليلة «هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَتِيبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟»، فيَنصِبُ قدميه، ويَهطُل دمعه، ويَخشع قلبه.

فإنْ خَفي عمله هذا عن الخَلْق، سبَّبَ الله أسبابًا؛ ليُعرَف صلاحه، وليَتحدث الناس عن ذلك -ولو بعد موته-.

فما كان لله أكرمَ اللهُ به عبده، وما كان لغير الله فَضح اللهُ -عز وجل- به العبد، فمهما أتقنتَ صلاتك، ومهما أتقنتَ (كلمة غير مفهومة)، ومهما أتقنتَ عِلمك وتلاوتك للقرآنِ، لكنها إذا لمْ تكن لله فضحك اللهُ بها في الدنيا، وعلى رؤوس الأشهاد في الآخرة.

ولهذا جاء عند الإمام مسلم مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- لمَّا جاءه تابعيٌّ، فقال له: حدثني حديثًا سمعته من رسول الله -^-، ليس بينك وبين الرسول واسطةٌ؛ سمعته من النبيِّ مباشرةً، وأبو هريرة هو مَن لازَمَ رسول الله -^- ملازَمةً عظيمةً منذ أنْ أسلمَ، قال: لأُحَدِّثَنَّكَ حديثًا سمعته من رسول الله -^-، أنا وهو في المسجد ليس معنا أحد.

ثُمَّ قام يحدِّث فإذا به قد أخذَ نفسًا عاليًا فلمْ يقدر، وبعدما أفاق واستراح، قال: لأحدثنك حديثًا سمعته من رسول الله -^- ليس معنا أحد، ثم أخذه النَّفَسُ مرةً ثانيةً، فلمْ يقدر على التحديث، فلَمَّا أفاق عاد فقال: لأحدثنك حديثًا سمعته من رسول الله -^-، أنا وهو في المسجد ليس معنا أحد.

ثلاث مرار وأبو هريرة يريد أنْ يحدَّثَ بالحديث ولمْ يقوَ على ذلك، قال التابعيُّ: فأخذته فأسندته إلى صدري، فلما أنْ أفاق قال، وذكرَ حديثَ النبيِّ ^: «أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ؛ رجلٌ قرأَ القرآنَ وعلَّمه، ورجلٌ جاهَدَ في الصف وقاتَلَ فقُتل مع المشركين، ورجلٌ أنفقَ مالَه فما من سبيلٍ يحبُّ اللهُ أنْ يُنفِقَ عبدُه فيها إلا أنفقَ».

أعمالٌ جليلةٌ ومع ذلك سُحِبَ بأصحابها إلى النار! فاستشعر أبو هريرة ذلك فلمْ يقوَ على التحديث إلا بصعوبة.

فإذا خلَى العبدُ بربه -سبحانه- فاتّقاه، فدمعت عيناه، وخشع قلبُه، وعبدَ ربه الذي لا يغيبُ، أكرَمه الله فأظهَرَ عمله؛ حتى يُثنِي الناس عليه.

ولهذا لمْ يُخفِ اللهُ عبادةَ صالحٍ، ولا فضلَ فاضلٍ؛ هذا عبدُالله بن المبارك -رحمه الله تعالى- الذي كان من أتقى الناس وأعلم الناس، تَحَدَّث الناس عن فضائله كثيرًا، مع إخفائه للعمل، حتى قال رَجُلٌ يومًا وقد خَرَج مع عبدِالله بن المبارك في سفر، قال: ومَن عبدُالله بن المبارك هذا؟! يتحدّث عنه الناس كثيرًا، فما عبدُالله بن المبارك؟!

قال: فخرجتُ معه في سفرٍ، فلَمَّا كنَّا مِن الليل وقُدِّم لنا العشاء، انطفأَ السِّراجُ، قال: فقام رجلٌ يُصْلِحُه، فلمَّا أصلحه وأوقده، نَظَرْتُ إلى عبدِالله بن المبارك -رحمه الله- فإذا هو يبكي حتى بلَّتْ دموعُه لحيته، فقلتُ: بهذا سَبَقَنا عبدُالله بن المبارك -رحمه الله-.

إنها دمعةٌ كان يذرفها رجلٌ ينام مع زوجته على فراشه، يجمعهما وسادٌ واحد، فيحاول أن يُخفي دمعته عن زوجته، فتسيل دموعه على وسادته، فيأبى اللهُ إلا أن تُنقل ويُعرَف.

وذاك آخر يُنَوِّم زوجته كما تُنَوِّم الأُم صبيَّها، ثم ينصب قدميه؛ حتى لا تَعْلَمُ زوجته بقيامه لليل، فيبقى هذا سرًا بين الله وبين هذا العبد، ولكنّ زوجته تَعْلَمُ بذلك فتتحدث.

يأبى الله إذا كان العمل لله إلا أن يُظهره لعباد الله، فيُكرَم العابدُ بذلك -وإنْ حاولَ إخفاءَه-.

ويأبى الله إلا أن يفضح قارئًا للقرآن، وعالمًا للعلم، ومُنفقًا، وبانيًا للمساجد، وآمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المُنكَر إلا أن يَفضحه الله -سبحانه وتعالى-.

ولذا يَحكي النبيُّ -^- قصةَ ذلك الداعية، الذي أمرَ ونهى، لكن لمَّا كانت جنةٌ ونار، واطّلع الناس في النار على رجلٍ كان داعيةً مشهورًا معروفًا، فإذا بأمعائه قد خَرجَت من بطنه، وإذا به يدور معها كما يدور الحمار في الرَّحَى.

فيتعجب أهلُ النار؛ الشيخ فلان في النار! كيف هذا؟! فقالوا: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! ألست أنتَ الشيخ فلان، العالم فلان؟! ألست أنتَ؟! فما الذي أتى بك في النار؟! حسبناك في الفردوس الأعلى، حسبناك مع المُقرَّبِين، حسبناك مع الصِّدِّيقين والشهداء والصالحِين.

فإذا به يُجيب: كنتُ آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه، فإذا بالله يفضحه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

قصةُ فلاح.. قصةُ فلاح لا يَملِكُ مِن حياته إلا قطعةَ أرض، لمْ تكن عنده العمارات ناطحة السحاب، ولم يكن عنده السيارات الفارهات، إنما هو فلاحٌ بسيط، لربما ملكَ مِن حياته مِسحاته التي حوَّل بها الماءَ، وفأسَه الذي يُصلِحُ به أرضه.

إنه الفلاح الذي يُعايِنُ من آيات الله كل يوم؛ يُعايِنُ بذرةً يبذرها، لتموتَ فتحيا وتَخْرُج، لتكُونَ ساقًا فتنبتُ سنابلَ متعددة وحباتٍ متراكمة، وهو مع ذلك يجحدُ حقَّ الله، ولا يؤدي زكاة ما أعطاه الله.

إنه الفلاح الذي هو بعيدٌ عازِفٌ -المفترض- عن كثيرٍ مِن المغريات، يتعبد ربه -سبحانه وتعالى-.

إنه الفلاح الذي لو أذَّن في حقله، عَجِبَ اللهُ منه.

إنه الفلاح الذي لو صلّى في أرضه وحده، لا يدري كم يُصلِّي معه من عباد الله -سبحانه وتعالى-.

إنها قصةُ فلاحٍ بسيط، ليست قصةَ نبي، ولا قصة صحابي، ولا قصة تابعي، ولا قصة عالِم.

إنها قصةُ فلاح، فلاحٌ يَعمل في أرضه، وإذا بِرَجُلٍ آخَر صالح.. وإذا أرادَ اللهُ -عز وجل- أن يُبَيِّن الفضائل أظهرَها لمن يُقَدِّرها، فإنّ البعض قد تَظهر له الكرامةُ في الصالِح فيهضمها، أو يَحقِد على صاحبها، أو لا يدري ما فيها من الكرامة، فهيَّأَ اللهُ رجلًا صالحًا ليُعاين الآية، وليُحدِّث بها أمته، ويَنْقل ذلك النبيُّ -^- عنه بوحي نزل مِن السماء.

«فبَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ»؛ صحراء ليس فيها أحد.

«فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ»؛ فنظرَ، سحابةٌ تتكلَّم! ملائكةٌ يتكلَّمون.

«أَنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ»؛ الكون كله مُسَيَّرٌ بأمره وتدبيره، فلا سحابة تتحرك، ولا شمس تسطع، ولا قمر ينير، ولا ريح تهب، إلا بأمره -سبحانه  وتعالى-.

إن الله -عز وجل- خالِقُ الكون، ومدبرٌ أمره، لا يتحرك شيءٌ في كونه إلا بأمره -سبحانه وتعالى-؛ فهذا  المطر الذي ينزل، وهذا السحاب الذي يتحرك، وتلك الريح التي تهب، كلُّ ذلك بأمر الله -سبحانه وتعالى-.

وقد وكَلَ الله -عز وجل- بذلك ملائكته، فما حركةٌ في الكون إلا وقد وكَلَ الله -عز وجل- بها ملائكته، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: 1-4].

وهكذا الله -سبحانه وتعالى- يُوكِّل ملائكته بكل حركة في السماء والأرض؛ فهذا المطر الذي ينزل بأمره، وفي الوقت الذي يريده الله -سبحانه وتعالى-، وبالقَدْر الذي يريده الله -عز وجل-، فلا تزداد قطرةٌ ما أرادها الله، ولا تنقص قطرة أرادها الله، ولا تكون حبة رمال ما أرادها الله -سبحانه وتعالى-، ولا تغيب حبة رمال أرادها الله -عز وجل-، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].

أتظنون الورقة التي تسقط من الشجر، تسقط هباءً؟!

أتظنون الورقة التي تخرج في الشجرة، تخرج هباءً؟!

لا واللهِ، عَلِمَ اللهُ تلك الورقة -ليس الشجرة- إذ تسقط، وإذ تخرج، فضلًا عن الثمرة، فضلًا عن الشجرة، فضلًا عن تابعها الذي كلَّفه الله -سبحانه وتعالى- لعبوديته -عز وجل-.

«سَمِعَ صَوْتًا فِي السَّماءِ؛ صَوْتَ سَحابَةٍ»؛ فدلَّ هذا على أن السحاب مُسخَّر، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 164]، ودلَّ هذا على أن السحاب مُوكَّلٌ به ملائكة، يتصرفون فيه بأمر الله -سبحانه وتعالى-.

«أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ»؛ ودلَّ هذا على أن الملائكة تَعْرِفُ بعض أسماء بني آدم، كيف لا؟! بل ملائكةُ السماء تَعْلَمُ مَن يعبدُ الله -عز وجل- ومَن لا يعبده، بل ملائكةُ السماءِ تحبُّ وتبغض.

نَعَمْ، ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -^- قال: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا..»، ولا يحب اللهُ إلا مَن أطاعه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، لا يجب اللهُ إلا مَن أطاعه.

«إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا، نَادَى جِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ..»، اللهُ مِن فوقِ سَبْعِ سماواتٍ إذا أحبَّ عبدًا نادَى أعظمَ الملائكةِ قُرْبًا إليه، وهو جبريلُ -عليه السلام- الذي وكّله الله -سبحانه وتعالى- بالوحي، فكان يَنزِلُ بالوحي إلى جميع الأنبياء والمرسلين، هذه أعظم المهمات؛ الوحي الذي به حياةُ القلب.

فهناك ملائكةٌ كجبريل وكَلَهُ اللهُ بالوحي، وهناك ملائكة كميكائيل وكَلَهُ الله بالقطر والمطر والإنبات، وهناك ملائكة كإسرافيل وكَلَهُ الله -عز وجل- بالنفخ في الصور يومَ يقومُ الناسُ لرب العالمين.

فهناك وظائف للملائكة، وهناك ملائكة تحضر معنا الخُطْبَة، وتجلس على الأبواب تُسجِّلُ الأول فالأول، إذا دخلَ أولًا سجّلته، تُسجِّل كلَّ واحدٍ، كُلُّكم مُسجَّلُون الآن بأيدي الملائكة حتى إذا صعدَ الخطيب المنبر جلستِ الملائكة فلا تُسجِّل مَن يأتي في الخُطْبَة، إنما التسجيلُ لمَن يأتي قبل صعود الإمام المنبر، فإذا دخلَ الخطيبُ وضعتِ الأقلامَ وجلستْ تستمعُ الذِّكرَ، إذًا معنا ملائكةٌ الآن يسمعون الخطبة، هذه وظائف.

وللهِ ملائكةٌ سيَّاحون في الطرقات يلتمسون حِلَقَ الذِّكرِ أيضًا، إذا وجدوا قومًا في درسٍ علمي، إذا وجدوا قومًا يذكرون الله -عز وجل-، إذا وجدوا قومًا جلسوا معهم ثم صعدوا إلى الله -سبحانه وتعالى-، فسألهم الله -عز وجل- عن عباده فأخبروه، ثم يقول الله: أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، فيقولون: إنَّ معهم فلانًا لمْ يكن منهم وإنما أتى لحاجةٍ، قال اللهُ -عز وجل-: هُم القومُ لا يشقَى بهم جَلِيسُهم.

فـ «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا، نَادَى جِبْرِيلَ: أَنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاء..»، وكم أَهْلُ السماء؟ ملايين، مليارات، لا يَعْلَمُ عددَ مَن في السماوات إلا هو -سبحانه وتعالى-.

ولهذا قال النبي -^-: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ..»، (أَطَّتِ)؛ يعني أصدرتْ صوتًا يدل على الثِّقَل، أرأيتَ لو حمَّلتَ حِمْلًا ثقيلًا على دابةٍ، ماذا يحصل؟ يحصلُ صوتُ ثِقَلٍ في الحِمْل، هكذا أَطَّتِ السماءُ وأصدرتْ صوتًا من الثِّقَل.

«وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ سَاجِدٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلهِ -عز وجل-»، في السمواتِ كلِّها ومع ذلك يُنادِي جبريل: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ يَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللهُ فُلَانًا نَادَى جِبْرِيلُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ: يَا أَهْلَ  السَّمَاوَاتِ، إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ،  فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ لا يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأرْضِ».

ولهذا إذا مات العبد المحبوب وإذا مات العبد المبغوض كانت لهما الأحوال التي تتناسب مع أعمالها.

«أمَّا العبدُ المحبوبُ، جاءته الملائكةُ فتلقَّتْ روحَه واستقبلته أيما استقبال، ثم وضعوه في حَنُوطٍ من الجنة، وفي أكفانٍ من الجنة، وفي روائحَ من الجنة، ثم يَصعدون به إلى اللهِ -سبحانه وتعالى-».

هذا الميت -يا إخواني- هذا الميت الذي نبحث عن غُسْلِه وكفنه ودفنه وأخذِ العزاءِ فيه، هذا الميت روحُه لها أحوالٌ أخرى، إنما نحن نتعامل مع جسدٍ؛ مع جسم، أمَّا الروح فينبغي أن تَعْلَمَ هذا جيدًا أن لها أطوارًا وأحوالًا أخرى ومقاماتٍ لا يَعْلَمُها إلا هو -سبحانه وتعالى-.

فتصعد الملائكةُ منذ خروج روحه، تصعد الملائكة بهذه الروح، «فتستفتحُ السماءَ الأولى»، ولا يَدخلُ أحدٌ السماءَ إلا بإذنٍ، «مَن الداخل؟ فيقولون: إنها روحُ فلانٍ ابنُ فلان، بأحب أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، فيُفتح له».

الله أكبر! تَفتح السماءُ أبوابها لعابدِ رب السماء، تَفتح السماءُ لعبدٍ طالما عَرَفَهُ أهلُ السماء، عَرَفْنَاكَ يا عبدَالله، عرفناك ساجدًا، قائمًا، مُنفقًا، مُصلِحًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكَر، ما عرفناك سارقًا، كاذبًا، خائنًا، زانيًا، عرفناك بالصلاحِ تَفَضَّلْ، هذه السماءُ لروحِكَ.

«فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا»؛ أفضلُ أهلِ كلِّ سماء يُشيِّعونَ جنازةً في السماء، ونحن ننشغل مع هذا الجسدِ في الدنيا حتمًا؛ لأن انشغالَنا به يكُونُ شرعًا، لكن في السماء المقامات العالية والأجور العظيمة.

«فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إلى التالية، إلى الثالثة، إلى السابعة، إلى اللهِ»، فطالما صعدَ إلى اللهِ عملُه، فإذا كان عملُه في الدنيا يخترق حُجُبَ السماوات السبع ليصعدَ إلى الله -سبحانه وتعالى-، إليه، إليه، إليه، إلى الله ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10].

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، فلماذا لا تصعدُ إليه روحُه -روحُ هذا العبدِ- التي خلقها اللهُ -سبحانه وتعالى-؟!

«فإذا مَن يقول: اكتبوا عبدي في عِلِّيِّين، وأَرجِعوه إلى قبره، ثم افرشوه فِرَاشًا من الجنة، فيُنعَّمُ في قبره بعملِه الصالح».

«أمَّا الآخَرُ»؛ أما الزاني، السارق، الخائن، المشرك، أما هذا المُعرِضُ عن الصلوات فلا يؤديها، والصيام فلا يصومُ، والزكاة فلا يُزكِّي.

«أمَّا هذا، فيأتيه ملائكةٌ يضعونه في حَنُوطٍ مِن حنوط النار، في أكفانٍ مِن أكفان النار، وروائح النار، ثم يصعدون به إلى السماء فيستفتحون له»، فهل يُفتحُ له؟! هل يُفتحُ له؟! افتحوا، مَن؟ فلان، «فلا يفتحون له، فحينئذٍ تُلْقَى من السماءِ إلى الأرضِ فتتمزق، ثم يقول: اكتبوا عبدي في أسفلِ سافلين، ثم يُفرَشُ له فراشٌ من نار».. الحديث.

إذًا الروح هذه كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:40-41].

عودةٌ إلى الفلاح، إلى الفلاح الذي لمْ تتأخر كرامته ليومِ الميعادِ، وإنما كانت كرامته في الدنيا، إلى سحابةٍ في السماء لا تتحركُ إلا بأمر اللهِ، يتوجه إليها الأمرُ الإلهيُّ، فتُنفِّذ الملائكةُ أمرَ الله؛ «أَنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ»، أيتها السحابةُ، بما تَحميلين من مطرٍ، لا تسقِ أرضًا غَير أرضٍ واحدة؛ إنها أرض الفلاح الفلاني.

ودلَّ هذا على أنّ الله له القدرة البالغة، وله الحكمة البالغة، والأمرُ أمرُه، والتدبير تدبيره، ولهذا قد تَسقط الأمطار في تلك البلدة ولا تسقط هنا، قد تسقط الأمطار في نصف بلدة، ولا تسقط في الأخرى، كلُّ ذلك بقَدَرٍ، كل ذلك بحساب، فالله -عز وجل- يدبِّر الأمرَ، واللهُ -عز وجل- عالمٌ بكل شيء.

«أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ»، فلانٌ يُعلَم عند الملائكة! فلانٌ تُؤمر السحابةُ له خصيصًا!

لو جاء الماءُ من النيل إلى أرض فلان بصفة خاصة، لقالوا: مَن هذا؟ رئيس، حاكم، هذا مَن؛ هذا الذي يأتيه الماء بصفةٍ خاصة.

لو أتى الماءُ على بعض الترع، فزادت هندسة الري هذه الترعة؛ نظرًا لشخصية بارزة عليها، لقال الناس: نَعَم، أيُّ كرامة أعظم من هذا، لقد زاد الماء في هذا البحر أو في تلك الترعة؛ نظرًا لفضيلة فلان.

فكيف والله! لا نيل، ولا فرات، ولا دجلة، ولا متوسط، ولا أحمر، ولا أطلنطي، ولا هادي، إنما سحابةٌ من السماء خصيصًا لهذا الرجل، «أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ».

«فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ»، وصار بأمرِ الله -عز وجل-، «فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فأمطرَ على حرَّةٍ»، والحرَّةُ هي الأرضُ السوداءُ ذات الحجارة السوداء.

«فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ تستوعِبُ الماءَ كلَّه»، لمَّا نزلتْ على تلك الأرض، «فتَفرَّقَ الماءُ في قناةٍ صغيرةٍ، وفي مَسِيلٍ صغيرٍ مِن بَيْنِ الجبال، وصارَ يَمْشِي، يَمْشِي، يَمْشِي، فتَتَبَّعَهُ الرَّجُلُ»؛ لأنّ الأمرَ غريبٌ بالنسبة له؛ هذا الرجل أسمع اسمه في السماء! تلك السحابة أمرُها غريب، ينبغي أن أتعرّف على ذلك، وأن أمضي مع تلك السحابة.

وشاءَ اللهُ أنْ يَسْمَعَ هذا الصوتَ هذا الرجلُ، وإلا كان يُمْكِنُ أن يأتي الأمرُ ولا يسمعه أحدٌ، فلا يَعْرِفُه الناس، لكنّ اللهَ قيَّد للصالح صالحًا، قيَّد للصالح مَن يُحدِّث، مَن لا يَكتُم فضلَ اللهِ على عباده.

فإن بعض الناس قد يرى فضلَ الله على عبدٍ فيكتمه ويجحده، لا، لا، بل يُغيِّره! ويجعل مَحِلَّ الفضل محل النقدِ!؛ فإذا صلى، قال: ما صلى وصام إلا لأمرٍ كان يطلبه، فإذا علَّم، قال: ما علَّم إلا لكذا وكذا، فإذا جاهَدَ، قال: ما رأيناه يُجاهِدُ إلا لكذا وكذا، فإذا أنفق، قال: ما رأيناه يُنفق إلا لكذا وكذا.

لكنّ اللهَ قيَّد صالحًا فصار مع  هذا الماء، «فَإِذَا برَجُلٍ قَائِمٍ فِي حَدِيقَتِهِ».

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبةُ الثانية:

الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبدالله ورسوله محمدٍ -^- وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قال الرجل: «فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ»؛ بفأسِه، جاءه الماءُ إلى أرضه خصيصًا، لم يأتِ أرضًا أخرى، وهذا الرجل قائمٌ في أرضه يعمل ويجتهد ويجدُّ.

فجعلَ «يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ»؛ أي يأخذ الماءَ بفأسه، وفي ذلك بيانُ فضيلةِ عمارة الأرض، وأن الإنسان لا يَترك أرضه؛ بل يزرعها، وأنّ زرعَ الأراضي وعمارة الأراضي وإثمارَ هذه النباتات لهو من الأعمال الصالحة -إذا احتسبها الإنسان-.

ولهذا أخبرَ النبي ^ عن قيامِ الساعة وغيرِ ذلك، فقال: «فإذا قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلة»؛ يعني في يدِ أحدكم نبتة، زَرْعَة، «فَليَغْرِسَهَا»؛ ما يقطعها، يغرسها، فإنَّ الإسلامَ جاءَ ليبنيَ لا ليهدِمَ،  جاءَ ليَعْمُرَ لا ليُخَرِّبَ.

وقد يَأْثَمُ الرجل إذا تركَ أرضَه بلا زراعةٍ وأولادُه يحتاجون إلى طعامٍ ويحتاجون إلى نفقة، فهذه الزراعةُ عملٌ مبارَك، ويُؤجَرُ الإنسانُ عليه -إنْ احتسبَ أنه يقتاتُ لنفسه ولأولاده-، ولا يُضيِّع حق الله -سبحانه وتعالى-.

وفي هذا -أيضًا- إشارةٌ إلى الأخذِ بالأسباب، وأن العبدَ ينبغي أن يأخذ بالأسباب، ولا يتّكل على دعائه لله -عز وجل- فقط.

فمَن دعا اللهَ، حرثَ وزرعَ، واجتهدَ وجَدَّ، ومَن توكل على اللهِ، عقدَ دابته وربطها فلا يتركها، ولهذا قال ^ -في الحديث الصحيح-: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ فِي السَمَاء».

وما حقُّ التوكل يا إخواني؟

حق التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب؛ فلن تكُون عالِمًا إلا بسهرٍ بالليل، وحفظٍ ودراسةٍ واستشكال، ولن تُحصِّل نتاجًا جيدًا من أرضك إلا إذا اجتهدتَ فيها، ولن تُحصِّل من وراء أولادك صلاحًا إلا إذا قمتَ عليهم بالتربية، ولن تُشفى -بإذن الله سبحانه وتعالى- إلا إذا ذهبتَ إلى الأطباء، وأخذتَ الدواءَ، هكذا.

ولهذا قال ^: «وَإِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، لا تكن عالةً على الناس؛ بل اجتهدْ وازرعْ، أَجِّرْ نفسَكَ إن لمْ يكن عندك أرضٌ، أَجِّرْ نفسَكَ وكُلْ بالحلال، واعرَقْ بجبينك، وخُذْ هذا الحلالَ ولو قل، فإنه خيرٌ من أن تَسألَ الناس أعطوك أو منعوك، فتأتي تلك المسألة يوم القيامة نكتةً سوداءً في جبينكَ.

فعليك أن تعمل، وعليك ألا تتواكل، بل عليك بالتوكل على الله -سبحانه وتعالى-، إنَّ نبيكم ^ زرعَ الأرضَ، وأمرَ اليهود أن يزرعوها على النصف للمسلمين، وإنَّ النبي ^ أخذَ بالأسبابِ، فأخذَ أدوات الحربِ، ونزل وعلى رأسِه المغفر ^، وجيَّش الجيوشَ ونظّمها ^، ما قال: نُصلي وهكذا، ما قال: نُصلي في ساحات الوغى، بل الله -سبحانه وتعالى- في كتابه، ماذا قال؟ قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102].

إذن هذا تنظيمٌ في أرض المعركة، إذا صلى الناس وراء النبي، فلينقسم الناس إلى طائفتين؛ طائفة تُصلِّي مع النبي ركعة أولى، وطائفة تحرس تجاه العدو في الصلاة، حتى إذا صلَّى النبي بطائفةٍ الركعة الأولى تأخّرت، فكانت هي التي تجاه العدو، وتقدّمت الثانية لتُصلِّي مع النبي.

هذا ترتيبٌ في الصلاة على مواجهة الأعداء, ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: 102].

تنظيمٌ وأخذٌ بالأسباب، وهُم في الصلاة يأخذون بالأسباب، فلا نُصلِّي ونسجد ركعة مع أنّ الله حافظنا، لكنّ الذي حفظنا هو الذي دلّنا على الأخذِ بالأسباب.

فلا ينبغي للإنسان أن يتواكل، ولا أن ينام، ولا أن يترك سعيه وكسبه، بل إن أعظمَ شيءٍ: أنْ يربحَ الإنسانُ وأنْ يقتاتَ الإنسانُ من كسبِ يدِه -ولو قلَّ هذا الكسب-، فهذه دعوةٌ إلى العمل لا إلى تركِ العمل، دعوةٌ إلى العمارة لا إلى الخراب.

ولهذا لا يجوزُ لنا إنْ نظّمت الدولة ألا يُعتدى على البقع الزراعية أن نعتديَ عليها؛ لأن هذا تضييقٌ لمساحةٍ تُزرع، فيقتات منها أربابها، ويقتات منها المجتمع، تلك ثروةٌ  عظيمةٌ، فيُطاع وليُّ الأمر في ذلك.

فالعمارة ندبَ إليها النبي ^، ولهذا جاء -أيضًا- في الصحيحين أنه في أول الأمرِ، النبي ^ لمْ يأمر بإجارة الأرض، بل مَن زاد عنده أرضه، فليهبها لأخيه، يعطيها لأخيه يزرعها، إذا زاد عندك أرض أعطها لأخيك يزرعها، فالزراعة والعمارة أخذٌ بالأسباب.

فيا أيها الفلاح، أنتَ في عبودية منذ أن تَسْرَحَ إلى أرضك مِن الصباح حتى تعُود في المساء، هذه عبودية عظيمة.

لكنْ عبودية لمَن؟

عبودية لمَن ضيَّع الصلاة؟! عبودية لمَن ضيّع العبودية العظمى؛ وهي عبودية الله بالصلاة وكذا؟! أبدًا، عبودية لمَن لمْ يُخرِج زكاة أرضه؟ أبدًا.

عبودية لَمن عبدَ اللهَ، ثم اتخذ هذه وسيلةً تقرِّبه إلى الله -عز وجل-.

يا فلَّاح، أنتَ كقارئ القرآن.

يا فلَّاح، أنتَ كطالب العلم.

يا فلَّاح، أنتَ كالذي يُدَرِّس في جامعةٍ إسلامية.

يا فلَّاح أنتَ بسعيكَ على أولادِكَ في عبوديةٍ عظيمة.

ولهذا النبي ^ بيّن وأخبرَ أن دينارًا أنفقته في كذا، ودينارًا أنفقته في كذا، ودينارًا أنفقته على ولدك، خيرُها التي تُنفِقها على ولدك.

لا نريد فلاحًا يسرق من حصاد الناس وزروعِهم.

لا نريد فلاحًا يترك صلاته وعبادة الله.

لا نريدُ فلاحًا يعتدي على حُرُمات الله.

نريد فلاحًا على كتابِ الله، وعلى سُنَّة رسول الله.

إنّ الشريعة ليست للعلماء فقط، وليست لطلبة العلم، وليست لأرباب المساجد، إن الشريعة لكل مسلمٍ يَدِينُ بالإسلام، فحيثما كان موقعك، كنتَ فلاحًا أو مُدرِّسًا، كنتَ رئيسًا أو مرؤوسًا، كنتَ طبيبًا أو مهندسًا، فالشريعةُ تخاطبك؛ أين تقوَى الله؟

ولهذا فوصفُكَ الذي يسبق تلك الأعمال ينبغي أن تستحضره دائمًا أنك عبدٌ لله؛ أنا عبدٌ طبيبٌ، أنا عبدٌ مهندسٌ، أنا عبدٌ مدرسٌ، أنا عبدٌ فلاحٌ، أنا عبدٌ .. وهكذا، فأنا عبدٌ قبل الصّنعةِ.

فلا ينبغي للإنسان ألا يتقي الله، وكذلك الفلاح الذي يسرق أرضَ صاحبه، والذي يأخذ من ملكية غيره، فليتقِ اللهَ -سبحانه وتعالى-.

فاعلم يا عبدَ الله، أن هذا المتر، أو أن هذا الشبر، أو أن هذا القيراط، أتظن أنك تأخذه فتُكَثِّر ثروة أولادكَ ثم تنجو بين يدي الله؟!

يا عبدَ الله، أيها الفلاحُ الغافل، لن يكون الحساب يوم القيامة بالأفدنة، ولا بآلافها، سيكون الحسابُ يومَ القيامة؛ بالقِطْمِير؛ بالذَّرَّة، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ -لا تُرى بالعينِ- شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

سيكُون يومَ القيامة الحسابُ بالسِّواك -كَعُودِ السِّواك-، مَن ظلمَ أخاه شيئًا يسيرًا، فإن الله يقتص يوم القيامة، قال صحابيٌّ: ولو كان عُودًا من أراكٍ يا رسولَ الله؟! حتى لو شيئًا بسيطًا مثل هذا السواك؟! ولو كان عُودًا  من أراكٍ؟! قال: «وَلَوْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ».

ونقول: أَقَلُّ من الأراكِ؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

واسمعوا لهذا الحديث الجليل الجميل العظيم الذي رواه الإمام مسلم من حديث سعيد بن زيد، حينما اتُهم أنه أخذَ أرضًا ليست أرضه، فقال: أنا آخذُ أرضًا ليست أرضي، وقد سمعتُ النبيَّ ^ يقول: «مَنْ ظَلَمَ أخاه قِيدَ شِبْرٍ»؛ يعني قَدْرَ شِبْرٍ، ضَرْبَة بالكُرِيك! ضَرْبَة بالكُرِيك بس، « قِيدَ شِبْرٍ، طُوِّقَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَاضِينَ».

يومَ القيامة يُطوَّق مِن سبع أراضين، مَن يَحْمِلُ شبرًا مِن سَبْعِ أراضين يوم القيامة يا إخواني؟! مَن الذي يُطيقُ ذلك يا إخواني؟!

تركتَ لأولادك شبرًا فَطُوِّقَ عنقُكَ بشبرٍ مِن سبع أراضين، اتقِ اللهَ، واتركْ لأولادِكَ الصلاح ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].

اتركْ لأولادِكَ الصلاح، اتركْ لأولادِكَ نصفَ فدان بدلًا من عشرة، لكنه نصفٌ حلال، أطعمْ أولادَكَ الحلالَ.

أما تَعْلَمُ أنك لو كنتَ من أهل الصلاح، من أهل النفقة، من أهل المساجد، لو بنيتَ مائة مسجد، ولو أنكَ صليتَ الصلواتِ الخمس في  جماعة، ولو أنك صمتَ رمضانَ، ولو، ولو.. إلى آخِرِه، ولو حجزتَ كلَّ عام، ولكنك تأكلُ الحرامَ، فدعوتَ اللهَ في عرفة، ردَّ اللهُ عليك دعاءك، دعوتَ اللهَ في سجودك، ردَّ اللهُ عليك دعاءك.

فإن النبي ^ ذَكَرَ رَجُلًا يخرجُ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مسافرًا، أرهقه السفرُ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يا رب، يا رب، يا رب، يدعو اللهَ، وَمَطْعَمُهُ حرامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بالْحَرَامِ، قال النبي: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟!».

لن يستجيبَ اللهُ لكَ يا صاحبَ الشبر، لن يستجيب الله لك يا صاحب الذَّرة، لن يستجيبَ الله لك، هذه الترع، هذه الطرق التي أُخذتْ فضُمَّت إلى الأرض ليست حقك، أرجعْ حقوقَ الناس إليها، هذا حقٌ عام لك ولغيركَ.

لا تفرحنّ، ولا تعتبرنّ هذا شطارة، أو هذا ذكاء، أو هذا في غياب القانون، اعلموا قاعدةً مهمة جدًا: إنَّ حُكْمَ القاضي لا يُغيِّرُ الحقَّ عند الله، حتى لو حَكم لك القاضي بشهادة زور وبتلفيق وبلحنٍ في عرضِ قضيتك، فحكمَ لك القاضي، فإن هذا لا يُغيِّر الحق عند الله.

قال النبي في حديث أم سلمة -رضي الله عنها-: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ -إنكم تتحاكمونَ إليّ-، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ..».

ممكن هناك خصمان أحدهما أستاذ؛ أختام -تمامًا- مُزوَّرة، شهداء زور؛ سيارة ميكروباص كاملة من شهداء الزور، عنده براعة في العَرْضِ، فإذا بالقاضي ماذا يصنع؟ حكمَ بنحو ما سمع، حكمَ بالأوراق، حكمَ بالشهادة، حكمَ بكل شيء.

قال النبي: «فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».

لا تفرحْ أيها المقضِيُّ لك من القاضي بحق أخيكَ، وقد علمتَ أنَّ الحقَّ ليس لك، لا تفرحْ وتَعُود فتفرِّق الأموال فرحًا بهذا، لا إنما هذا الذي قضى لك به القاضي قطعةٌ من النار، خُذْها أو ذَرْها، لو أخذتها فهذه قطعة من نار، هذه ليست رُبْعَ فدان، هذه ليست قيراطًا، هذه ليست بقرةً، هذه ليست غرفةً في بيت.. هذه قطعةٌ من نارٍ.

سواء كانت القطعةُ غرفةً، أو القطعة قيراطًا، أو القطعة فدانًا، أو القطعة سيارةً، أو القطعة مالًا، أو القطعة طريق ناس، أو القطعة شارعًا عموميًا، أو القطعة كذا.. على قَدْرِ ما أخذتَ على قَدْرِ ما تكُون قطعةُ النار، قطعةُ نارٍ فليأخذها أو فليَذَرَها.

«فَإِذَا بِهَذَا الرَّجُلِ وَقَدْ أَخَذَ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ يُحَوِّلُهَا إِلَى أَرْضِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ -الرجلُ يمشي مع الماء- يَا عَبْدَ اللهِ.. ».

وفي هذا استحبابُ أن تقول لمَن لا تَعْلَمُ اسمه: يا عبدَالله، لا تقول: يا محمد، أو يا عَلِي، أو يا إبراهيم، قل: يا عبدَ اللهِ؛ لأننا -جميعًا- عُبَّادٌ لله؛ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]، فتقول: يا عبدَالله.

«فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: اِسْمِي فُلَانٌ؛ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَه فِي السَّماءِ، قَالَ الرَّجُلُ: لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ -لماذا؟ تريدُ شيئًا؟- قَالَ: لِأَنَّنِي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّماءِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ».

اسمُكَ هذا ذُكر في السماء! اسمُكَ هذا أوحَى اللهُ إلى الملائكةِ به، هنيئًا لكَ، فماذا تصنعُ؟!

أخبرني قصتُكَ، أخبرني؛ إنني أرى رجلًا فلاحًا! ما أرى رجلًا يقرأُ في (صحيح البخاري)، ما أرى رجلًا يقرأ القرآن بالقراءات العَشْرِ، ما أرى رجلًا يدرِّس صبيةً من المسلمين القرآنَ، ما أرى رجلًا شاهِرًا سيفَه في وجهِ أعداء الله.

لا هذا رجلٌ طبيعي جدًا، هذا رجلٌ عادي، هذا رجلٌ بسيط، رجلٌ فلاح، قل لي: ماذا تصنع؟! فلقد بلغتَ من الفضل ما قد لا يَبْلُغُهُ عالِمٌ ولا مُجاهِدٌ، لقد بلغتَ فضلًا عظيمًا، أخبرني.

وهذا فضلُ الله حتى لا ييأسُ واحدٌ ويظن أن الفضل إنما يكون لطلاب العلم والعلماء فقط، إنما هو لكلِّ واحدٍ عبدَ الله -عز وجل-، ولربما عظَّمَ اللهُ حقيرًا وكثَّر قليلًا.

أَمَا تَعْلَمُون الرَّجُلَ البسيط جدًا الذي كان يمشي في طريقٍ -والحديثُ عند بعضِ أصحابِ السُّننِ-، فرأى فرعَ شجرةٍ في الطريق، فَنَحَّاهُ؛ أخذَ فرعَ الشجرةِ ووضعه بجانب الطريق -بس-، عملٌ بسيط؛ قال النبي: «فَهُوَ يَتَقَلَّبُ بِهِ فِي الجَنَّةِ»، فرعَ شجرةٍ!

والنبي أخبرَ عن المرأةِ البغيِّ؛ التي تُتَاجِرُ بفرجها؛ تُعْطِيها خمسة تُعْطِيكَ ليلةً، تُعْطِيها عشرة تُعْطِيكَ ليلتين، امرأة ليست زانية فقط، لا بل إنها تُتَاجِرُ، لا تزني شهوةً، لعلها تزني مرةً أو مرتين، إنما تزني بالأجرِ، مشروعٌ كَسْبُهَا الزِّنا!

«بينما تلك المرأةُ البغي -الزانية الفاجرة- تمشي في الطريق، فإذا هي بكلبٍ يلهثُ من العطشِ، فرحمته، فأرادتْ أنْ تسقيه فإذا لا ماءَ إلا ماءً في البئرِ قد غارَ وابتعدَ، فأرادتْ آلةً فلمْ تجدْ، فماذا تصنع؟ خلعتِ الخُفَّ، ثم نزلتِ البئرَ، وتعرّضتْ للمخاطرِ، وملأتِ الخُفَّ، ثم صعدتْ به تتسلّق، حتى أتتِ الكلبَ فسقته، فشكرَ اللهُ لها، فغفرَ اللهُ لها».

نَعَمْ -يا إخواني-، رحمةُ اللهِ واسعةٌ.

معكَ أيها الفلاحُ، لا تقل: أنا عامِيٌّ، أنا أُمِّيٌّ، أنا جاهلٌ.. لا لستَ جاهلًا؛ إنكَ تَعْلَمُ كلَّ شيءٍ إلا دينكَ أنْ تتقنه!

إنك تَعْلَمُ كيف تأخذ، كيف تبني، كيف تخالف القانون، كيف تزيدُ إلى أرضك؟ كيف تأخذ الماء بعيدًا عن إخوانك، كيف تلبِّس في الموازين، كيف تضع الأدوية التي تكبِّر الحَبَّة فتضر الناسَ، كيف تضعُ الحبّات الفارغة لتكُونَ سليمةً.. تَعْلَمُ كلَّ شيءٍ.

هلّا تَعَلَّمْتَ دينكَ، هلّا تَعَلَّمْتَ تقوى الله، هلّا تَعَلَّمْتَ تحبيرَ وإتقان ما من أجله خَلَقَكَ اللهُ، أتظن أيها الفلاح، أنَّ الله خَلَقَكَ، فتأكل، وتشرب، وتتزوج، وعندك أولاد، وتُزوِّج الأولاد، وفي النهاية جيفةٌ؟!

لا، يا ليتَ في النهاية تموت لا لكَ ولا عليكَ، وإنما ستقف بين يدي الله -سبحانه وتعالى- يسألك عن العملِ، فماذا صنعتَ بذلك؟

فأخبرني ماذا تصنع؟ أنتَ أيها الفلاح، ما رأيتُ فيكَ إلا بساطة، ماذا تصنع؟ أخبرني، ماذا يصنع هذا الرجل يا إخواني؟ ماذا يصنع؟ يصنع شيئًا كُلُّنا يَقْدِرُ عليه.

«قَالَ: لا أَصْنَعُ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي مَا يَخْرُجُ لِي مِنْ تِلْكَ الأرْضِ، أُقَسِّمُهُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ؛ فَقِسْمٌ أَتَصَدُّقُ بِهِ -بِالثُّلُثِ-..». خرجَ له عشرون شِوالًا، فقسمها ثلاثة أقسام، فَرَدَّ ثُلُثًا إلى الفقراء والمساكين ولمْ ينسَ حقَّ اللهِ، وهذا قِسْمُ السر، هذا القِسْمُ الذي بلغَ به ما بلغَ، والجزاءُ من جنس العمل.

ويا عبدَاللهِ أنفقْ يُنفق عليكَ، أتظن أن هذا القَدْرَ الذي تخرجه للفقراء والمساكين يضيع عليك؟ لا واللهِ، على قَدْرِ ما تُنفِق على قَدْرِ ما يُخلِف اللهُ، قال النبي ^ -في الحديث الصحيح-: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَيَنْزِلُ مَلَكَانِ مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا -اخْلُفْ يا رب على مَن يُنفِق-، وَيَقُولُ الآَخَرُ:  اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا -اللهم أَتْلِفْ مالَهُ يا رب العالمين-». مَلَكٌ يدعو على كلِّ صاحب.

حينما تمنع الزكاة، ارجعِ الآن [أخرجْ] زكاة أرزك، زكاة زراعتك، أخرجِ الزكاةَ.

واعلموا -أيها الأحبةُ- أن الزكاةَ  في الخارج من الأرض في بيئاتنا نِصْفُ العُشْرِ، لا دَخْلَ لها بالمصاريف، ولا دَخْلَ لها بهذا؛ لأنها كانت العُشْر فخُفِّضت إلى نِصْفِ العُشْر؛ نظرًا للمؤنةِ التي تُنفِقها عليها.

فإذا كان عندك عشرون شِوَالًا -بعد حقِّ المُزارِع- الذي يدخل إلى بيتك، إذا كان عندك عشرون شِوَالًا فأخرجْ نِصْفَ العُشْرِ، ففي كلِّ عشرةٍ تُخرِج نِصْفًا، وفي العشرين تُخرِجُ ماذا؟ تُخرِجُ واحدًا.

كلُّ عشرين شِوَالًا -قد رَزَقَكَ اللهُ به- [تُخْرِجُ] واحدًا فقط، واحدًا فقط من عشرين، كان اللهُ يُمْكِنُ أنْ يحجزه فلا يأتيكَ أصلًا من الأرض.

أَمَا وقد رزقكَ اللهُ، ووسَّع عليكَ، وأنتَ عاجزٌ فقير، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: 63-67].

رزقكَ اللهُ بهذا، اللهُ هو الذي أَنْبَتَ لكَ هذا الزَّرْعَ -ليس أنتَ-، فأخرِجْ واحدًا من عشرين تكُونُ قد أدّيتَ الحقَّ، ولو أَخرَجْتَ أكثرَ من ذلك فأنتَ ذكيٌّ، فهذا الرَّجُلُ أَخْرَجَ الثُّلُثَ، وليس واجبًا عليه.

ودائمًا المقاماتُ العالية تكُونُ بالأعمالِ الزائدةِ التي ليست واجبةً؛ لأنها تَدُلُّ على الرغبةِ بالخير؛ كحديثِ أصحاب الغار الثلاثة.

فهذا رَجُلٌ كان بارًّا بوالديه إلى أبعدِ الحدود؛ كان يحلبُ اللبنَ، ويأتي بالإناءِ إلى أبويه، ويسقي والديه قَبْلَ الأولادِ.

وذاتَ ليلةٍ جاء فإذا بالأبِّ نائمٌ، ماذا يصنع؟ والأولادُ تحت رِجْلَيْهِ يتتضاوونَ؛ أي يبكون من الجوعِ، فماذا يصنع؟ أُقدِّم اليومَ الأولادَ، أَمْ أبقى على برنامجي المعهود فأُقدِّم الأب؟ أُقدِّم الأب؟ أُقدِّم الأولاد؟ فبقي هكذا حتى طلعَ الفجرُ!

طلعَ الفجرُ وهو لا يسقي أولادَه الذين يبكون؛ حفاظًا على الأبِّ؛ بِرًّا بالأبِّ.

طيب، هل هذا واجبٌ عليه؟ هو ليس واجبًا، لو سقى أولاده ليس آثمًا، ولكنه عملَ بهذا العمل الذي ليس واجبًا عليه؛ رغبةً فيما عند الله من الخير.

ولهذا لما دخلوا الغارَ، وانطبقتِ الصخرةُ عليهم، قالوا: إِنَّهُ لَا يُنَجِّينا إِلَّا أنْ يَتَقدَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ بِأَخْلَصِ أَعْمَالِهِ، فتقدم هذا الرجل وقال: يا رب، إنه كان لي أبوانِ، وكان، وكان، وذكرَ القِصَّةَ.. اللهم إن كنتُ قد فعلتُ ذلك ابتغاء مرضاتك ففرِّج عنا، فانفرجت الصخرةُ، لكنهم لا يستطيعونَ المسيرَ، فتقدَّم كل واحد من الثلاثة بعملٍ صالحٍ، فإذا بالصخرة -وحدها، بأمرِ الله- تنزاح، وإذا بهم يخرجون من الغارِ.

وفي هذا إشارةٌ إلى أن الرجلَ الصالحَ يعلمُ عمله الذي يدِّخره بينه وبين اللهِ ولكنه لا يُخبِرُ به الناسَ، فإذا وقعت آية مثل هذه الآية فطُلبَ منه أنْ يُخبِرَ فيُشرع له الإخبار.

إنما لو أسألكَ أنتَ الآن، أقول لك: سيُوجِّه اللهُ لكَ سحابةً بعملٍ صالحٍ عندكَ، أخبرني هل عندكَ عملٌ صالح؟

تقول: عملٌ صالح.. عملٌ صالح.. لن تَجِدَ، ولو انطبقت عليك صخرةٌ فأردتَ أن [كلمة غير مفهومة] الله بعملٍ صالحٍ، قل: عملًا صالحًا وادعو اللهَ به فيُفرِّج عنك، سوف تقول: عملٌ صالح.. عملٌ صالح..

لكنّ الصالحين يعلمون ما الأعمال التي يعدُّونها بينهم وبين الله -سبحانه وتعالى-، هُم أدرى الناس بها، و لهذا لمَّا قيل للرجل: ماذا تصنع؟ ولمَّا قيل لرجلٍ آخَرٍ الذي قال فيه النبي: «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، فإذا برجلٍ آتٍ، رجلٌ بسيط، عادي، من عوام الناس.

وفي اليوم الثاني قال النبي للصحابة: «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، فنظر الصحابةُ فإذا نفس الرجل، ليس أبا بكر، ولا عُمَر.

وفي اليوم الثالث: «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، خرجَ نفس الرجل، ليس أبا بكر ولا عُمَر.

فتبعه بعضُ الصحابة، قال: لابد أنْ أعرفَ قصته، ما قصة هذا الرجل الذي يقول النبيُّ كلَّ يومٍ: «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، ما قصةُ هذا الرجل؟

قال: فذهبتُ إليه، فنمتُ عنده، وقلتُ: إنّ بيني وبين أبي كذا، تحايلَ حيلةً، فنام عنده، يَرْمُقُ عبادته، يرمق طاعته، فإذا هو برجلٍ عاديٍّ يقوم قسطه من الليل.

فقال -بعد ثلاثة أيامٍ-: أخبرني -باللهِ عليكَ-، لقد أخبرنا النبيُّ ^: «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، «يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، وأنا ما أرى عندكَ كثيرَ عبادةٍ أو طاعة، أخبرني: ما قصتك؟

هو يَعْرِفُ، الصالحُ يَعْرِفُ؛ لأن كلَّ واحدٍ مُتفقِّدٌ لقلبه، ويَعْلَمُ العملَ الذي وجدَ فيه قلبه بين يدي الله.

قال: ليس عندي كثيرُ عبادةٍ غيرَ أني أبيتُ وليس في قلبي حقدٌ لأحدٍ من المسلمين.

أنا رجلٌ عاديٌّ، كلُّ الذي عندي صفاءُ القلبَ، كلُّ الذي عندي سلامةُ الصدرِ.

فماذا قال الصحابي؟ [هل] قال: سهلة، بسيطة، سهلة؟! قال: تلك التي بَلَغَتْ بكَ ما بَلَغَتْ، وتلك التي لا نُطيقُ.

هذه التي لا نطيقها، مَن الذي ينام وليس في صدره شيءٌ على أحدٍ من المسلمين؟! هذه صعبةٌ؛ قد تَبِيتُ وقلبُكَ مليءٌ من أخيكَ! الذي جمعتكما بطنٌ واحدة يومًا ما، مع جارك، مع صهرك، مع زوجتك، مع أقرب الناس إليك.

مَن الذي ينام قريرَ العين، سليمَ الصدر، مُنشرِحَ القلبِ؟! مَن؟! مَن هذا؟! فالصالحُ يَعْرِفُ عملَه.

قال: «غَيْرَ أَنِّي مَا يَخْرُجُ لِي مِنْ أَرْضٍ، أُنْفِقُ الثُّلُثَ، وَآكُلُ أَنا وَعِيالِي الثُّلُثَ».

اللهُ أكبر! آكل أنا وعيالي الثلثَ الحلال، الثلث البعيد عن السرقة، الثلث البعيد عن حق الفقراء والمساكين، الثلث الخالص.

ما أجلكَ -أيها الفلاح!- لو تَعُودُ مساءَكَ مع غروبِ الشمسِ، تحملُ شيئًا من الخضراوات: الباذنجان أو الطماطم أو الخيار.. البسيط، ليس لحمًا ولا أكثرَ من ذلك، فتُقدِّمُ مائدتَكَ من هذا الطعام الذي غرسته بيديكَ، فكَسَرْتَ عليه كِسْرَةً من خُبْزٍ، فأكلتها أنتَ وأولادُك بما يسّر اللهُ لكما.. هنيئًا لكَ بهذا الطعام الحلال.

إنّ أكلَ الحلالِ لَلَهُو سِرٌّ عظيمٌ في إجابةِ الدعاء، ورفعِ المنازل، ومضاعفةِ الثواب والأجور.

أكلُ الحلالِ.. «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»، «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ».

إذا كان جنيهٌ فيه شبهةٌ اتركه، اتركْ هذا الجنيه الذي فيه شبهةٌ فضلًا عن أن تتركَ الجنيهَ المُحرَّم الخالص الذي لا شبهةَ فيه.

«وَثُلُثٌ أَرُدُّهُ عَلَيْهَا»، تلك أرضٌ، وهذا فلاحٌ بسيطٌ رفعَ اللهُ قَدْرَهُ في الدنيا قبل الآخرة.

وفي هذا إثباتُ كرامات الأولياء، وأن الله -عز وجل- يُجرِي على أيدي أوليائه من الكرامات ما تُرفع به درجاتهم وما يَعْظُمُ به قَدْرُهُم في الناسِ.

فهذه الكرامات ثابتةٌ بالقرآن، ثابتةٌ بسُنة النبي ^، فمَن كان لله صالحًا قد يكرمه الله -سبحانه وتعالى- بتلك الكرامات.

مريم أكرمها اللهُ بالكرامات؛ فكان يدخل عليها زكريا، فيجد فاكهة الشتاء عندها في الصيف، وفاكهة الصيف عندها في الشتاء، فلما رآها، قال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37].

وكان زكريا لا وَلَدَ له، فحينئذٍ ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ المَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 37].

ليس ولدًا وفقط، بل ولدٌ، واسمه يحيى، ونبي، وسيِّد، وحصور، الله أكبر!

وهذا النبي كان يُسبِّحُ الطعامُ بين يديه، وكان يتفجَّرُ الماء من بين أصابعه ^.

وليس هذا للأنبياء فقط، بل للصحابة -رضوان الله عليهم-؛ فلقد قام بعضهم يومًا -ثابت بن قيس- يقرأ القرآن ليلًا، فإذا ظُلَّةٌ من نُورٍ، فلما أصبحَ أخبرَ النبي ^ ذلك، فقال: «تِلْكَ المَلائِكَةُ جاءَتْ تَسْتَمِعُ لِقِراءَتِكَ».

وأُسيد بن حضير لمَّا خرجَ من عند النبيِّ في ليلةٍ ظلماء، قال: فخرجتُ أنا وصاحبي وكان معنا مِثْلُ النورِ، فلما تفرَّقنا، تفرَّقَ مع كلِّ واحدٍ منا.. نورٌ!

وهذا سعد بن أبي وقّاص -وهو من قوّاد المسلمين- لمَّا وجدَ ماءً أمامه مرةً، خاضَ في البحر وخاض معه أصحابُه، خاضَ معه أصحابُه على الماءِ، وهذا حصلَ أيضًا للحضرميّ؛ خاضَ في الماء، ولا شيء؛ كأنما هو طريقٌ يمشي فيه، يخوض في الماء ويمشي ولا يَحْصُلُ غرقٌ.

وهذا عمر -رضي الله عنه- على منبر المدينة، وقد أرسلَ جيشًا عليه سارية -رضي الله عنه- في أقصى الأرض، فإذا هو يخطب في المدينة فإذا به يقول: يا سارية، الجبل.. الجبل، الزمِ الجبلَ؛ كأنه معهم في المعركة، وسارية في المعركة هناك فسمعَ صوتَ عُمَر، فانحاز إلى الجبل فكان في ذلك النصر.

فمَن الذي جلَّى لعُمَر -وهو على المنبر- حالَ هذا الجيش وهو يحارب؛ حتى أصدرَ عُمَرُ أمرَه لمَن في أقصى الأرضِ، ويقول: يا سارية الجبل، الزم الجبل، فلَزِمَ القائدُ الجبلَ فكان في ذلك النصر -ولله الحمد والمنة-.

كراماتُ الأولياء، سحابةٌ في السماء تتوجَّهُ إلى فلاحٍ بسيطٍ فقيرٍ، ليست قِصَّةَ فلاحٍ ورَجُلٍ، إنما هي قِصَّةُ أُمَّةٍ، فما بالكم لو كانتِ الأُمَّةُ كلُّها على صلاحِ الرَّجُلِ؟!

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 40].

يا مَن تُرِيدُ الولد، فعليكَ بالصلاح والدعاء.

يا مَن تُرِيدُ نصرةَ الأُمَّةِ، عليكَ بالصلاح والدعاء.

يا من تُرِيدُ زيادةَ الرزق، عليكَ بالصلاح والدعاء.

يا مَن.. يا مَن.. يا مَن.. دُونَكُم الله؛ ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17].

وتخلَّصُوا من المحرمات والمعاصي؛ فتلك حائلةٌ مانعةٌ بينكم وبين إجابة الله -سبحانه وتعالى-.

نسألُ اللهَ -بمنِّه وكرمه وعظيم فضله- أنْ يغفرَ ذنوبنا، وأنْ يسترَ عيوبنا، وأن يرفع درجاتنا، وأنْ يُكفِّر عن خطيئاتنا، وأن يرفع منازلنا، وأن يجعلنا من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]، وأن يجعلنا من العلماء العاملين المخلصين الداعين يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك -يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين- في هذه الساعة المباركة ألا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا عيبًا إلا سترته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا هَمًّا إلا فرّجته، ولا مَدِينَ إلا سددتَ دَيْنَه، ولا مريضًا إلا عافيته، ولا ميتًا -على التوحيدِ والسُّنةِ- إلا رحمته يا رب العالمين.

اللهم ارزقنا من العلم ما يُقرِّبنا إليكَ.

اللهم أَعِنَّا على ذِكْرِكَ وشكرك وحُسْنِ عبادتك.

اللهم أَصلِحْ أولادنا، اللهم اجعلهم قُرَّةَ أعينٍ لنا يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].

اللهم أَصلِحْ أُمَّتَنا، وأَصلِحْ مجتمعنا، وأَصلِحْ قادتنا وحكومتنا، وأَصلِحْ رعيتنا يا رب العالمين.

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأَقِمِ الصلاةَ.






وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

7 صفر 1436 هـ، الموافق 29/11/2014 م




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t284
[صوتية وتفريغها] [خطبة جمعة] [هم الخوارج فاحذروهم -قاتلهم الله-] لفضيلة الشيخ هشام بن فؤاد البيلي -حرسه الله- http://www.el-ghorba.com/forums/t280 Tue, 25 Nov 2014 10:54:27 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففي هذه الخطبة تحدَّثَ الشيخُ عن أنَّ تفرُّّقَ هذه الأُمَّةِ أمرٌ قَدَرِيٌّ كونيٌّ لا محالةَ فيه، لكنْ من جهة الأمر الشرعي الديني، فإن المسلمَ مأمورٌ أن يَنهَى عن هذا التفرق.

وقد حذّر النبيُّ ^ من هذا التفرق والتشرذم يومَ أنْ كان المسلمون جماعةً واحدةً وأمةً واحدةً -فنحن اليوم أَوْلَى-، ووضعَ ^ الدواءَ لهذا الداءِ؛ لأنه يَعْلَمُ أنه سيقعُ في الأُمَّة، ولهذا قال ^: «
افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً». قالوا: مَن هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الجَمَاعَةُ». وفي روايةٍ: «عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي».

ثم تحدّثَ الشيخُ -باختصارٍ- عن طوائف متعددة ظهرت في هذه الأُمَّة؛ كالقدرية والشيعة،

وسلّطَ الضوءَ على طائفةِ الخوارج؛ نظرًا لما تتعرض له -الآن- بلادُ الإسلام عامةً ومصرنا خاصة،

فتحدّثَ الشيخُ عن أبرز صفاتِ الخوارجِ:

1. الغلو في الدين، وهو على قسمين: غلو في التعبد، وغلو في الفهم -فهمِ الكتاب والسنة-.

2. أنّ الخوارج يأخذون بالكتاب وبظاهره ويَتركون سُنّة رسولِ الله ^.

3. أنهم يخالفون فَهْمَ الصحابة وفَهْمَ التابعين لكتاب الله وسُنّة رسولِ الله ^.

4.
أنهم يُعادُونَ العلماءَ، وينتقصون العلماءَ.

ثم أشار الشيخُ إلى أن الخوراج تشرذموا تفرقوا؛ فمنهم المُحكِّمة، ومنهم الأزارقة، ومنهم النجدية، ومنهم الإباضية.. إلخ.

5. «سُفَهَاءُ أَحْلامٍ، حُدَثَاءُ أَسْنَانٍ».

6. «يَتَكَلَّمُونَ مِنْ خَيْرِ كَلَامِ البَرِيَّةِ».

ثم ردَّ الشيخُ هشام -حفظه الله- على مصطفى العدوي الذي يَمنع من النزول في مظاهرات يوم 28 فبراير القادم، وذلك من باب المصالح والمفاسد فقط، وليس من باب أن ذلك حرامٌ، ولا من باب أن ذلك منازعةٌ للسلطان،  فهو لا ينطلق في كلامه من بابِ تقريرٍ سلفيٍّ، ولا منهجٍ نبويٍّ؛ يا مُحدِّثُ! أين الحديثُ؟! أين الأحاديث التي وردت في الخوارج؟! أين الأحاديث التي أمرت بالصبر على جَوْر الأئمة؟! أين هذه الأحاديث؟! لماذا لم تُحدِّثِ الأُمَّةَ بتلك الأحاديث؟! لماذا غابت هذه الأحاديث عن الأُمَّة؟!

قوله ^ في حديث حذيفة عند مسلم: «
وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ لِلأَمِيرِ».

في حديث عبدالله بن مسعود في الصحيحين أن النبي ^ قال: «
سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا إِنْ أَدْرَكَنَا ذَلِكَ؟ قَالَ ^: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتُسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».

في حديث البراء بن مالك عند البخاري: «
أَلَا إِنَّهُ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».

لماذا لا تُحدِّثْ -أيها المُحدِّث!، أيها الفقيه!- الأُمَّةَ بإجماعات السلف في كُتُب السُّنة: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاةِ أمورنا؟!

ألئنكم جاهلون؟

تَعَلَّمُوا.

أَمْ لأنكم مُغْرِضُون؟

صَحِّحُوا.

أَمْ لأنكم -في الحقيقة- تكفيريون، إخوانيون، على دربهم سائرون؟!


وبالجملة فالخطبة ما زالت مليئة بالفوائد، وهذه فقط مجرد إشارات، فلتراجع.



لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف








http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

    






 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (23) صفحة.




لقراءةِ التفريغ:

قالَ الشيخُ -حفظه الله-:

إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ^، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أيها الأحبةُ المؤمنونَ والإخوةُ المسلمون، إنّ تَفرُّق هذه الأُمَّة لأمرٌ قدريٌّ كونيٌّ لا محالةَ فيه، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]..

لكنْ من جهة الأمر الشرعي الديني، فإن المسلمَ مأمورٌ أن يَنهَى عن التفرق في الدين؛ لأن التفرق في الدين، والتشرذم فيه مصادمٌ لأصل هذه الشريعة الغراء، بل هو مصادمٌ لشريعة جميع المرسلين والأنبياء.

قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: 13].

فهذا التفرُّقُ الذي هو أمرٌ كونيٌّ قدريٌّ، نهَى الشارع عنه من جهةٍ شرعيةٍ دينيةٍ، ولهذا فإننا لا نحتجُّ بهذا الأمر الكوني القدري على الأمر الشرعي، فهو وإن كان قَدَرًا وكَوْنًا كالكفر وسائر المعاصي، فإنه من جهة الشرع والديانة نحن مأمورون عن هذا التفرُّقِ وهذا التشرذم، كما نحن مأمورون -أيضًا- أن ننتهي عن هذا الكفر وتلك المعاصي، مأمورون أن ننتهي عن هذا التفرق والتشرذم والتحزب، كما نحن مأمورون -كذلك- أن ننتهي عن الكفر والعصيان وسائر المخالفات والمحرّمات.

ولابد للمسلم أن يعيش مع الأمر الشرعي الديني، لا مع الأمرِ الكوني القدري إلا من باب إسناد الأمر إلى تقديره -سبحانه وتعالى-، أما من جهة الامتثال والإذعان، فإن المسلم مأمور أن يمتثل شريعة رب العالمين -سبحانه وتعالى-، وأنْ يقتدي بهدي النبي ^.

فهذا التفرق والاختلاف، وهذا التشرذم والتحزب، قد نهى النبي ^ في باكُورة هذه الأُمَّة، ولذلك بِعِلْمِ النبي ^ أنّ الأُمَّة ستفترق، وأنّ الأُمَّة ستختلف، فأراد النبي ^ من تمام النصحِ، ومن كمال البيان؛ أن يُحذِّر أُمَّته من هذا التحزب ومن هذا الداء العضال؛ حتى تكُون الأُمَّة على بينة من أمرها؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42].

لقد حذَّر النبي ^ من هذا التفرق يومَ أنْ كان المسلمون جماعةً واحدة وأُمَّةً واحدة، فلمْ يكن في عهد النبي ^ تفرُّقٌ ولا اختلاف، ولا جماعاتُ بدعٍ وضلال، وإنما كان المسلمون جماعةً واحدة، يقودها رسول الهُدَى ^، يَنزِلُ وحيٌ من السماء، ويُبَلِّغ النبيَّ ^ وحيَ اللهِ -عز وجل- إلى الأُمَّة، وتقتدي الأُمَّة وتمتثل فورًا، تُزعِن لأمرِ الله ولأمر رسول الله ^، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 51-52].

وقالت عائشة -رضي الله عنها، في الحديث الصحيح-: رَحِمَ اللهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لمَّا نزلتْ آيةُ الحجابِ، وانطلقِ الرجالُ يتلونها على النساءِ، شَهِدْنَ صلاةَ الصبحِ مع النبيِّ ^ وهُنَّ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ كأنَّ على رؤوسهنَّ الغِرْبَان.

فليس هناك فاصل بين نزول الآي وبين الامتثال، فبمجرد أن تَبْلُغَ الآيات مسامع أصحاب رسول الله ^ إلا وينطلقون ممتثلِين مُقتدِين مُنفِّذين مُطبِّقين.

فلمْ يكن عند رسول الله ^ جماعاتُ انحراف حتى يحذِّر النبيُّ ^ من هذا، ولا جماعاتُ ضلال حتى يحذِّر النبيُّ ^ من هذا، حتى إنه كان ليُحذِّر ذلك في خطبه ولقاءاته وتوجيهاته، فيقول ^: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ^، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ».

وهو الذي حذَّر -بأبي هو وأمي- من هذا التفرق والاختلاف خصوصًا إذا تباينتْ أفكارٌ واختلفتْ جماعات وتعددتْ سُبل، فقال ^ في حديث العرباض بن سارية عند أبي داودَ وغيرِه: «وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ»

يحذِّر النبي ^ من هذا وليس أمامه ثَمَّ اختلاف ولا تفرُّق ولا تشرذم، وليس هناك بدعةٌ في مسجد رسول الله ^، بل ولا في مجتمع الرسول ^.

ومع ذلك وضعَ ^ الدواءَ لهذا الداءِ؛ لأنه يعلم أنه سيقعُ في الأُمَّة، ولهذا قال ^: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً». قالوا: مَن هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الجَمَاعَةُ». وفي روايةٍ: «عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي» -^-.

وجزى الله خيرًا رسولنا ^ على ما بيّن وأوضح وأفصح وتكلمَ، فلمْ يترك النبي ^ شيئًا إلا بيّنه، فما مات ^ إلا وهو تاركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ أو ضالٌ، ويجمع هذا كله قولُ الله -تبارك وتعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

أيها الأحبة، ومع هذا البيان الشافي من النبي ^ ومع هذا التعليم الواضح لأُمّة الإسلام إلا أن هذه الأُمَّة افترقت وستفترق مصداقًا لقول رسول الله ^ الذي يُخبِر عن سُنةٍ كونية قدرية.

وأرجو أن تنتبهوا لهذا، فهذا التفرق حاصلٌ لا محالة، الذي يقول: تلك الجماعات وهذه الفِرق كلها تعمل في حقل الإسلام، وإنما الاختلاف بينها اختلاف تنوعٍ، هذا رجلٌ جاهل، هذا رجل يُلغِي هذه الفِرق من أُمَّة الإسلام، ويُلغِي تلك الجماعات من الساحة؛ حتى يتسنّى لكل جماعة أنْ تبيضَ وأنْ تُفرِّخَ، وأنْ توجِّه وأنْ تعلِّم، وأنْ تتحول إلى ساحة من الاختلاف والتفرق والتشرذم.

ولكنْ نقولُ: هذا التفرُّق وإنْ أخبرَ عنه النبي ^ من جهة كونية قدرية إلا أنه ^ حذّر من ذلك أيما تحذيرٍ؛ قولًا وفعلًا وعملًا.

ولما جرى ما جرى بين رجلٍ من أصحاب رسول الله ^ أنصاريٍّ، وبين رجلٍ آخر من أصحاب رسول الله ^ مهاجريٍّ، ما جرى من نوعِ اختلافٍ ليس في دين الله، وليس في عقيدة المسلمين، وبلغَ الأمرُ إلى النبي ^، فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟»، ثم قال ^: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

وبدأتِ الفِرق تظهر، ومن حكمة الله -عز وجل- أنْ ظهرتْ تلك الفِرق -أصولُها، وأساسها، وأولها- في عصور الصحابة، لكن لما كان الدِّينُ قويًّا، ولما كانت السُّنة محكَّمةً، ولما كان الكتاب متلوًّا لفظًا ومعنًا ومعروفًا حُكْمًا، لمْ تتمكن هذه البدع والضلالات في عصور الصحابة، بل استأصلوا شأفتها وواروا جسدها، فكانت ضعيفةً جدًا لقوة السُّنة والاتِّباع، وهكذا القاعدة: إذا قويت السُّنة ضعفت البدعة، وإذا ضعفت السُّنة في الناس قويت البدعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فلقد ظهرَ أساسُ تلك الفِرق من الخوارج ومن القدرية ومن الشيعةِ، ظهرت هذه الفِرق في عهود الصحابة، نعم في عهود الصحابة، بل وظهرَ رأسُ الخوارج في عهد رسول الله ^؛ حينما أُتي النبيُّ بمالٍ، فقسّمه النبيُّ ^، فقال رجلٌ من هؤلاء -قال له-: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فهذه قسمةٌ لمْ يُرد بها وجهُ اللهِ -تعالى-، فقال النبيُّ ^: «وَيْحَكَ، وَمَنْ أَحَقُّ أَهْلِ الأَرْضِ بِالعَدْلِ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟!»، أو كما قال ^.

فظهرَ هذا في عهد النبي، فعلّق النبي قائلًا: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا, أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ إِلَى صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».

فأخبرَ النبي ^ في حديثه أن هذا الرجل سوف يكون من نسله أقوامٌ يقرؤون القرآن ولكنهم لا يعملون به؛ لأنه لا يتجاوزُ حناجرهم، هؤلاء سوف يضعون السيفَ في أُمَّة الإسلام؛ «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ».

وخرجت هذه الطائفة، رأسُها في عهدِ رسول الله، وبَعْدَ عهدِ رسول الله ظهروا في أصحاب رسول الله ^ وقاتلهم عليٌّ -رضي الله عنه-، وهي طائفة الخوارج.

أما طائفة القدرية؛ فقد ظهرت -أيضًا- في عهود الصحابة، ففي أول حديث أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى - لما جاء رجلان إلى عبدالله بن عمر يسألانه عن قومٍ خرجوا قِبَلَهُم يَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ ولهم شأنٌ بطلبِ العِلمِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ؛ أي أنّ الأمرَ مُسْتَأْنَفٌ؛ أي أنّ اللهَ لا يَعْلَمُ عما يقع من أفعال العِبادِ إلا بعد وقوعها، فالله -عز وجل- لا يَعْلَمُ عن أفعالنا ولا عن أحوالنا شيئًا إلا إذا وقع.

فماذا قال ابن عمر -رضي الله عنهما- ؟ قال: أَبلِغهم أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَوْ أنفقَ أَحَدُهُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا تقبّلَ اللهُ -عز وجل- مِنْهُ.

فهؤلاء القدرية ظهروا في عهود الصحابة.

وكذلك الشيعة ظهروا في عهود الصحابة -كذلك-، وما حال الشيعة مع عليٍّ -رضي الله عنه- عنكم ببعيدٍ؛ فلقد ألّهوا عليًّا، ووصلوا من الغلو إلى أن عبدوه مع الله -سبحانه وتعالى-، فقالوا: أنتَ الله!

فلما سمعَ عليٌّ -رضي الله عنه- تلك المقولة الشنيعة؛ أنْ يُؤلَّه عليٌّ -رضي الله عنه-، فلمَّا سمعَ ذلك جمعهم عليٌّ -رضي الله عنه- وخدَّ الأخادِيدَ، حفرَ الحُفَر، وأضرمَ النيرانَ -رضي الله عنه-، ودعاهم إلى التوبة، فمَن لمْ يرجع عن هذا المعتقد قذفه عليٌّ -رضي الله عنه- في النار.

فهؤلاء الشيعة الذين أظهروا الغلو في عليٍّ -رضي الله عنه-، ولا تزال الشيعة إلى الآن تغلو في عليٍّ -رضي الله عنه-، وفي أهلِ البيت، وفي أئمتهم الاثني عشر إمامًا، لا زالوا يُقدِّمونَ الغلو، ويعبدونهم من دون الله -سبحانه وتعالى- إلى اليوم.

مع أنّ إمامهم الأول من الأئمة الاثني عشر، وهو عليٌّ -رضي الله عنه- قد حرّقهم، وقد سامَهُم سوءَ العذاب، حتى قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لعليٍّ -رضي الله عنه-: أمَّا أنا لو كنتُ لمَا حرّقتهم ولقتلتهم؛ لأن النبي ^ يقول: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ».

فالذي أنكره ابنُ عباس على عليٍّ -رضي الله عنه- ليس مُطْلَقَ القتل والتخلص ممن ادّعى تلك الدعوة، ولكنه أنكرَ عليه صفةَ القتلِ، فلو كان مكانه لمَا حرَّقهم، ولقتلهم بسيفه؛ كما كان ^ يقتل هذا.

فهؤلاء -أيضًا- ظهروا في عهود أصحاب رسول الله ^.

إذًا التفرُّقُ في الأُمَّة والاختلافُ تحقيقًا لكلامِ رسولِ الله ^ -الذي لا ينطق عن الهوى- ظهرَ مبكرًا في هذه الأُمَّة؛ فظهرت الخوارج في عهود الصحابة، وظهرت القدرية في عهود الصحابة، وظهرت الشيعة في عهود الصحابة، ظهرَ كلُّ هؤلاء في عهود الصحابة، وهم أساسُ الفِرقِ والأهواء والمِلَل والنِّحَل التي ظهرت في هذه الأُمَّة.

أيها الأحبة، إذًا التفرق هذا تفرُّقٌ موجود، وهذا الاختلاف موجود، ولكنْ كيف تعاملَ معه أصحاب رسول الله ^؟ أولًا: كيف تعاملَ النبيُّ معه؟

إنّ النبي أنكرَ أيما إنكار، وقال ^ في تلك الطائفة التي ستخرج بَعْدَ ذلك والتي يترأسها هذا الرجل الذي قال للنبي ^: اعدِلْ، قال ^: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»؛ يعني شرَّ قِتلة.

بل هو ^ الذي قال فيهم: «هُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ».

وهؤلاء القدرية تبرّأَ الصحابة -رضوان الله عليهم- منهم، بل أمروا بقتل رؤسائِهم وزعمائهم على مرِّ عصور الإسلام من التابعين وتابعي التابعين، وما قَتْلُ غَيْلان عنكم ببعيد، وهكذا من التقتيلِ والتضليلِ والتشريدِ؛ لأنهم خاضوا في شريعة ربِّ العالمين، وردُّوا سُنة سيد المرسلين ^،  فاشتدوا عليهم أيما اشتداد.

وأمَّا الشيعةُ، فماذا فعلَ فيهم عليٌّ -رضي الله عنه-؟ حرّقهم!

وأمَّا الخوارجُ، فماذا فعلَ فيهم  عليٌّ -رضي الله عنه-؟ قاتلهم، ومدحَ حربَه كلُّ صاحبِ سُنّةٍ؛ فقد مدحَ حربَ عليٍّ -رضي الله عنه- لهؤلاءِ الخوارجِ؛ حتى لا يتذرّعُ مُتذرِّعٌ، وحتى لا يقول قائلٌ: كيف يُقْتَلُ أصحابُ لِحَى؟! كيف يُقتَل قومٌ عبّاد؟! كيف يُقتَل قومٌ يصلُّون ويصومون؟! ألستم أولى بأن توجِّهوا سيفَ الإسلام إلى اليهود والنصارى بدلًا ممن ينتسبُ إلى الإسلام؟! وقد تَطُولُ لحيته، ويَقْصُرُ ثَوْبُه، وتَعْظُمُ عبادتُه، وتَكْثُرُ صلاتُه، وتَعْظُمُ نفقتُه، كيف تقتلونه؟!

نقولُ: اقتداءً برسول الله ^، وتحذيرًا منه ^ لهؤلاء أن يَظهروا في أُمّة الإسلامِ.

أيها الأحبةُ، كان الكلام في الفِرق والجماعات، لربما يكُون هذا الكلام غائبًا عن كثيرٍ من الأذهان، وكان البعضُ يظن أن المعتزلة قد انتهت، وأن الخوارج قد انقرضت، وأن الأشاعرة قد ولّت، وأن القدرية قد ذهبتْ، وأن هذه الفِرق لا وجودَ لها في جسدِ الأُمَّة الإسلامية، حتى بزغتْ تلك البازِغَةُ التي سنخصُّها بالحديث في هذه الخُطبة، وهي بازِغَةُ الخوارج..

حتى ظهرت تلك الطائفة، لا أقول: لتُنشِئَ وإنما لتُجدِّدَ فِكْرًا ظهرَ، ظهرَ أوّلُه في عهدِ رسول الله ^ حينما قال الخارجي الأول لمحمد بن عبدالله ^: اعدِلْ، فليست هذه قِسمةٌ يُراد بها وجهُ الله؛ لتكُونَ قِصّةُ الإمامة وقضيةُ الحُكْم هي القضية الأولى التي تشغل تلك الطائفة، إنهم الخوارج.

إنهم طائفة الخوارج التي ظهرت في عصرنا الآن، والتي اشرأبّتْ بأعناقها، وامتدت صَولتها وجَولتها، وعلا صوتها، وامتد سلاحها، وسيطرت على أراضٍ وبُقَع، وهي تحلم أن تسيطر على سائرها من دُوَل ومن جمهوريات، فها هم يهدِّدُون دول الإسلام إنْ لمْ ينضوا تحت هذه الطائفةِ، فالحربَ الحرب، والذبحَ الذبح، والقتلَ القتل، إنهم الخوارج الذين يكفِّرون مَن سواهم ومَن عاداهم.

ولقد أصبحَ الناسُ من فلاحين وبُسَطاء، من رجالٍ ونساء، يسمعونَ اليومَ عن تنظيماتٍ وجماعاتٍ؛ عن تنظيمِ القاعدة، وعن تنظيمِ دَاعِش ودولة داعش -دولة الإسلام كما زعموا- في الشام والعراق، وعن تنظيمِ النصرة، وعن جماعةِ بيت المقدس التي رفعت عَلَمَها على محافظة سيناء مدعيةً أنها ولايةُ سيناء التابعة لدولة داعش التي يحكمها أمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبو بكر البغدادي!

لقد سمعتم الآن، وكان قَبْلَ ذلك البيان، كم حذّرنا من هذه الفِرق، وكم حذّرنا من تلك المشارِب، وكم حذّرنا من هذه الفئات، ولكنْ ما كان يُعارِضنا عوامُّ الناس؛ فعوامُّ الناسِ -في الغالب- أتباعُ كلِّ داعيةٍ، أتباعُ كلِّ ناعِقٍ، ولو دُلُّوا على السُّنة لاعتنقوها، ولكنْ كان يقفُ في وجهِ هذه التحذيراتِ أقوامٌ يتصدّرون الدعوة، يَعْلُونَ المنابر، ويقفون في المحاريب، ويُثنون على أئمةِ البدع والضلالات؛ من أسامة بن لادن رئيس تنظيم القاعدة، ومن الظواهري، ومن غير هؤلاء..

والآن -أيضًا- يمدحون تنظيمَ داعش، ويزعمون أن جبهة النصرة وغيرها من الجبهات، أنها عاملةٌ في حقلِ الإسلام!

هؤلاء الذين أَضرُّوا أُمَّةَ الإسلام، ومرَّرُوا تلك الطوام؛ من هذه الأفكار المنحرفة والأهواء الردية، حتى تمكّنت من أُمّة الإسلام، وتبعها من شباب المسلمين الأفرادُ والجماعاتُ من الأنام، حتى صارت لهم كثرة وعَظُمَ قولُهم -أسألُ اللهَ أن يقطعه-، واشتد شرُّهم.

ولئن سألتَ عن السبب في ذلك، قلنا: من أقوى الأسبابِ ثناءُ هؤلاءِ الدعاةِ الذين يزعمون أنهم علماءُ الأُمَّة، وأنهم الناصحون لها، لمثلِ هذه الأفكار.

نَعَم لمثلِ هذه الأفكار الرَّدِيّة، وسنقفُ مع هؤلاء وقفةً قصيرة في ختام الخطبة.

ونقول: أيها الأحبة، أما الخوارج؛ هذه طائفة منحرفة، وإنها من أعظم الطوائف انحرافًا في هذه الأُمَّة، ولقد ظهر مؤسسها ورئيسها في عهد رسول الله ^.

و يا ليتَ أُمّةَ الإسلام أخذتْ بتحذير النبي ^ -بأبي هو وأمي ونفسي وروحي- الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصحَ الأُمَّةَ، فكشفَ اللهُ -عز وجل- به الغُمّة.

لقد أخبر النبي ^ عن الخوارج، ومَن الخوارج؟ إذا رجعتَ إلى تعريف الخوارج على لسان الشارع وفي أحاديث النبي ^، ثُمَّ مِن بَعْدُ من واقع الصحابة، ثُمَّ مِن بَعْدُ حينما صنّف العلماءُ والأئمة، تجد أن هؤلاء يرجعون إلى أوصافٍ متعددة سنبيّنها، لكنْ يجمعها أنهم يكفِّرون المسلمين بالمعاصي، وبالتالي يستحلُّون أموالهم ودماءهم، وأنهم ينزعون اليد من أئمة المسلمين ومن حكّامهم، فيخرجون عليهم إذا كانوا جورةً ظالمين.

فأعظمُ ما يُشتهر به الخارجيُّ وما تَعْرِفُ به حَدَّه أنه يخرجُ على السلطان إذا جارَ وإذا ظلمَ، وهذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة.

أقولُ: الخارجيُّ هو الذي يفعلُ ذلك.. وتكفيرُ المسلمين بالمعاصي والذنوبِ.

وحتى لا تذهبَ بعيدًا، فأقول لك: إنّ الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين، ويرون التظاهرات، ويخرجون عليهم، غالبُ هؤلاء ما يرون الخروج على حكّام المسلمين إلا لأنهم كفار، ولهذا يكفِّرونهم بالحكم بغير ما أنزل الله، غيرَ راجعينَ إلى كلام أهل السنة والجماعة في الحكم بغير ما أنزل الله، والتفصيل المعروف عند أهل العِلم منهم -رحمهم الله تعالى رحمة واسعة-.

فهؤلاء يكفِّرون الحكام، وبالتالي يستبيحون الدماءَ والأموالَ والأعراضَ؛ لأنهم يحاربون حكوماتٍ كافرة، ويخرجون على أُمّةٍ رضيت بالحكومات الكافرة، فلمْ يقتصرْ تكفيرهم على الحكّام وإنما امتد ليتناول سائرَ الأنام؛ لأنه مَن كان يعيش في دولة الإمام ولمْ يخرج على السلطان، فإنه تابعٌ له في الأحكام، مثلما قال الأوائل، وهكذا هُم على الدوام.

أيها الأحبة، هؤلاء الخوارج لمْ يَثْبُتْ أنّ النبي ^ -انتبهوا إلى هذه الفائدة- بيّن طائفة، وأوصافَ طائفة ولا فِرقة تخرج في هذه الأُمَّة إلا هذه الطائفة.

قال ابنُ أبي العِز الحنفي -رحمه الله تعالى - في شرحه على الطحاوية: (والأحاديثُ الواردة عن النبي ^ في ذَمِّ القدرية، هذه أحاديثٌ ضعيفة، ولا يصحُّ منها حديثٌ، وإنما الصحيحُ الواردُ عن النبي ^ في ذَمِّ الفِرق إنما هو في الخوارج).

فلمْ يصحْ عن النبي ^ في القدرية، ولا في المرجئة، ولا في الشيعة، لمْ يصح عنه أحاديث ^ في ذلك مُباشِرَة، وإنما صحَّ الحديثُ عنه ^ في الخوارج.

قال: (ولقد جاءت الأحاديثُ في ذلك الصِّحاح، وقد رُويت من أوجهٍ متعددة، ذكرَ البخاري ثلاثةَ أحاديثٍ صحيحة، وذكرَ مُسْلِمٌ سائرها).

فالأحاديثُ الواردةُ في الخوارج أحاديثٌ ذكرَها البخاريُّ في صحيحه -ثلاثةً منها-، وذكرَ مُسْلِمٌ سائرها، وهي الأحاديث الصحيحة، بخلاف الأحاديث الحسنة التي وردت في هذه الطائفة.

كلُّ ذلك؛ ليُحذِّر النبيُّ ^ من الخوارج؛ وليُحذِّر النبي ^ من تلك الطائفةِ؛ لأنَّ أمرَها يخفى، ولأنها تتسربل بسربال التعبُّد.

ولهذا إذا نظرنا إلى لسان الشارع، وإذا نظرنا إلى كلام أهل العِلم، تحصَّلَ لنا أنّ أبرزَ صفاتِ الخوارج -حتى يَعْلَمَ كلُّ واحد منكم مَن هو الخارجي بحق- أولًا: الغُلُوُّ في الدِّين، فهُم قومٌ عندهم غُلوٌّ في الدين.

وغُلوُّ الخوارج غلوٌّ على قسمين؛ القِسمُ الأول: غلوٌّ في التعبُّد:

فهُم يتعبّدون عبادات بلغوا بها مبلغًا عظيمًا في الصورة، لكنهم مع ذلك لا يجاوِزُ القرآنُ حناجرَهم، هُم يختمونه -ربما كل يوم-، ويتلونه كثيرًا، لكنه مع ذلك لا يجاوِزُ حناجرَهم.

فحصلَ عندهم غلو وتجاوزوا في الطريقة، ولقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى قاعدة عظيمة في هذا الباب، وهو أن الإنسان قد يكُون صاحبَ إرادةٍ قويةٍ، وقد يكُون صاحبَ جَلَدٍ، وقد يكُون صاحبَ ذكاءٍ وفطنةٍ، ولكنه لا يُقبلُ كلُّ ذلك منه، ولا يكُونُ ما قدَّمَ مقبولًا عند الله -سبحانه وتعالى- إلا إذا وافقَ الصورة المشروعة.

فما فائدةُ إرادةٍ قويةٍ، وعزيمةٍ صادقةٍ، وبَدَنٍ قادرٍ على إحداثِ الشيء، ولكنه على غيرِ هدي رسول الله ^؟!

ولهذا النبي ^ ردَّ تلك الصور من الغلو في العبادة، نَعَم ردَّها ^؛ فإن النبيَّ ^ لمَّا أراد أن يرمي جمرةَ العقبة الكبرى قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: «اِلتَقِطْ لِي حَصًى»، فالتقطَ ابنُ عباسٍ حَصَياتٍ مِثْل الخَذْفِ، حصيات مناسبة، فأخذها النبيُّ ^ ووضعها في يده، وصار يُقلِّبها ^، ثم قال -بأبي هو وأمي-: «بِمِثْلِ هَذَا فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الغُلُوُّ».

وفي الصحيح أنه ^ دخل المسجد يومًا، فوجد حبلًا مربوطًا بين ساريتين، فسأل النبي ^ عن هذا الحبلِ، فقال: «لِمَ هَذَا؟»، قالوا: إنه لزينب، تَقُومُ نشاطَها؛ يعني تَقُومُ من الليلِ نشاطَها، حتى إذا فترت وهمّت أنْ تقعَ تعلّقت به، فنزعه ^، وقال: «لِيَقُمْ أَحَدُكُمْ نَشاطَهُ»، لا يتكلّف في أن يَقُومَ الليل مع غلبة النوم، بل إنه ^ نهى عن ذلك، فلعل الرَّجُلَ أنْ يُريدَ ذِكْرَ اللهِ -عز وجل- فيسب نفسَه!، فنهي النبي ^ عن ذلك.

ولما كان النبيُّ يخطبُ يومًا، فأبصرَ رَجُلًا قائلًا في الشمس، فقال: «مَنْ هَذَا؟»، مَن هذا القائل في الشمسِ؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل، وما قصته؟ نذرَ أنْ يَقُومَ ولا يقعد، وألا يستظل، وألا يتكلم، وأنْ يَصُومَ، فقال النبي ^: «مُرُوهُ فَلْيَقْعُدْ، وَلْيَسْتَظِلْ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتِمْ صَوْمَهُ».

فنهي النبي ^ عن هذه الصورةِ من الغلو في العبادة، فإذا رأيتَ خارجيًا أو مُبتدِعًا يَقُوم من الليل ما يقوم ويصومُ من النهارِ ما يصوم، فلا -وأَلْفُ لا- لا يُقبَلُ عملُه حتى يُعرَضَ على الكتاب وعلى السُّنة.

لهذا قال أئمة السلف؛ كابنِ مسعودٍ -رضي الله عنه- وأُبَيِّ بن كعب، قالا: إنّ اقتصادًا في سبيلٍ وسُنّة خيرٌ من اجتهادٍ في غيرِ سبيلٍ وسُنّة.

وأما الصورةُ الثانية من الغلو عند الخوارج؛ فإنهم عندهم الغلو في فهم الكتاب والسُّنة، فقرأوا الآيات من الكتاب وقرأوا الأحاديث من السُّنة، فكفّروا بها سائرَ المسلمين؛ كقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، فكفّروا القاتِلَ من المسلمين، وتركوا قولَ الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].

فالصفة الأولى للخوارج؛ وهي صفةُ الغلو، فمَن كان عنده غلوٌّ في العبادة فطاقَ عبادةَ النبيِّ -زَعَمَ-، ومَن كان عنده غلوٌّ في الفهم، هو من الخوارج.

ولهذا صح أن نقول: إنّ كل أهل البدع والضلالات من الخوارج؛ كما نطقَ بذلك بعضُ سلفنا، قال: أهل الأهواء كلهم خوارج؛ أي خارجون عن فهم كتابِ الله -عز وجل- وسُنّة رسول الله ^، كما فهمَ ذلك الصحابةُ والتابعون ومَن بعدهم.

 الصفةُ الثانية؛ أنّ الخوارج يأخذون بالكتاب وبظاهره ويَتركون سُنّة رسولِ الله ^:

فلا يَعمدون إلى السُّنة إلا إذا كانتْ تُوافِقُ -في زعمهم- معتقدهم، فإذا وجدوا لمعتقدهم ظاهرًا من السُّنة أخذوه، وإلا فَهُمْ يَردُّونَ سُنّة رسول الله ^.

بل وفي سُنّة رسول الله التحذيرُ منهم، فهل أخذَ الخوارجُ من السُّنة تحذيرَ النبي ^ منهم؟!

إنهم يتعلَّقُون بظواهر القرآن، وهذا شأنُ كثيرٍ من أهل البدع والأهواء، لكنّ الخوارج لهم من ذلك السبقُ في أُمّة الأهواء.

الأمرُ الثالث؛ أنهم يخالفون فَهْمَ الصحابة وفَهْمَ التابعين لكتاب الله وسُنّة رسولِ الله ^:

ولقد دلّنا اللهُ على الفهمِ -فَهْمِ السلف وسبيلِ المؤمنين-، فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

فليس عند الخوارجِ قالَ ابنُ عباس، ولا قال ابن عمر، ولا قال ابن مسعود، كيف يكُونُ ذلك عند الخوارج وهُمْ يكفِّرون الخوارجَ؟!

ولهذا الخوارجُ المعاصرون الآن؛ من القاعدة، وداعش، والنصرة، ومَن نحا نحوهم من التنظيمات الموجودة، لا نجدهم يرجعون إلى فهمِ الصحابة، ولا إلى فهمِ التابعين، ولا إلى كُتُب سلف الأُمَّة، بل على حسب ما يفتي به المفتونَ، ويترأَّسُ المترأسونَ من هذه الزعامات والجماعات والرؤساء.

ولهذا لما ناظرهم ابنُ عباس -والأثرُ عند الطبراني- وجاء إليهم، كانت أولُ كلمةٍ نطقَ بها ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنْ قال: لقد جئتكم من عند أصحابِ رسولِ اللهِ ^، وليس فيكم أحدٌ منهم.

ليس فيكم أحدٌ من الصحابة؛ يعني أنتم لا ترجعون إلى فهمهم، ولا ترجعون إلى بصيرتهم في فهمِ الكتاب والسُّنة.

فأولُ دليلٍ يدل على ضلال هؤلاء الخوارج أنهم لا يتقيدون بفهمِ أصحاب رسولِ الله ^.

خامسًا؛ أنهم يُعادُونَ العلماءَ، وينتقصون العلماءَ:

وذلك لأنه ليس فيهم علماءٌ، بل كما أخبرَ النبيُّ ^ «بِأَنَّهُمْ سُفَهَاءُ أَحْلامٍ، حُدَثَاءُ أَسْنَانٍ»، لا يفهمون شيئًا، لا من السُّنة، ولا من القرآن، ولا من فهمِ السلف الكرام، ولا مَن تبعهم بإحسان، وهكذا سائرُ أهلِ الأهواء على الدوام.. يعادون العلماءَ، يحذِّرون من العلماء، ينفِّرون منهم.

ولهذا حذَّر الخوارجُ من صحابة رسول الله، الصحابة الذين تربوا على يد النبي ^، الصحابة الذين زكّاهم القرآن.

ألم يقل ربي في محكمِ كتابِه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾؟ [الفتح: 29].

ألم يقل اللهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾؟ [الفتح: 18].

ألم يقل ربي: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى﴾؟ [الحديد: 10].

ألم يقل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾؟ [التوبة: 117].

ولكنْ ما منهجُ الخوارج في ذلك؟ منهجُ الخوارج أنهم يكفِّرون أصحابَ رسول الله إلا النفر القليل.

ولهذا الخوارجُ تشرذموا وتفرّقوا؛ فمنهم المُحَكِّمَة الذين كفّروا عليًّا لما قَبِلَ التحكيم مع معاوية، كفّروه، وكفّروا معاوية -رضي الله عنهما-، وكفّروا طلحة والزبير، وكفّروا سائر أصحاب رسول الله ^، هؤلاء هُم المُحَكِّمَة.

ومنهم الأزارقة أتباعُ نافع بن الأزرق، وعلى طريقِ التكفير يسير.

ومنهم النَّجْدِيَّة -أو النَّجدات- أتباعُ نَجْدَة بن عامر، وعلى طريقهم يسير.

ومنهم الإباضية أتباعُ عبدالله بن إباض، كذلك على طريقهم يسير.

وكلُّ طائفة تنفصل عن طائفة زيادةً في الغلو، وكلهم يجتمعون على تكفير أصحاب رسول الله ^، فإذا كفّروا الصحابة فمَن بقي من الأُمَّة من الثقات ومن الأئمة الأعلام؟!

وهل يلتفت الخوارج إلى العلماء وهُم الذين كفّروا الصحابة؟! إذن هُم يُعادُونَ العلماءَ تحت مظلة أن العلماءَ إنما هُم علماء السلطان، وإنما هُم عبيد السلطان، وإنما هُم -في الحقيقة- عملاء، وأنهم لا يكونون -كذلك- مقبولين في الناس إلا إذا قدّموا دينهم غرضًا من أغراض الملوك.

وفي ثناء كلامِهم هذا، فلقد صرّح بهذا أسامة بن لادن الذي مدحه كثيرٌ من المشايخ هنا -بل مدحه جل المشايخ هنا-، فلما مات قاموا ينعونه كأنما ينعونَ بطلًا من أبطال الإسلام، وفارسًا من فوارس الميدان، كأنما ينعونَ خالدَ بن الوليد، أو عمرو بن العاص، أو شُرحبيل، أو عِكرمة، أو سعدًا، أو عبدَالرحمن.. أسودُ الإسلام، كأنما ينعونهم.

ويمدحون أسامة بن لادن الذي يضلِّل علماءنا وعلى رأسهم ابن باز والعثيمين، والذي ينصحهم بأبلغ النصح ويضلِّلهم ولا يتحاشى من ذلك، بل يُوجِّه رسائله مباشرة إلى هؤلاء العلماء، ويتبعه خليفته أيمن الظواهري الذي يضلِّل ابن باز -رحمه الله تعالى-، ويضلِّل أئمة المسلمين، ويضلِّلون -جميعًا- أعضاء اللجنة الدائمة من العلماء الربانيين، ويسميهم ويصفهم أيمن الظواهري بأنهم عبيدُ السلطان وعملاء الحكام.

لأنهم يعتبرون أنّ العمالة الأولى إنما هي لقوَى الغربِ، ويَقُومُ على ذلك الحكام، فمَن تكلَّمَ في الإمامة وفي باب الحكم بمنهج أهل السنة والجماعة، وصفوه بأنه عبدٌ عند ذاك العبد، وعميلٌ عند ذاك العميل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مع أنهم الجهال، ولهذا يقول أحدُهم وهو سَيِّدُ إمام لمَّا انفصلَ عن الكيان، قال سَيِّدُ إمام -بغاية الجرأة والبيان-: لا أسامة بن لادن، ولا أيمن الظواهري من أهلِ العلمِ، ولا أهلِ الفتوى، بل ولا أهل التقوى.

هكذا يقول أحدُهم الذي انفصل عنهم، فلا هُم من أهل العلم، ولا هُم من أهل الفتوى، ولا هُم من أهل التقوى.

ونحن لا ننتظرُ شهادَةَ أحدِهم، بل إنما نقولها -فقط- من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: 26]، وإلا فمعلومٌ ماذا عند هؤلاء من ضحالةِ العِلم والبعدِ عن التأصيل الشرعي، ولكنْ -للأسف- صاروا يَرفعونَ رايةَ التكفير، ويتكلمون في قضايا الإيمان والتكفير، تلك القضايا التي لا يتكلم فيها إلا الراسخون، ولا يركبُ جوادَها ويمتطيه إلا العلماءُ الربانيون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كذلك من خصائص هذه الطائفة أنهم؛ سفهاءُ الأحلام، أحداثُ الأسنان:

وهذا ما ترونه من شباب الإسلام، ليس معهم العالِم، وليس معهم صاحبُ الخبرة، ليس معهم إلا الشباب، القوة، الحماس، هكذا ترونهم، حتى إنّ أحدهم ليفجِّر نفسه ويريد دخولَ الجنة! فمَن الذي علَّمه ذلك؟

فيستغلُّون حماسَ الشباب، ولهذا إذا نظرتَ إلى أحدهم، انظر إلى أميرِ المؤمنين وخليفة المسلمين -هذا المزعوم-، ما سِنُّه؟ هذا رأسُهم، فما سِنُّه؟ ربما يكُونُ في الأربعين، أو يَزيدُ قليلًا، أو يَقِلُّ عن ذلك قليلًا.. صدقَ النبيُّ ^: «سُفَهَاءُ أَحْلامٍ، حُدَثَاءُ أَسْنَانٍ».

والوصفُ الذي بعدَ ذلك أنهم «يَتَكَلَّمُونَ مِنْ خَيْرِ كَلَامِ البَرِيَّةِ»؛ كما أخبرَ النبي ^:

يتكلّمون كلامًا معسولًا، يتكلّمون عن قضية الإسلام، يتكلّمون عن قضية الشريعة، يتكلّمون عن قضية الحُكْمِ، وهُم مع ذلك أبعدُ الناس عن شريعة الإسلامِ؛ إذ يكفِّرون بلا دليلٍ ولا بيانٍ.

وتكفيرُ المسلمِ بغير حجة وبيان أعظمُ الخروج عن شريعة الإسلام؛ لأن أخطرَ الأحكام وأعظمَ الأصول في شريعتنا؛ أنه لا يكفَّر مسلمٌ إلا بدليلٍ قطعيٍ.

لا يُكفَّر مسلمٌ ولا يخرجُ مسلمٌ من عقدِ الإسلام إلا إذا كان بدليلٍ؛ كالشمس في رابعة النهار.

هذا هو مجملُ صفاتِ هؤلاء الخوارج، ونراها منطبقةً حذو القُذّة بالقُذّة على هذه الطوائف وتلك التنظيمات التي تخرج الآن، والتي تدعو إلى الخروج في الميدان، وتُؤَزِّزُ الناس إلى الخروج على الحكام؛ يريدونها دماءً بعدَ دماء، ويريدونها انتهاكًا لأعراض بعدَ انتهاك الأعراض، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وصدقَ رسولُ الله ^، وصدقَ النبي؛ إذ يُخبِرُ عن هؤلاء: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ».

صدقَ النبيُّ، ولقد وقعتُ لعبارةٍ لأيمن الظواهري، وهو يقول: إنّ من أصولِ الإسلام وشريعةِ النبيِّ ^ -من أصول الإسلام، وأصول هذه الشريعة- أننا نقدِّم في القتال هؤلاء الحكام المرتدين عن الإسلام قبلَ قتالنا للكفار الأصليين.

ولهذا صار هؤلاء الخوارج الآن يقاتلون بلدان المسلمين، هلّا وجّهوا هذه الضرباتِ إلى الغربِ، ولن نوافقَ، إنما يوجِّهونها إلى أُمّة الإسلام، يُحذِّرون مصرَ؛ داعِشٌ ستأتي، يُحذِّرون المملكة العربية السعودية؛ داعشٌ قادمة، يُحذِّرون اليمن، يُحذِّرون ليبيا، يُحذِّرون كل هذه الطوائف بدعواتهم الخَرِبَة التي يقتدي بها حدثاءُ الأسنانِ وسفهاءُ الأحلام، وإنا لله وإنا إليه راجعون.. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانية:

الحمدُ لله رب العالمين، وصلّى اللهُ وسلّم وبارَكَ على عبدِالله ورسولِه محمدٍ ^، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمَّا بَعْدُ:

أيها الأحبةُ، فلابد من هذا الحديث الواضح في هذا المجال، ولابد من هذا البيان الذي لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان؛ أنّ خوارجَ اليوم هُم خوارجُ الأمس، وأنّ النبيَّ ^ إذ يُحذِّر منهم بالأمسِ يومَ أنْ لمْ تكن لهذه الطائفةِ دولةٌ، ويومَ أنْ لمْ تكن لهذه الطائفةِ صَوْلةٌ وجَوْلة، يومَ أنْ لمْ يكن لهم هذا مع ذلك حذَّر النبيُّ ^.

فالواجبُ علينا وعلى كل داعية إلى الله -عز وجل- وعلى كل داعٍ إلى الله -سبحانه وتعالى- أنْ يبيِّنَ للأُمّةِ خطورةَ هؤلاء الخوارج الذين نشأوا في أجواء من سكوتِ كثيرٍ من الدعاة، بل ومن مدحِ كثيرٍ من الدعاة لهؤلاء.

وإذا أردتَ أنْ تَعْرِفَ صِدْقَ كلامي، فاذهبْ إلى مَن شئتَ من هؤلاء الذين تُسمِّيهم مشايخًا -وهُم مشايخُ الثوراتِ-، فاسألهم عن أسامة بن لادن، واسألهم عن أيمن الظواهري، واسألهم عن تنظيمِ داعش، واسألهم عن تنظيمِ القاعدة، وسوف تُفاجَأُ بالأجوبة التي تُلْحِقُهُم بهم.

بالأمس القريب سُئل أحدُهم ممن يُزعَم أنه من مُحدِّثي مصر، سُئل أحدُهم عن الثورة التي ستخرج في يومِ الثامنِ والعشرين -قطعها اللهُ ولا أَخرَجها- فلما سُئل عن ذلك، قال -وهو المفترض أنه يزعم أنه رجلٌ سلفي، وأنه مُحدِّثٌ- فأجاب: أنه لا يرى الخروجَ.

لماذا؟

قال: لأني لا أرى فيها مصالح، وربما عَلَتِ المفاسِدُ على المصالح فيها؛ يعني هو لا يرى من باب المفاسد فقط، لا من باب أن ذلك حرامٌ، ولا من باب أن ذلك منازعةٌ للسلطان، ليس من بابِ تقريرٍ سلفيٍّ، ولا منهجٍ نبويٍّ، ولا بسلطانٍ شرعيّ، ولا بدليلٍ واضح..

يا مُحدِّثُ! أين الحديثُ؟! أين الأحاديث التي وردت في الخوارج؟! أين الأحاديث التي أمرت بالصبر على جَوْر الأئمة؟! أين هذه الأحاديث؟! لماذا لم تُحدِّثِ الأُمَّةَ بتلك الأحاديث؟! لماذا غابت هذه الأحاديث عن الأُمَّة؟!

قوله ^ في حديث حذيفة عند مسلم: «وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ لِلأَمِيرِ».

في حديث عبدالله بن مسعود في الصحيحين أن النبي ^ قال: «سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا إِنْ أَدْرَكَنَا ذَلِكَ؟ قَالَ ^: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتُسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».

في حديث البراء بن مالك عند البخاري: «أَلَا إِنَّهُ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».

لماذا لا تُحدِّثْ -أيها المُحدِّث!، أيها الفقيه!- الأُمَّةَ بإجماعات السلف في كُتُب السُّنة: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاةِ أمورنا؟!

ألئنكم جاهلون؟

تَعَلَّمُوا.

أَمْ لأنكم مُغْرِضُون؟

صَحِّحُوا.

أَمْ لأنكم -في الحقيقة- تكفيريون، إخوانيون، على دربهم سائرون؟!

ومَن كان يُبَرِّئُ نفسَهُ من طريقةِ الخوارج، فليُعلِنْ، ومَن كان يُبَرِّئُ نفسَهُ من طريقةِ الإفساديين، فليُعلِنْ، ومَن كان يُبَرِّئُ نفسَهُ من طريقةِ هذه التنظيماتِ، فليُعلِنْ.

أين أنتم؟! أين أنتم يا مشايخ الثورات؟! بَرِّئُوا أنفسكم وإلا صدقَ فيكم أنكم تكفيريون، أنكم إفساديون، أنكم إخوانيون، أنكم لستم سلفيين.

لابد أن يتضح البيان والمقال؛ ليتعلَّمَ شبابُ الإسلام، لماذا تتركوا شباب الإسلام للصفحات على الشبكة العنكبوتية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي؟! لماذا تتركون الشباب ليُعلِّمهم تنظيماتٌ منحرفة وجماعات فاسدة؟!

أين كلمتكم؟! أين يا مَن تُدافِع عن هؤلاء وتقول: هؤلاء سلفيون؟! أين اللسان السلفي؟! أين الخطاب السلفي؟! أين البيان السلفي؟!

قل لهم: إنَّ النبيَّ حذَّر من هذا يومَ أنْ لمْ يكن مُبتدِع، يومَ أنْ لمْ تكن طائفةُ انحرافٍ، ومع ذلك حذَّر النبي.. حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ صِدِّيقُ الأُمَّة، حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ فاروقُ الأُمَّة، حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ ذو النورين، حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ عليٌّ الذي كان من النبي بمنزلة هارون من موسى؛ كما أخبره ^، حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ أهلُ بدرٍ، حذَّر النبيُّ من ذلك والذي يَسْمَعَهُ أهلُ بيعةِ الرضوان، حذَّر النبيُّ من ذلك و[الذي] يَسْمَعَهُ أسودُ الإسلامِ، وأبطالُ الميدانِ، حذَّر النبيُّ من ذلك وقد سَمِعَهُ هؤلاء الذين عَرَفُوا الضوابطَ على التمامِ، والقواعدَ والأصولَ التي علَّمهم إياها النبيُّ ^.

فأين اللسانُ السلفي -إنْ كنتم سلفيين-؟! أين هذا اللسانُ؟!

أيها الأحبةُ، وعلى درب الخوارج قامت تلك التنظيمات؛ فدعوات الخروجِ يومَ الثامن والعشرين، ودعوات تلك التنظيمات، وبيت المقدس في سيناء، ودَاعِش في دولة الشام والعراق -كما يُقال-، وهنا وهناك، هذه دعواتٌ تكفيرية؛ يُكفِّرون الحكامَ، ويُكفِّرون المسلمين الذين لمْ يبايعوا لهم.

وأنا أقول لكم: إذا كنتم تقولون: أنني على دربِ الغلاة أسيرُ، وعلى دربِ المفترِين أقتدي، فأقول لكم: خذوا هذا البيان الواضح الذي ليس فيه إشكالٌ، ولا يختلفُ فيه اثنان -إنْ كانوا على الإنصافِ، وعلى سُنَّةِ النبي ^، وعلى منهجِ السلف الكرام-.

قديمًا يومَ أنْ حصلَ في أمريكا ضربُ البرجين، خرج أسامة بن لادن وقال -اسمعْ-: اليومَ قد انقسم العالَمُ إلى فُسْطاطَين لا ثالثَ لهما؛ فسطاطُ كُفْرٍ لا إيمانَ فيه، وفسطاطُ إيمانٍ لا كُفْرَ فيه.

ويَقصِدُ بفسطاطِ الإيمان هو ومَن معه، ويَقصِدُ بفسطاطِ، بِقِسْمِ، بطائفة الكفران مَن يُخالِفه.

وتمر الأيام.. فمن عامِ ألفين إلى الآن أيامٌ طويلة وسنون، وساعاتٌ وليل ونهار، فلعل التكفيريين قد اختلفت وجهتهم، أو تغيَّر منهجُهم، ليخرُج علينا خليفةُ المسلمين المزعوم، وأميرُ المؤمنين الموهوم أبو بكرٍ البغدادي، في الشهر المُنصَرِفِ في الشهر السابعِ، ليخبرنا في عام أربعة عشر بعد الألفين أنه الآن ينقسمُ العالَمُ إلى فسطاطَين؛ فسطاطُ كُفْرٍ لا إيمانَ فيه، وفسطاطُ إيمانٍ لا كُفْرَ فيه، فيقول -باللفظ-: إلى فسطاطَين؛ فسطاطِ الإسلامِ والإيمان، وفسطاطِ الكُفْرِ والنفاق، ولا ثالثَ لهما.

فما فسطاطُ الإيمان؟

يقولُ: هؤلاء المسلمون الذين يجاهدون.

ومَن فسطاطُ الكفران؟

يقول: اليهودُ، والنصارَى، والصليبيونَ -ومَن؟-، ومَن حالفهم، ومَن كان معهم من هؤلاء.

إذًا نفسُ الكلمةِ التي تكلَّمَ بها بن دلان من قَبْلِ.

وأُعْلِمُكُم؛ لتَعْلَمُوا، وأُعَرِّفُكُم؛ لتَعْرِفُوا، وأُنَبِّهُكُم؛ لِتَتَنَبَّهُوا، أنَّ أصلَ هذه التنظيماتِ المعاصرة، تنظيمُ القاعدة الذي قاده أسامةُ بن لادن، ثم بعدَ ذلك لمَّا قامتِ الحروبُ في سوريا قامتْ جبهةُ النصرةِ وداعشٌ.. كلُّ هؤلاء كانوا تابعِين لتنظيمِ القاعدة، ثم بعدَ ذلك انشقَّت داعش عن هذا التنظيم وبقيتْ جبهةُ النصرة مع تنظيم القاعدة.

فجبهةُ النصرة مع تنظيم القاعدة، وكانت داعش مع تنظيم القاعدة لكنها انفصلت؛ لِتُعْلِنَ الولايةَ، ولِتُعْلِنَ الحاكميةَ، ولِتُعْلِنَ الخلافةَ، وإلا فأساسُهم تنظيم القاعدة، ولهذا صار -الآن- أيمنُ الظواهري ينتقدهم، وينتقدهم، وينتقدهم، وهؤلاء كفَّروا تنظيمَ النصرةِ وجبهةَ النصرة.

كلُّهم واحدٌ.. كلُّهم واحدٌ.. والعالَمُ ينتظرُ -الآن- خطرَهُم، والعالَمُ ينتظرُ -الآن- شرورَهُم.

أسألُ اللهَ -عز وجل- أنْ يُحيِلَ بين هؤلاء وبين ما يقصدون، فهذا أسامة بن لادن، وهذا أبو بكر البغدادي يُكفِّرون العالَمَ إلا مَن كان معهم، ويُكفِّرونَ الناسَ إلا مَن كان معهم.

بل ويَحْكُمُ أسامةُ بن دلان على حُكَّامِ المسلمين، قال: ومما لا خلافَ فيه -يعني لا يختلفُ فيه اثنان- كُفْرُ هؤلاءِ الحُكَّامِ).

لا خلافَ في هذا، ولا خلافَ عندَ تلك التنظيماتِ في كُفْرِ هؤلاء، ولهذا عارَضُوا العلماءَ، وعلى رأسِ هؤلاء الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين فسَّروا نصوصَ التكفيرِ في الحُكْمِ بغير ما أنزل الله، وبيّن ابنُ عباسٍ حَبْرُ الأُمَّة أنه كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وظُلْمُ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ.

والردودُ عليهم فيما يتعلّق بقضية الحكم بما أنزل الله، وفيما يتعلق بقضية الجهاد، وفيما يتعلق بقضية الولاءِ والبراء، ذاكَ له وقفةٌ أخرى، وقد وقفنا معهم كثيرًا ولكنَّ المقامَ في هذا هو مقامُ إشارةٍ ومقامُ تنبيهٍ؛ لتَعْلَمُوا يا أُمَّةَ الإسلامِ خطورةَ هذه الجماعات وتلك الطوائف.

احذروا هؤلاء الخوارج الذين يسيرون على دربِ مَن قال لمحمدٍ بن الله: اعدلْ، فليست هذه قِسمةٌ يُرادُ بها وجهُ اللهِ.

وأختمُ في دقيقةٍ واحدة قائلًا -ولي معهم وقفةٌ طويلةٌ بعد ذلك-: وكما نَحْذَرُ خوارجَ السيفِ والسِّنانِ، فإننا نَحْذَرُ خوارجَ البيانِ واللسان، هؤلاء الذين خرجوا على شريعة النبي ^، وقدَّموا العقلَ عليها، وتصدَّروا القنوات الفضائية -الآن-، فأنكَرُوا المعلومَ من الدِّين بالضرورة؛ أنكَرُوا ثوابتَ الإسلام، أنكَرُوا كلَّ هذا، بدعوى تقديم العقل على النقل، وبدعوى قتلِ الأثر؛ كما يقولُ هذا المجرمُ إسلام البحيري الذي لا ينبغي سماعُه، ولا ينبغي لكَ أنْ تُجاهِدَهُ، لا هو، ولا إبراهيم عيسى، ولا أمثال هؤلاء العقلانيين، إنه يقولُ -فاصلًا أُمَّةَ الإسلام عن أثرِ النبي ^، قائلًا-: إنَّ الأثرَ، وإنَّ الرجوعَ إلى الأثرِ، وإنَّ الدعوى إلى التمسك بالأثرِ، إنَّ هذا الأثرَ كَعِجْلِ بني إسرائيل، فلمَّا اتخذَ بنو إسرائيل عِجْلًا عبدوه من دُونِ الله، أقوامٌ الآن يتَّخذون الآثارَ عِجْلًا يعبدونه من دُونِ الله، ولن نسكتَ حتى نقتلَ هذا العِجْلَ كما قتلَ موسى -عليه السلام- عِجْلَ بني إسرائيل.

ونقول لهذا الرَّجُلِ: لن تستطيعَ ذلك، ولا مَن في الأرض جميعًا؛ لأن اللهَ قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

فهؤلاء خوارجٌ؛ لأن أهلَ الأهواءِ هُم الخوارج، هؤلاء خوارجٌ عن نصوصِ ومصادرِ الاستدلالِ، والأولون خوارج على الحكام بالتكفير بالذنوب والمعاصي.

نَعَم يُكفِّرون بالذنوب والمعاصي، حتى قال أسامة بن لادن: إنَّ الربا ليس كبيرةً من كبائر الذنوب فحسب، بل هو تشريعٌ مع الله ثم قرأَ قولَ الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: 21].

أرأيتَ كيف يُكفِّرُ أسامة بن لادن بالربا؟! ويقولُ: ليس كبيرةً فقط، وإنما هو تشريعٌ مع الله -عز وجل-.

أسألُ اللهَ -بمنه وكرمه وعظيم فضله- أنْ يُنْقِذَ أُمَّةَ الإسلامِ من فِرَقِ الانحراف وطوائف الضلال، وأنْ يجمعنا على الكتاب والسُّنة، وأنْ يُوفِّقنا للرجوعِ إلى سُنَّةِ النبي ^، وأنْ يَرُدَّنا إلى ذلك ردًّا جميلًا.

كما أسأله -سبحانه- أنْ يحفظَ مصرنا، وأنْ يحفظَ علينا أعراضَنا، وأنْ يحفظَ علينا أموالَنا، وأنْ يحفظَ علينا شبابَنا، وقبلَ ذلك كلِّه أنْ يحفظَ علينا دينَنا، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على عبدِاللهِ ورسولِه محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأَقِمِ الصلاةَ.

 


 

وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

3 صفر 1436 هـ، الموافق 25/11/2014 م


 



]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t280
[صوتية وتفريغها] [خطبة جمعة] [كونوا مع دولتنا وجيشنا، وضد من يحرف شرعنا] لفضيلة الشيخ/ هشام البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t279 Fri, 21 Nov 2014 03:05:28 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففي هذه الخطبة تحدّثَ الشيخُ عن إكرامِ الله -عز وجل- لهذه الأمَّة، ثم تحدّثَ الشيخُ عن العَداء الذي يُضمره لها أعداؤها من الداخل والخارج، وأنّ العَداءَ الأعظم هو الذي ينبثقُ مِن داخل هذه الأُمَّة ممن يتسمون بأسماء المسلمين، وممن يتزيَّوْن بزي المسلمين، ولكنهم يُحطِّمون في الدين، ويخرجون عن السبيل، ويُعارِضون الدليل، ويأتون كلَّ سبيلٍ من سُبل إضعاف هذه الأُمَّة، وهُم الفِرق والجماعات والمناهج المنحرفة التي أخبرنا عنها -^-.

وقد حذّر الشيخُ من المظاهرات التي دعا إليها الخوارجُ يومَ الثامن والعشرين من هذا الشهرِ -شهرِ نوفمبر-، ووجه الشيخُ إليهم سؤالًا.. تُرَى ما هُو؟!

وأختمُ هذا التلميحَ اليسير بهذه الكلماتِ التي ختمَ بها الشيخُ خطبته:


(وبهذا ننزِعُ أنفسَنا من هؤلاء؛ فلسنا مع مَن اعتدى على جنودِنا بحرًا، ولا مَن اعتدى عليهم حدودًا، ولا مَن اعتدى عليهم جوًّا، ولا مَن اعتدى عليهم برًّا، لسنا مع هؤلاء.

بل نُعْلِنُهَا:

نحن مع دولتنا؛ طاعةً لربنا؛ طاعةً لشريعتنا.

نحن مع دولتنا؛ امتثالًا لسُنَّةِ نبينا.

نحن مع دولتنا؛ تحقيقًا للمنهج السلفِي الصحيح الذي كان عليه النبيُّ والصحابة، ليس المنهج الذي يُتاجِرُ به أُناسٌ، أو يَرُدُّ عليه مُغْرِضُونَ حاقدون على الإسلام وعلى المنهج السلفي). اهـ




لتحميل المقطع الصوتي، أو الاستماع المباشر:

اضغط هنــــــــــــا



التفريغ:

صورةُ الغلاف








http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18

    






 لتحميل التفريغ مُنسَّقًا وجاهزًا للطباعة:

اضغط هنـــــــــا



تنبيهات:

1. تحتاج إلى برنامج Winrar أو غيره؛ لفكِّ الضغطِ عن ملفِ التفريغ المُرفَق.

2. يحتوي الملف المُرفَق على ثلاثِ صيغٍ: PDF ، DOC ، DOCX

3. يقع التفريغ في (23) صفحة.




لقراءةِ التفريغ:

قالَ الشيخُ -حفظه الله-:

إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللـهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -^-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أيها الأحبةُ المؤمنون، والإخوةُ المسلمون، إنَّ أُمَّةَ الإسلامِ أُمَّةٌ عظيمة، أكرَمها اللهُ -سبحانه وتعالى- أيُّما إكرام؛ أكرَمها اللهُ -سبحانه وتعالى- بكتابٍ هو خير الكتب، وهو القرآن الكريم، الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- مُهَيْمِنًا على الكتب كلها ومُصَدِّقًا لما بين يديه.

وأكرَمها اللهُ -سبحانه وتعالى- بهذا النبيِّ الكريم، الذي جعله خيرَ الأنبياء أجمعين؛ فهو -^- خيرُ نبيٍّ وخيرُ رسول، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، وجاء في الصحيح أنَّ النبيَّ -^- قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ».

وأكرمَ اللهُ -سبحانه وتعالى- هذه الأُمَّة -أيضًا- بأنها أُمَّة تَشهد على الأُمَمِ السابقة وللأنبياء والمرسلين السابقين؛ فقد جاء في الصحيح -أيضًا- أنَّ: «الله -سبحانه وتعالى- يسأل نوحًا -عليه السلام: أبَلَّغْتَ قومَكَ؟ يَقُولُ: نَعَمْ , فَيسأل قَوْمَهُ: أبَلَّغَكُمْ نوحٌ -عليه السلام-؟ فَيَقُولُونَ: مَا بَلَّغَنَا, فيقول الله -سبحانه وتعالى- لنوح -عليه الصلاة والسلام-: ومَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ -^- وَأُمَّتُهُ».

إننا لمْ نُعايِنْ نوحًا -عليه السلام-، ولمْ نُعايش عصره، ولكننا الأُمَّةُ التي تُصدِّق بكتاب ربها -سبحانه-، ولا تُكذِّبه، فمَن اعتقد غير ذلك.. مَن اعتقد غَيْرَ أنَّ نوحًا -عليه السلام- بلَّغ الرسالة، وأن موسى كذلك، وأن عيسى كذلك، وأن إبراهيم كذلك، وأن لوطًا كذلك، وأن جميع الأنبياء قد بَلَّغُوا الرسالة.. مَن اعتقد خلاف ذلك كان كافرًا بالقرآن الكريم؛ لأن اللهَ -سبحانه وتعالى- بَيَّنَ لنا في كتابه، أن هؤلاء الرسل قد بلَّغوا أممهم، وقاموا بواجب الرسالة، فبلَّغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا للأُمَّة، وتركوها على المَحَجَّةِ البيضاء.

هذا جزءٌ من اعتقادنا، وهذا أصلٌ من أصولنا، فمَن كذَّب بنبيٍّ كذَّب بجميع الأنبياء، ومَن كتمَ أن نبيًّا من الأنبياء بلَّغَ فإنه كافرٌ برب العالمين؛ لأن كِتمانه ذلك يعُود على القرآن بالتكذيب.

فنحن الأُمَّة الوَسَط التي تَشهد لسائر الأمم على الإطلاق، نحن خيرُ أُمَّةٍ -باختصار-، قال اللهُ -سبحانه وتعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: 110].

ولكنَّ هذه الأُمَّةَ المباركة أُمَّةٌ تُعاديها سائرُ الأمم، ويتكالب عليها أعداءُ الإسلام من الخارج ومن الداخل، فما استراحت هذه الأُمَّةُ أبدًا، وإنما هي في عَناءٍ ومكابدةٍ، تتوجه إليها وتتصوب إليها أسلحةُ الدمار من الخارج ومن الداخل.

أمَّا من الخارج؛ فإن عداءَ اليهود والنصارى وإن عداءَ المشركين والملحدين والكافرين عداءٌ  معروف، ولا يكاد يَختلف على ذلك اثنان، ولا يُنكره رجلان، أنه لا يُريد هؤلاء الأعداء لهذه الأُمَّة خيرًا، وأنهم يسعون الليلَ والنهار في النيلِ منها والكيدِ لها وإضعافِها.

وهذا أمرٌ مُقررٌ بَيَّنَه الله -عز وجل- في كتابه حينما قال ربنا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

فلن ترضى أُمَّةُ اليهود ولا أُمَّةُ النصارى عن أُمَّةِ الإسلام؛ حتى تَتَّبِعَ هذه الأُمَّة دينهم، وحتى تَسلُكَ هذه الأُمَّة طريقهم، وإلا فمهما قدَّموا لنا مِن عقودٍ وعهود ومِن مواثيق ومِن كلامٍ معسول، فإن ذلك قد كذَّبه القرآن.

وإنما يَكْتُمُ هؤلاء العداءَ السافر الواضح لأُمَّة الإسلام، وما ذلك عنكم ببعيد، ولو رَجعنا إلى التاريخ منذ أن جاء النبي -^- بهذه الرسالة نجد هذا الأمر واضحًا جليًا، لكن هذا العداء عداءٌ واضح, لو سألتَ الصغير أو الكبير، ولو سألتَ الرجل أو المرأة عن هذا العداء لأخبروك به.

لكنَّ العداءَ الأعظم هو العداءُ الذي ينبثقُ مِن داخل هذه الأُمَّة، هو العداءُ الذي ينبثق مِن أبنائها؛ ممن يتسمون بأسماء المسلمين، وممن يتزيَّوْن بزي المسلمين، ولكنهم يُحطِّمون في الدين، ويخرجون عن السبيل، ويُعارِضون الدليل، ويأتون كلَّ سبيلٍ من سُبل إضعاف هذه الأُمَّة..

هُم الفِرق والجماعات والمناهج المنحرفة التي أخبرنا عنها -^- يومَ أنْ لمْ تكن إلا جماعة واحدة؛ هي جماعةُ النبي والصحابة، أخبرنا عنها النبيُّ -^- عن هذه الجماعات، جماعات الانحراف والبدع- يومَ أنْ لمْ تكن بدعةٌ في مسجد رسول الله ولا في مدينة رسول الله.

ولنَرجِعْ إلى الوراء -ببصيرتنا لا ببصرنا-؛ لنرَى نبيًّا يخطب هو -^-، ونَرى بين يديه مَن؟ نَرى بين يديه عشرات المبشَّرين، نَرى بين يديه أهلَ بدر، نرى بين يديه أهلَ بيعةِ الرضوان، نرى بين يديه صاحِبَ السر وفاروقَ الأُمَّة وصِدِّيقَها، نرى بين يديه ذا النورين، نرى بين يديه أبا تراب صِهْرَ رسولِ الله -^-، نرى بين يديه طلحةَ الخير، نرى بين يديه أبا عبيدة أمين هذه الأُمَّة.

تخيَّلوا نبيًّا يخطب في أُمَّةٍ هذه عناصرها -على اختصار-، ومع ذلك النبيُّ -^- لمْ يكن نبيًا للصحابة فقط، وإنما هو نبيٌّ إلى آخر الزمان، فكلُّ دعوةٍ للنبوة بعده فغيٌّ وضلال، وكفرٌ وانحراف ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40].

لهذا جاء النبي -^- بدعوةٍ متكاملةٍ، وَضع أصولها، وأسَّس أساسها، وخاطَبَ النبيُّ -^- عصرًا نعيش فيه الآن، وعصرًا بعد الآن.

باختصارٍ حدَّثنا النبيُّ عن الدنيا والآخرة، لمْ يترك يومًا -^- مِن أيام الدنيا إلا وحدثنا عنها وبَيَّنَ ما يكُون فيها؛ حتى يكُونَ المسلمُ على بصيرة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42].

بل وحدثنا النبي -^- عن الآخرة وما يكُونُ فيها مِن: بعثٍ ونُشور، وجزاءٍ وحساب، وصراطٍ وتطاير صحف، وأخيرًا وجنة ونار، بل وبما في الجنة وبما في النار؛ حتى يكُونَ الإنسانُ على بَيِّنَةٍ من أمره.

فجاءت جماعاتٌ وفِرَقٌ، ومناهجُ مُنحرِفة، فانحرفت عن سُنَّة النبي -^-، وابتعدت عنها، وأحدثت بدعًا في الدين، وأوجدت في المسلمين غَيْرَ هَدْيِ رسول الله -^- تحت مظلة الشريعة.

هؤلاء أخبرنا عنهم رسولُ الهُدَى ونَبِيُّ الإسلام حين قال في حديث الترمذي من حديث ابن عمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهما: «وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً, كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً», قَالُوا: مَن هي يا رسولَ الله؟ قَالَ: «الجَمَاعَة». وفي روايةٍ: «عَلَى مَثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي».

إنَّ ما نُعايشه الآن من آلامٍ وجراحات، لم يَكُنْ على أيدي اليهود والنصارى مباشَرةً، فلمْ يكن يُحارِبنا الآن جيشٌ لليهود ولا جيشٌ للنصارى، وإنما جَنَّدوا من أبناء هذه الأُمَّة مَا يُنَفِّذُ مخططاتهم وما يُحقِّقُ رغباتهم، وهم آمنون!

تحت ماذا؟!

تحت مظلة الإسلام ومظلة شريعة الإسلام، فصار يُنالُ من أُمَّة الإسلام الآن على أيدي أبنائها ومَن يَنتسبُ إليها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وتنطلقُ هذه الجماعات مِن مظلة الشريعة -زعموا-، ومِن الرغبة في تحصيل الخير -زعموا-، وهُم أبعدُ ما يكونون عن هَدْي رسول الله -^-.

فهذه أُمَّةٌ مكلومة لا تتوقفُ جراحاتُها، لكنْ حين تتميز المعسكرات وتَتَبَيَّن الاتجاهات نستريحُ، ولكنْ حين تختلطُ المفاهيمُ وحين تختلط الأوراقُ ولا يدري المسلمُ أيَّ سبيلٍ يسلك، فحينئذٍ يشتدُّ الداءُ ويَعْظُمُ -فعلًا- ويكُونُ عميقًا في الأُمَّةِ..

أتكُونُ مع جماعة الروافض الذين يسبُّون رسولَ الله ثم هُم في الوجه الآخر يُعارِضون -في الظاهر- مُعسكرَ الكفرِ ومُعسكرَ الأمريكان؟!

فتقعُ أنتَ بين حيرةٍ، تكُون مع الروافض الذين يُعارِضون مُعسكرَ الكفرِ -في الظاهر- وإلا فهُم بنو رجلٍ واحدٍ، أو تكُون مع الروافض الذين يسبون صحابةَ رسولِ الله -^-؟! وعلى رأسهم -يسبُّون- أبا بكر وعُمَر وحفصة وعائشة، ويترضون على قاتِلِ عُمَر، ويترضون على هؤلاء، ويُكفِّرون الصحابةَ -رضوان الله عليهم- إلا أهلَ البيت ينتسبون إليهم انتسابًا ظاهرًا؛ حتى يستجلبوا عواطفَ المسلمين -وما هُم بمسلمين-.

أتكُونُ مع جماعة الصوفية المُحرِّفة المُخرِّفة الذين أخذوا الأُمَّةَ حولَ قبورٍ وأضرحة، وصرفوا العبادةَ لغيرِ الله فبدلًا من قوله -سبحانه-: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، فصار كلُّ واحدٍ على عادة الجاهلية الأولى يتخذُ إلهًا، لكنَّ الجاهليةَ الأولى كانت تتخذ آلهة العجوة أو آلهة الحجارة، أمَّا هؤلاء فإنهم يتَّخذون قبورَ الصالحين فيتمحورون حولها.

فَحَوْلَ قبورِ آلِ البيت تُقدَّمُ الطاعات وتُصرَفُ العبادات؛ فمِن طائفٍ وناذِر، ومن ذابحٍ ومُستغيث، ومن مُتوكِّلٍ وخائف، ومن راغِبٍ وراهِب، فلا تسأل عن دموعٍ تُراق، ولا تسأل ذبائح تُذبَح، ولا تسأل عن أموالٍ تُنفق، ولا تسأل عن جباهٍ تَسْجُد، ولا تسأل عن أحجار تُمَسُّ وتُلتَمسُ منها البركات.

أنحن مع هذه الجماعة ومع هذه الطائفة؟! طائفة الصوفية التي تتمحور حَوْلَ الشِّرك بالله لا حَوْلَ التوحيد، وإنْ زعموا في النهاية أن الصوفية من الصفاء! فهُم قومٌ صَفَتْ قلوبهم، وعَلَتْ هممهم، وزَكَتْ نفوسهم، كذبوا على الناس بذلك، وإنما يأتونَ الشِّركَ الصُّراح الذي جاء الإسلامُ ليهدمه وتقدمت سيوف الإسلام لتحطمه، ودخلَ النبيُّ -^- يومَ أنْ دخلَ مكة عزيزًا، فأخذَ مِعْوَلَه وصار يُحطِّمُ الأصنامَ والأوثان وهو يتلو قول الرب -سبحانه وتعالى- المنّان: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].

إنَّ النبيَّ لمْ يكسرْ حجرًا وإنما كسرَ إلهًا تعلّقتْ القلوبُ به محبةً وتعظيمًا، فسواءٌ كان هذا الإلهُ حجرًا، أو كان هذا الإلهُ صنمًا، أو كان هذا الإلهُ مَلَكًا، أو كان هذا الإلهُ نبيًّا، أو كان هذا الإلهُ وليًّا، فلا فَرْق.. فلا فَرْق.

ولهذا جاء في الصحيح أن النبيَّ -^- قالَ له حدثاءُ العهدِ بالكفر ممن أسلموا حديثًا ولمْ يعرفوا من الإسلامِ كثيرًا، فقالوا: يا رسولَ الله، اجعلْ لنا ذاتَ أنواط؛ أي: شجرة ننوطُ بها أسلحتنا تبرُّكًا بها، كما للمشركين ذاتُ أنواط.

فكبَّرَ النبيُّ -^- وقال: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾».

فجعلَ النبيُّ -^- هذا الطلب من جنس طلبِ بني إسرائيل لموسى -عليه السلام-: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، فكلُّ ما يتوجَّه إليه الناسُ وكلُّ ما تتعلق به القلوب محبةً وتعظيمًا فهو إلهٌ يُعبَد من دون الله.

أنكُونُ مع هؤلاءِ الصوفية في دِينهم هذا؛ يومًا عند حُسَين، ويومًا عند بَدَوِيٍّ، ويومًا عند دسوقي، ويومًا عند نَفِيسَة، ويومًا عند زَيْنَب؟!

وتَتَوَجَّهُ الخلائقُ لغيرِ ربِّها -سبحانه وتعالى-، تضعُ رجاءَها عند أمواتٍ!، واللهُ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: 20-21].

ويقولُ ربُّنا -سبحانه وتعالى-: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: 194-195].

ولستُ مُجامِلًا لكم ولا مُخبِّئًا عنكم أعظمَ الأحكامِ: إنَّ مَن دعا غيرَ اللهِ، واستغاثَ بغيرِ اللهِ فيما لا يَقْدِرُ عليه إلا اللهُ، ونَذَرَ وذبحَ لغيرِ اللهِ من هؤلاءِ الأمواتِ، خرجَ من مِلَّةِ الإسلامِ.

حُكْمٌ لا يَخْتَلِفُ فيه اثنانِ؛ فإنه أعظمُ الأحكامِ في القرآن وفي سُنَّةِ النبيِّ -^- خيرِ الأنام، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72].

والشِّرْكُ دعوةُ غيرِه معه، وهو أعظمُ النواهي على الإطلاق، ولهذا فإنَّ أوَّلَ الأوامرِ والنواهي تَوَجَّهَ إلى نبيِّ الإسلامِ لمْ يكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ولا ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولا ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، إنما كان أُولَى الأوامرِ وأُولَى النَّواهِي ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؛ أي: أَنْذِرْ عن الشِّرْكِ.

﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾؛ أي: عظِّمه بالتوحيد.

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أي: طهِّرْ أعمالَكَ من الشِّرك.

﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. والرُّجْزُ: الأصنامُ، وهَجْرُها تَرْكُهَا، وتَرْكُ هؤلاءِ الأمواتِ، وألَّا تتوجَّه إليهم بأيِّ لونٍ من ألوانِ العبادات، ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

وإنَّ المُسْلِمَ متى لَقِيَ اللهَ بكلِّ ذنبٍ -ولو لمْ يكن تائبًا- فإنه في محطةِ الغفران وتحت مشيئةِ الرحمن، إنْ شاءَ غفرَ اللهُ له، وإنْ شاءَ عذَّبه.

لكنَّ المُسْلِمَ إذا ماتَ على الشِّرْكِ فإنَّ اللهَ -عز وجل- لا يغفره أبدًا، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72].

أَمْ نكُونُ مع جماعة الاعتزال وفِرْقَةِ الاعتزال التي قدَّمتْ عقلًا على نقلٍ، وقدَّمتْ عقلًا على نصٍّ، وقدَّمتْ رأيًا على أثرٍ؟!

أنكُونُ مع دعاة الاعتزال هؤلاء المعتزلة الذين أسسوا لنا قاعدة: العقل المجرد عن النص الشرعي؟! فلمْ يكن عقلهم صريحًا ولا نصهم صحيحًا، فعاش هؤلاء المعتزلة في عقولٍ ضحلةٍ، في عقولٍ لا تعي ما يُصْلِحُهَا فضلًا عما يُصْلِحُ هذه الأُمَّةَ المبارَكة.

هؤلاء المعتزلة هُم العقلانيون، وقد يقول قائلٌ: أيها الشيخُ، وعلامَ تَشْغَلُنَا بالمعتزلة؟! ليس عندنا في (دمياط) معتزلة، وليس عندكم في (كفر الشيخ) معتزلة، لا نسمعُ عن هذه الطائفة!

نقولُ: بل هي على قنواتِكم الفضائية، بل هي في خُطَبِكُم في المساجد، بل هي في أناسٍ يتصدرونَ الدعوةَ وقد يتسمَّوْن باسم الأزهريين.

إنهم العقلانيون الذين يتصدرون واجهةَ القنوات الفضائية، تسمعون على هؤلاء وهم يُنكِرون النصوصَ الشرعية، ويُنكِرون المسلَّمات الإسلامية التي وردَ بها كتابُ ربنا وسُنَّةُ نبينا -^-، قائلين: لابد أنْ نَعْرِضَ كلَّ أمرٍ من هذه الأمور على عقولنا؛ فما وافقَ العقولَ أخذناه، وما عارَضَ العقولَ طرحناه.

قفْ يا رجل!، هذا في صحيحِ البخاري.

صحيحُ البخاري أسطورةٌ قديمةٌ! صحيحُ البخاري كذبةٌ على الأُمَّة!، صحيحُ البخاري.. ومَن البخاري؟! رجلٌ من الرجال -هكذا يقولون-، رجلٌ من الرجال يُصيبُ ويُخطِئ، ولقد أودعَ البخاريُّ في صحيحه ما ينبغي ردُّه!

فخالَفوا أُمَّةَ الإسلام وعلماءَ الأنام؛ أئمةَ الهدى ومصابيحَ الدُّجَى، وصاروا يطعنونَ في البخاري، ويطعنون في كتب الحديث غير البخاري، فإنك إنْ طعنتَ في البخاري الذي هو أصح الكتب على الإطلاق، فما بعده أيسر، وذلك ليتسنى لهم الطعنُ في سُنَّةِ النبي -^-.

لا تتكلم عن حُكْمِ حجابٍ أو نقاب، ولا تتكلم حتى عن مُسَلَّمات في بيان الكافر مَن هو، فإنهم الآن يَخرُجون ليَرُدُّوا صريحَ القرآن في كُفْر طوائف مِن الأنام، مِن النصارى ومِن اليهود ومِن المشركين، فَيَردُّون كُفْرَ هؤلاء، وأنَّ الجميع يلقى الله -سبحانه وتعالى- ويحاسبه، لا فَرْقَ عندهم بين الإسلام وبين اليهودية وبين النصرانية.

فإنهم يَتْبَعُونَ دعوةً لا تَعْرِفُ دِينًا، وهُم يُحارِبونَ ما يُسمَّى بالدِّين؛ لأنهم يرون أنَّ تخلُّفَ الشعوبِ إنما كان بسببِ اقتصارِهم وبسببِ تمحورهم حول ما يُسمَّى كِتاب وحول ما يُسمَّى سُنَّة.

إنها دعوةٌ إلى الإباحية..

إنها دعوةٌ إلى التحرُّر..

ولهذا أقولُ -بملءِ فيَّ-: إنَّ ما تعيشه أُمَّةُ الإسلامِ الآن من ثوراتٍ، ومن مَلْءِ ميادين، ومن انقلابِ موازين، ومن دماءٍ تسيل، ومن رقابٍ تطير، ومن أعراضٍ تُنتهك، ومن أموالٍ تُسلَب، ليست ثورةً على الحُكَّامِ فقط، إنما الثورةُ الأعظم ثورةٌ على الدِّين.. (اِرْحَلْ).

لمْ تكن كلمةُ (اِرْحَلْ) مُوَجَّهةً إلى رئيسٍ أو نظامٍ، وإنما -في الحقيقة- استغلَّها أهلُ البدع والأهواء، بل ومَن في الميادين.

ولهذا نرى دعوتَهم:

حرية..

مساواة..

عدالة..

ليس فيها نريدُ شريعةً، ولو طالَبُوا بالشريعةِ لمَا قَبِلْنَا؛ لأنَّ المطالبةَ بالشريعةِ لابد أنْ تكُونَ عبرَ الشريعةِ، والشريعةُ لا تَعْرِفُ ثوراتٍ، ولا إضراباتٍ، ولا تَعْرِفُ مظاهراتٍ، ولا تَعْرِفُ خروجًا على السلاطين والحُكَّام.

ولكنْ نقولُ حتى تَعْلَمُوا أنَّ  الثورةَ -في الحقيقة- إنما هي ثورةٌ على الإسلام:

دعوا النساءَ يتبرجن!

دعوا النساءَ يختلطن!

دعوا الجنسين يتزوجان!؛ فيتزوجُ الرجلُ بالرجلِ والمرأةُ بالمرأةِ.

وقريبًا اطلعتُ على انتقادٍ تُوجِّهه بعضُ الصُّحُف للحكومة المصرية في قضائها، فإن القُضاةَ قد حَكَموا على بعض مَن يرى زواج الرَّجُل بالرَّجُل -وقد حَدَث هذا مِنهم- فحَكَموا عليهم بالسجن، فقامت هذه الصحيفة تنتقض القضاءَ المصريَّ؛ لماذا تَحْكمون على رجلٍ يُريد أن يتزوج رجلًا بالسجن؟! دعوا الناسَ في حُريتهم!، دعوا الرَّجُل يتزوج الرَّجُل!

حينما نُقَلِّبُ صفحاتِ القرآن وننتقل بين آيِه وهَدْيِه، نَجِدُ جريمةً تقفزُ وحَصَلَتْ في عهدِ نبيٍّ مِن الأنبياء؛ إنها جريمةُ اللواط.

جريمةُ اللواط.. في عهدِ لُوطٍ -عليه السلام-؛ أنْ يَعلو الرَّجُلُ الرَّجُلَ، دعاهم لوطٌ إلى التوحيد، وبعد التوحيد دعاهم إلى أن يتركوا هذه الجريمة التي عَبَّر عنها لوطٌ -عليه السلام- قائلًا: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80].

لمْ تكنْ جريمةُ أنْ يَعلو رجلٌ رجلًا في عهدِ نوح، ولا في عهدِ إدريس، ما سمعنا عن هذا في العالَمِين، في آبائنا الأوَّلِين، ألمْ تقرؤوا هذا في القرآن؟ ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80].

فكان الجوابُ في غايةِ الوقاحة والجرأة!، أنْ يكُونَ الرَّجُلُ يَنهى عن ذلك؛ وهو أنْ يعلو الرجلُ الرجلَ، هذه جُرأة، هذا لا مكانَ له بيننا، لهذا قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56].

ولنَدَعْ هذا العصرَ، فإنه لمْ يكن عصرَ عولمة، ولا مدنية، ولا حضارة، ولا فضائية، ولا غزو الفضاء، فإنَّ الناس رُبما كانوا مُتحجِّرين، أو كانوا مُنحرِفِين ضالِين، فإن الثقافة التي تتحكم في الشعوب والحضارة؛ التي تَصُوغُ الأمم لمْ تكن في عهدهم.

ولنتركْ هؤلاء ولنأتِ لهذا العصر؛ عصر العولمة، عصر الحضارة، عصر الفضاء، عصر الإنترنت، عصر هذه الشبكات العنكبوتية؛ عصرٌ تكتبُ حَرْفًا فيه وأنتَ في (طَبَل) التابعة لـ (دمياط) فيَصِلُ في أقصى المعمورة، يقرأه الصيني، يقرأه الأمريكي، يقرأه الإسرائيلي، بمجرد أنْ تَفْرُغَ مِن الحَرْفِ يُقرأ فورًا.

في هذا العصرِ لا نقول: رجلٌ يعلو رجلًا، ربما يكون في الخفاء، ويتستر بالظلام، ويتسوّر الأسوارَ، ويبتعد؛ لأنها جريمةٌ عظيمة، وإنما رجلٌ يُطالِبُ أنْ يَتزوَّجَ رجلًا.

يريد عقدًا يُحرِّره المأذونُ الشرعي، ولكنْ ما أدري أيكُونُ للرجلِ وليٌّ أمْ لا؟! ما أدري! وكيف تكُونُ الصورة؟! صورةً للرجلِ، وصورةً لرجلٍ آخر، ونأتي بشاهِدَيْن، وليقل المأذون.. على مذهبِ مَن هذا؟! على مذهبِ أبي حنيفة النعمان؟! أَمْ على مذهبِ مَن هذا؟! أَمْ أنه على مذهبِ إبليس؟! الشيطانِ وأعوانِه الذين يريدون أنْ تُباحَ أُمَّةُ الإسلام.

إنَّ أعداءَ الإسلامِ يَعْلَمُونَ جيدًا أنَّ قَتْلَ الإسلامِ بين أبنائه وأنَّ تنحيةَ الإسلامِ عن أُمَّةِ الإسلام هو لُبُّ المراد ونهايةُ المطاف.. نحن لا نريدُ صاروخًا يتوجَّهُ إلى المسلمين، ولا طائرةً تدكُّ الحصونَ، ولا صاروخًا ينزلُ على أطفالٍ، أبدًا نريدُ الأطفالَ كما هُم، نريدُ النساءَ كما هن، نريد الرجالَ كما هُم، لكنْ بلا إسلامٍ.

فيتزوَّجُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، يا لها من جريمة! فلإن قال لوطٌ -عليه السلام، فيما مضى-: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، فماذا نحن قائلون -الساعة- في عصرِ المدنية والعولمة؟! أقصدُ في عصرِ الإباحية والتحرُّر الذي لا يُدعَى الناسُ فيه فقط إلى أنْ يتزوجَ الرجلُ الرجلَ والمرأةُ المرأةَ، بل إلى أنْ يكُونَ الناسُ جميعًا طبقةً واحدةً ودرجةً واحدةً، لا فَرْقَ بين المسلمين وبين اليهود وبين النصارى، فلتعبدْ ما تشاء، قال ربنا -هكذا يقولون-: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ لله رب العالمين، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبينا محمدٍ -^-، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الحديثُ مُبسَّط وليس ثقيلًا وإنْ قلنا لكم: معتزلة، وقلنا لكم: صوفية، وقلنا لكم: روافض، وقلنا لكم: خوارج.

فإن الحديثَ طرحَ نفسَه، وإن الفضائيات ما تركتْ شيئًا، فلقد عرَضتِ المُسلَّماتِ، واجتالتِ الناسَ عن سُنَّة النبي -^- وعن كتاب ربِّها، لذا وجبَ التنبيهُ؛ حتى يَعْلَمَ كلُّ مسلمٍ في موقعه تلك الحربَ الضروس، وهذه الحياة المؤلمة التي نعيشها.

فو اللهِ -يا إخواني-، ليستِ القضيةُ عندنا قضيةَ اقتصادٍ أو قضيةَ معيشةٍ أو تمحورًا حَوْلَ محدودي الدَّخْلِ كيف ننهضُ بهم.. كُلْ ما شئتَ، ودَعْ ما شئتَ، فلتَجُعْ يومًا، ولتَشْبَعْ يومًا، فلتَمُتْ من الجوعِ فإنَّ العبدَ إذا ماتَ من الجوعِ فإنه لن يَدْخُلَ النارَ.

وإنَّ النبيَّ -^- ومعه الصحابة قد عانوا الجوعَ يومًا، ولمْ تكن هذه القضية التي كان الصحابةُ يُطالِبون النبيَّ بالكفاية فيها، بل إنه -^- هو نَفْسُه إمامُ المسلمين ونبيُّهم ورسولُهم- يَدْخُلُ بيته، فيسأل نساءَه -لا يسألُ امرأةً واحدةً-: «هَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟»، فتقولُ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي سوى الماء. «أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟»، والذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي سوى الماء.. لطالما تكرَّر السؤالُ.

بل يسألُ تابعيٌّ عائشةَ -رضي الله عنها- والحديثُ في الصحيح-: ما كان طعامُ رسولِ الله؟

ما كان طعامه؟ حياته؟ معيشته؟ ما كان طعامُ رسولِ الله؟

فقالتْ: (يا ابنَ أختي، واللهِ لقد كان يمرُّ علينا الهلالُ والهلالُ والهلالُ ثلاثةُ أِهلَّةٍ في شهرين ولا يُوقد في بيت النبي ^ نارٌ قط!)، قالَ: فما كان طعامُكم إذن؟، قالتِ: (الأسودان: تمرٌ، وماءٌ).

لقد كان أصحابُ النبي -^- يعانون الجوعَ؛ فهذا أبو هريرة راويةُ الإسلام، أكثرُ راوٍ عن النبيِّ -^- جُمِعَ مُسْنَدُه، فبلَغَ الآلافَ من الأحاديث، ومع ذلك يُخْبِرُ عن نفسِه: (لقد كنتُ أَخِرُّ مَغْشِيًّا عند منبرِ رسول الله -^- فيجيء الجائي يظن بي الجنون وما بي إلا الجوع!).

ولهذا جاءَ عند البخاري أن أبا هريرة قال: (إنَّ ناسًا يقولون: أكثرَ أبو هريرة، ولولا آيتانِ في كتابِ الله ما حدَّثتُ حديثًا -وذكرَ الآيتين-)، ثم قالَ: (وإنَّ إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم كذا، وإنَّ إخواننا من الأنصار كان يشغلهم كذا، وإنَّ أبا هريرة كان يَلْزَمُ رسولَ الله -^- بِشِبَعِ بَطْنِه، يَحْضُرُ ما لا يحضرون، ويَسْمَعُ ما لا يَسمعون).

لمْ تكن قضيةُ البطون شاغلةً حيزًا عند أصحابِ رسول الله، بل كان النبيُّ لا يخشَى على أُمَّتِه الفقرَ، إنما ترون النبيَّ يخشَى على أُمَّته ماذا؟، لا يخشى النبيُّ على أُمَّته الفقرَ، وإنما يخشى النبيُّ على أُمَّته الغِنَى.

فلقد جاء عند البخاري أنه لما جاء إلى النبيِّ -^- مالٌ من البحرين، واجتمعَ أصحابُ رسول الله -^-، وصلَّى النبيُّ فنظرَ فإذا المسجدُ قد امتلأَ؛ لأنَّ الناسَ كانوا يُصلُّون على عهدِ رسولِ الله مع الرسولِ، وهناك مساجدٌ في عوالي المدينة -مساجد الفروض- فيُصلُّون هناك، أمَّا الجمعة فكانوا يجتمعون مع النبيِّ، لكنَّ النبيَّ لمَّا سلَّمَ وجدَ المسجدَ قد امتلأَ، والناس قد اجتمعوا، فنظرَ النبيُّ -^- وتبسَّمَ، وقالَ: «لَعَلَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِمَقْدِمِ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ؟»، قَالُوا: نَعَم يا رسولَ الله -وكان أبو عبيدة قد أتى بمالٍ-، فقالَ النبيُّ -^-: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا؛ أَنْ تُبْسَطَ لَكُمْ كَمَا بُسِطَتْ لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ».

يخشى علينا النبيُّ الغِنَى، ولهذا جاء عند البخاري -أيضًا- أنَّ عبدَالرحمنِ بنِ عَوْف -رضي الله عنه- هذا بعد مَوْتِ رسولِ الله ^-، وكان صائمًا يومًا، فلمَّا قُدِّمَ إليه إفطارُه -وهو صائمٌ-، ووُضعتِ المائدةُ بين يديه، إذا به -رضي الله عنه- يبكي ولا يأكلُ، فقالوا له: ما يُبْكِيكَ؟!

بكَى حتى رُفِعَ الطعامُ من بين يديه، لا يأكلُ عبدُ الرحمن، لماذا؟! لأنَّ الأكلَ الذي يأكله ليس على المستوى؟! ليس على مستوى عبدِالرحمن بن عَوْف، ليس على مستواه، لا واللهِ ولكنه تذكَّرَ مُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ -رضي الله عنه-.

قالَ: (تذكَّرتُ مصعبَ بن عمير يومَ أُحد حينما قُتل مع رسول الله -^- وليس له ثيابٌ يَسْتُرُ بَدَنَهُ كلَّه إلا ثوبًا إنْ غطَّى النبيُّ رأسَه بدتْ رِجْلاه، أو غطَّى رِجْليه بانَ رأسُه، فغطَّى النبيُّ رأسَه ثُم دعا بِخَشَاشٍ فجعله على رِجْليه)، قال: (فأخشَى أنْ تكُون طَيِّبَاتُنا قد عُجِّلَتْ لنا).

دعونا من هذه الكَذِبَةِ! وهي كَذِبَةُ البطونِ ومراعاة محدودي الدَّخْلِ، راعوا دِينَ اللهِ أولًا، راعوا شريعةَ اللهِ أولًا..

أيتها الجماعات الإسلامية، لا تخدعوا أُمَّةَ الإسلامِ، ولا تَجْمَعُوها في كلِّ ميدان، داعِينَ الأُمَّةَ كلَّها إلى مراعاةِ بطون أو دُخُول دُونَ تعليمِ الأُمَّةِ دِينَ اللهِ -عز وجل-، والأخذِ بالأُمَّةِ إلى هَدْيِه -^-.

أترون أيها الأحبةُ، رأيتم كيف لمْ تكن مشكلةُ الفقرِ هي المشكلةُ التي تتحكَّمُ في المسلمين؟

ما خُلقنا لنأكلَ ونشرب..

ما خُلقنا لنتزوَّجَ وننكِح..

ما خُلقنا [كلمة غير مفهومة]، إنما خَلَقَنَا اللهُ -عز وجل- لغايةٍ سامية، وهدفٍ نبيل، قاله ربُّنا في كتابه؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 85].

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 73].

أَمْ نكُونُ مع جماعاتِ التكفير؟! أَمْ نكُونُ مع جماعاتِ التكفير جماعاتِ الخوارج؟! الذين وضعوا السيفَ في الأُمَّة، أراقوا دماءَ أبنائها، قتلوا شبابَها، رجالَها، ونساءَها، تحت ما يُسمى بالخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية، أو الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله.

إنَّ الخوارجَ ظهروا في عهدِ مَن؟ أَمَّا مُؤَسِّسُهم فظهرَ في عهدِ رسول الله -^-.

إنَّ قضيةَ الخوارجِ قضيةٌ تتمحور حَوْلَ حاكِمٍ قبل أن تتمحور حَوْلَ ظُلْمٍ وعَدْلٍ يَصْدُرُ من وليِّ أمرٍ، وقد قامَ رئيسهم ذو الخويصرة على عهدِ رسول الله -^-، فلمَّا قسَّمَ النبيُّ قسمةً ذات يومٍ إذا بهذا الرَّجُلِ يقول لرسولِ الله.. إلى رسولِ الله، لمْ يكن إلى حاكمٍ أتى عبر انتخابات، ولا حاكمٍ تسمعُ له برلمانات، وإنما إلى رسولِ الله -^-، قائلًا: اعدل، فليستْ هذه قسمة يُراد بها وجهُ الله.

تُعَلِّم النبيَّ ما يُراد بوجهِ الله، وما لا يُراد بوجهِ الله؟! تُعَلِّم نبيَّ الإسلامِ؟!

فقالَ النبيُّ: «وَيْحَكَ! مَنْ أَحَقُّ أَهْلِ الأَرْضِ بِالعَدْلِ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟!».

مَن أحقُّ أهلِ الأرضِ أنْ يَعْدِلَ إذا لمْ يَعْدِلْ رسولُ الله؟! لكنه النَّفَسُ العالي، لكنه نَفَسُ الانتقادِ.. وَلَّيْتَ رسولَ الله، سوف تَخْرُجُ اللوحات وتُوضَعُ اللافتاتُ: اعدلْ، اعدلْ.. وضعتَ أبا بكرٍ وعُمَر، سوف يُقال لهما: اعدلا.

وإلا فحدِّثونا كيف قُتل عُمَر في محرابه؟! حدِّثونا كيف قُتل عثمان في بيته؟! حدِّثونا كيف قُتل عليٌّ في خروجه إلى صلاته؟!

هل تحلمُ أُمَّةُ الإسلام أن يتولّاها -يومًا من الأيام- رجلٌ من الرجال على مستوى ذاك الإمام الذي عليه صحابةُ رسول الله خير الأنام؟!

هل تحلم أنْ يتولى أمرَكَ عُمَر الفاروق؟! هل تحلم أنْ يتولى أمرَكَ ويكون الرئيسُ لكَ هو عثمان؟! هو عليٌّ؟!

أربعةُ خلفاء هُم الخلفاء الراشدون، إذا سألنا الصغيرَ قبل الكبير: مَن الخلفاء الراشدون؟ قال: أبو بكر، وعُمَر، وعثمان، وعليّ -رضي الله عنهم أجمعين-.

خُذِ المفاجَأَةَ لتَعْرِفَ فِكْرَ الخوارج، خُذِ المفاجَأَةَ لتَعْرِفَ أنهم لمْ يقاتِلوا نظامًا معينًا ولا رجلًا مُخصَّصًا، إنما يُقاتِلون كلَّ حاكِمٍ، ويخرجون على كلِّ دولة، مهما أتيتَ لهم من  حُكَّامٍ وولَّيْتَ عليهم من ولاةٍ.

الأربعةُ الخلفاء الراشدون الذين قال فيهم النبيُّ -كما في حديثِ عِرْبَاض-: «وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ».

الأربعةُ الخلفاء ماتَ ثلاثةٌ منهم قتلًا، قُتل ثلاثةٌ من مجموع أربعة، وأما رابعهم وهو أبو بكر فلقد انتُقد عليه كثيرًا وكثيرًا لكنْ لقصرِ فترته -فترته في حكومته- لربما نجّاه اللهُ من ذلك.

ثلاثةٌ من مجموعِ أربعة، لا أقولُ: واحدٌ من مجموع أربعة، ثلاثةٌ من مجموع أربعة قتلهم مَن؟ قتلهم الخوارجُ؛ هذا المجوسيّ، وأمَّا عثمانُ وعليٌّ فقتلهما الخوارجُ الذين «تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتِكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ».

الذين قتلوا عثمان ليسوا يهودًا ولا نصارى، والذين قتلوا عليًّا ليسوا يهودًا ولا نصارى، إنما قومٌ يقرءونَ القرآنَ، ويُصلُّون الصلواتِ، ويشتكون من الظلم والمظالم، فلمْ يُوقِفُهُم فضلٌ لعثمان ولمْ يردعهم مكانٌ لعليٍّ -رضي الله عنه-.

ما قالوا: نقتلُ رجلًا قالَ النبيُّ -^- في حقه: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ». ما أوقفهم ذلك.

ما أوقفهم قولُ النبي: «عُثْمَانُ فِي الجَنَّةِ».

ما أوقفهم قولُ النبيِّ لعليٍّ: «أَلَا تَرْضَى يَا عَلِيٌّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟». ما أوقفهم ذلك.

ما أوقفهم كونُ عليٍّ صهرُ رسول الله.

ما أوقفهم قولُ النبيِّ لعليٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ»، ما أوقفهم هذا.

تقتلُ رجلًا في هذا الفضل؟!

ومَن الذي قتله؟!

الجماعاتُ الإسلامية.

مَن الذي قتله؟!

الخوارجُ.

مَن الذي قتله؟!

أصحابُ الميادين.

مَن الذي قتله؟!

أصحابُ اللافتاتِ.

مَن الذي قتله؟!

أصحابُ الشعارات؛ الإسلامُ هو الحل -كما يقولون-.

صحيحٌ، الإسلامُ هو الحل، لكنْ إسلامُ مَن؟ إسلامُ الخوارجِ؟! إسلامُ مَن؟ إسلامُ التكفيريين؟! إسلامُ مَن؟ إسلامُ مَن؟

هذا الإسلامُ الذي لا يَعْرِفُ عصمةً لدمٍ، ولا يَعْرِفُ حرمةً لمسلمٍ، لا يَعْرِفُ هذا كلَّه.

أَبَعْدَ هذا نقول: كيف يُقتل جنودُنا في بحرٍ قريبٍ منكم؟! كيف يُعتدَى على هؤلاء؟! كيف وهُم مسلمون؟! كيف ونحن في بيوتنا آمنون مطمئنون، وهُم على الحدودِ يُرابِطونَ وعلى ثُغور الإسلام يَصدُّونَ؟! فيكُونُ جزاؤُهم القتلُ؟!

هؤلاء الذين على بُحورِنا، وهؤلاء الذين على حُدودِنا، ولستُ بذلك أُجامِلُ أحدًا؛ فالوقوفُ مع جيشنا ومع دولتنا ومع حاكمنا مطلوبٌ شرعيٌّ ومنهجٌ سلفيٌّ.

فإنني أتكلم من مَعِين الكتاب والسُّنة، فنحن مع الحاكِم، مع الدولة، مع الشرطي، مع صاحب الجيش، مع كلِّ موظفٍ في موقعه إلا أنْ نرى كُفرًا بواحًا عندنا فيه من اللهِ برهان.

وأقولُ -وأُحَذِّرُ-: احذروا دعواتٍ تُقال على القنوات، أو دعواتٍ يُشار إليها بالإشارات، دعوكم من (رابعة) وخامسة!، دعوكم من (نهضة) و(تحرير)، دعوكم من كلِّ هذا.

فو اللهِ ما أرادوا الإسلامَ ولا أرادوا تطبيقَ شريعةِ النبيِّ -^-، إنما أرادوها دماءً تسيلُ، أرادوها فتنةً وفسادًا، أرادوها عِوَجًا واعْوِجَاجًا.

ولو أرادوا الإسلامَ لتعلَّموا أحكامَه، ولَعَلِمُوا حرمةَ المسلمين، بل وغير المسلمين؛ فلا يُقتل نصرانيٌّ في بلدنا، ولا يهوديٌّ في بلدنا، ليس هذا بقرارٍ جمهوري، وليس هذا بدستورٍ وضعي، وليس هذا بلجنة السيادة، إنما بكلامِ نبينا: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا -غير مُسْلِم- لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ».

نحن لا ندافعُ عن جنودٍ ربما فرغوا من صلاتِهم، نحن لا ندافعُ عن جنودٍ هُم اليوم إخوانُنا جيرانُنا مسلمون، نحن لا ندافعُ عن هؤلاء فقط، بل نقول: إنَّ الدَّمَ الذي يُراق في بلدان المسلمين ولو كان ليهودٍ أو نصارى فإنَّ دماءَهم معصومةٌ بالذِّمَّةِ، معصومةٌ بالعهد، معصومةٌ بالأمان، فلا يَجُوزُ أنْ يُعتدَى عليهم في بلاد المسلمين، فكيف بالمسلمين؟!

أنكُونُ مع هذه الجماعات؟! أتغرُّنا تلك الإشارات -(رابعة)-؟! حتى صارتْ هذه الإشارة كأنها وحيٌّ من اللهِ، أو نصٌّ من كتاب الله أو من سُنَّةِ رسول الله -^-.

فتقُومُ جماعاتٌ من: رجالٍ ونساء، وصغارٍ وكبار، يؤدون خدمةً للإسلامِ -زعموا-، ولينصروا الإسلامَ -ظنوا-،  ويقفون فقط هكذا، هكذا الإشارة، ما هذه الإشارة؟! ما دليلُها؟! أيُّ إشارةٍ هذه؟! (رابعة) وردتْ في القرآنِ؟! وردتْ في السُّنَّةِ؟! وردتْ في ماذا؟! (رابعة)! (نهضة)! (تحرير)!

دَعُونا من تلك الميادين، تعالوا نبني أُمَّتنا على كتاب ربنا وعلى سنة رسولنا -^-، تعالوا نتكاتف، نتآلف، نتواحَد.

وأنتم يا مَن أُخاطبكم قد يكُونُ أكثركم من العوام أو بعضكم من طَلبة العِلم لكنني أُخاطِبُ أقوامًا؛ على المنابر، ووقفوا في محاريب، كتبوا بأقلامٍ، وتصدّروا شاشات.. أنْ يتقوا اللهَ في المسلمين.

كفانا انحرافًا، إننا لا ندافعُ بهذه الدعوةِ عن دولةٍ وفقط، وعن أمنٍ وفقط، إنما ندافعُ عن منهجٍ رباني شوَّهَته تلك الصور، وجعلتِ الإسلامَ إسلامًا دمويًا.

وإننا لنبرأُ من هؤلاء على منبرنا في كلِّ خطبةٍ وفي كل توجيه، ونقول: لسنا منهم وليسوا منا، لسنا من هؤلاء الذين يتزيون بزيِّ السلفية وهُم يَدْعُون تلك الدعوات، ولا بزيِّ الإخوان وهُم يَدْعُون تلك الدعوات، ولا بزيِّ التكفيريين.

لسنا مع حزبٍ من هذه الأحزاب، إنما نحن مع إسلامِنا الذي ربّانا عليه النبيُّ -^- وصارَ أصلًا من أصول الجماعة عندنا، فمِن أصول الجماعة.. وأتحدَّى (دولةَ داعش) أو (تنظيم القاعدة) أو (بيت المقدس) أو (الجبهة) غير السلفية التي تدعو أُمَّةَ الإسلام الآن للتظاهر يومَ الثامن والعشرين من شهر نوفمبر، وسوف يَخرُجون مُسلَّحِين -زعموا-، سوف يَخرُجون رافعِين المصاحف..

نقولُ: أنتم الخوارج وإنْ رفعتم المصاحف؛ فإنَّ الخوارجَ ما رفعوا رايةَ البِغَاء، ولا رفعوا رايةَ الرِّبا، ولا رفعوا راية الزِّنا، إنما رفعَ الخوارجُ رايةَ القرآن -أيضًا- وقالوا: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ﴾، لكنهم وَظَّفُوها في قتلِ صحابةِ رسول الله!

لن نغترَّ برفعِ المصاحف، لن نغترَّ بذلك، اعملْ بما في المصاحفِ، اعملْ بما في القرآنِ.

يا (جبهة)، يا مَن سميتم أنفسكم (الجبهة السلفية)، أنتم غيرُ سلفيين، ونقول لكم: إنْ كنتم سلفيين بحق فافتحوا كتب السلف، وافتحوا كتب الأصول..

أنا الذي أُخاطِبكم، ليس الحكومة تقول، ولا مجلس يُقرِّر، أنا الذي أقول لكم: إنْ كنتم سلفيين بحق فافتحوا أيَّ كتابٍ سلفي ستجدون أصلًا من الأصول: ولا نخرج على أئمتنا وولاةِ أمورنا وإنْ جاروا وإنْ ظلموا، بل ننصح ونصبر كما قال نبينا -^- في حديثِ عَوْفٍ بنِ مالِكٍ: «أَلَا إِنَّهُ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».

وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -^- قال: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ -يعني استئثار من الولاةِ بأمورٍ، حُكَّامٌ سيتولَّوْنَ عليكم يأخذون أشياءً ويتركونكم- وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قال الصحابةُ: فما تأمرنا يا رسولَ الله، إنْ أدركنا ذلك؟

بِمَ تأمرنا يا رسول الله؟ نكُونُ مع حُكَّامٍ يأخذون الأموالَ دوننا، ويأخذون الأراضي دوننا، ويأخذون الامتيازات دوننا، ماذا نصنع يا رسول الله؟

سؤالٌ نُوَجِّهُه لإخوانيٍّ، ونُوَجِّهُه للجبهة، ونُوَجِّهُه للتنظيمات، ونُوَجِّهُه للأحزاب والجماعات، نُوَجِّهُه إليهم أنْ يجيبوا بجوابِ رسولِ الله.

باختصارٍ: ماذا لو تولَّى علينا ولاةٌ ظلمة؟! ألا تَرْضَوْنَ بجوابِ رسول الله؟! ألا تَرْضَوْنَ؟! قَبْلَ أنْ أقولَ الجوابَ الآن، أَتَرْضَوْنَ به؟! أتنشرِحُ صدورُكم له؟!

ليس جوابًا يَصْدُرُ من جماعةٍ، ليس جوابًا يَصْدُرُ من حزبٍ، قال -^- والحديثُ في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعودٍ-: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتُسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».

«تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ»: مِن السمعِ والطاعة في المعروف.

«وَتُسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ»: فإنْ سألتم اللهَ الذي لكُم ولَّى عليكم خيارَكُم، إنْ سألتم اللهَ الذي لكم أغدقَ عليكم نِعَمَهُ ظاهرةً وباطنة ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

وبهذا ننزِعُ أنفسَنا من هؤلاء؛ فلسنا مع مَن اعتدى على جنودِنا بحرًا، ولا مَن اعتدى عليهم حدودًا، ولا مَن اعتدى عليهم جوًّا، ولا مَن اعتدى عليهم برًّا، لسنا مع هؤلاء.

بل نُعْلِنُهَا:

نحن مع دولتنا؛ طاعةً لربنا؛ طاعةً لشريعتنا.

نحن مع دولتنا؛ امتثالًا لسُنَّةِ نبينا.

نحن مع دولتنا؛ تحقيقًا للمنهج السلفِي الصحيح الذي كان عليه النبيُّ والصحابة، ليس المنهج الذي يُتاجِرُ به أُناسٌ، أو يَرُدُّ عليه مُغْرِضُونَ حاقدون على الإسلام وعلى المنهج السلفي.

وإنما نقولها ونعتزُّ بها، وفي أيِّ مكانٍ نعلنها: نحن سلفيون، سلفيون على ما كان عليه النبيُّ والصحابة، وأنتم سلفيون ما لمْ يكن الواحد مُبتدِعًا ببدعةِ تَصَوُّفٍ، أو رَفْضٍ، أو تجهُّمٍ، أو اعتزالٍ، أو أشعرةٍ، أو جبرية، أو قدرية، أو صوفية، أو إخوانية، أو تبليغيةٍ، أو تكفيريةٍ، أو جهاديةٍ، أو تنظيمِ قاعدةٍ، أو دَاعِش، أو غير ذلك من هذه التنظيماتِ، فإنه سلفيٌّ.

(كلمة غير مفهومة) سلفيون على ما كان عليه النبيُّ والصحابة، فإنْ أخطأ الواحدُ رددناه، وإنْ اعوَجَّ الواحدُ قوَّمناه؛ لنكُونَ جميعًا أُمَّةً واحدةً، أُمَّةً على ما كان عليه النبيُّ والصحابة.

إنَّ هذه الأُمَّة تحتاجُ إلى جُهْدٍ جهيدٍ وإلى تكاتفٍ رهيبٍ من الدعاةِ إلى اللهِ على بصيرةٍ، نحن نحتاجُ.. نحن لا نُواجِهُ عدوًّا خارجيًّا، إنما هو عدوٌّ من بين أظهرِنا..

أكنتَ تتخيل أنْ أخطبَ الخطبةَ -هذه اليومَ- وبيني وبين أناسٍ مسلمين كيلومترات، نشهدُ معركةً بحريةً؟!

سبحان الله! معركة بحرية!

لمَن؟! ليهود؟!

لا.

لنصارى؟!

لا، لمصريين!

كلُّ يومٍ نعيشُ جُرْحًا، كلُّ يومٍ نعيشُ دمًا، كلُّ يومٍ نعيشُ آلامًا، متى نضع هذا؟! متى نستريح؟!

لهذا ونتكاتفُ لِنَعْلَمَ أنَّ أَمْنَ مجتمعِنا في شريعةِ ربنا، وأنَّ سعادتَنا في الاستقامةِ على كتابِ ربنا وعلى سُنَّةِ نبينا -^- ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].

أسألُ اللهَ -بمنه وكرمه- أنْ يرزقَ بلادَنا الأمنَ والأمانَ.

اللهم ارزق مِصْرَنا وسائرَ بلادِ المسلمين الأمنَ والأمانَ يا رب العالمين.

اللهم ارزقنا العملَ بكتابِكَ، وسُنَّة نبيكَ محمدٍ -^-.

اللهم رُدْ هذه الأُمَّةَ إلى دِينكَ ردًّا جميلًا يا ربَ العالمين.

اللهم وفِّقِ الدعاةَ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى على بصيرةٍ- في كلِّ مكانٍ يا رب العالمين.

اللهم أَرِحْ هذه الأُمَّة من شرِّ الطوائف المنحرِفة والمناهج المعوَجَّة والجماعات غير المستقيمة.

اللهم طهِّرْ هذه الأُمَّة من كلِّ بدعةٍ يا رب العالمين، ومن كلِّ مُبتدِعٍ.

اللهم إنَّا نسألك في هذا الوقت المبارَك وفي هذه الجمعة المبارَكة، نسألك يا أرحمَ الراحمين، و يا أكرمَ الأكرمين، و يا أجودَ الأجودِين، أنْ تحفظَ علينا دماءَنا، وأنْ تحفظَ علينا أعراضَنا، وأنْ تحفظَ علينا أموالَنا.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.




 

وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

27 محرم 1436 هـ، الموافق 20/11/2014 م


 




]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t279
[صوتية مفرغة] [حادث العريش، والتحذير من الخوارج على الدولة والجيش] لفضيلة الشيخ هشام بن فؤاد البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t266 Sun, 26 Oct 2014 22:34:51 +0200
بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن اتبع هداه... وبعدُ:



http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



ففيه يتحدّثُ الشيخ الهمام البيلي هشام عن خوارجِ العصر.. تُرَى مَن هُم؟!




للاستماع إلى المقطع الصوتي، أو التحميل:

اضغط هنــــــا



[التفريغ]

http://www.el-ghorba.com/forums/index.php?page=rss&section=1&id=18



لتحميل التفريغ مُنسَّقًا، بثلاث صيغٍ:

اضغط هنــــــا



لقراءةِ التفريغ:

قال الشيخُ هشام البيلي -حفظه الله-:

الإنسانُ حينما يكونُ هادئًا مُتَّبِعًا للسُّنة -والحمدُ لله- وحريصًا عليها، يَقِيهِ شرًّا كثيرًا جدًا؛ لأنَّ هؤلاء الحُكّام إذا اطمئنوا إلى الإنسان وعَرفوا مَنهجه فإنهم لا يطاردونه.

يعني شوف شباب الجامعات الآن -للأسف- الذي يُفجِّر -هداهم الله-، ويضعون القنابلَ، ويضعون كذا, شوف كم ضَيَّقوا على الطلاب.

يعني الآن سار فيه تفتيش، وتفتيش قوي جدًا وكذا, فصار الطلابُ الذين هم لا علاقة لهم بهذا مُشَدَّدًا عليهم، لكنْ ماذا تصنع السلطات؟! لابد من فعل هذا.

لأن هؤلاء الشباب يُضحَك عليهم، وهم الذين يحملون القنابل، والآن القنابل في أي مكان.

ولهذا الذي يقع مع هؤلاء يُؤخَذ حتى ولو كان -مثلًا- ليس معهم في الأوَّل, إلى أن يتبيَّن لهم هذا، لكنْ إنْ تبيَّن لهم أَخْرَجُوه.

بعضُ إخوانكم، من عدة أيام كُنَّا في درس، طالب من الطلاب في الجامعة, فيقول: أَخذونا؛ يعني طلابًا كانوا يجرون وكذا، فقَدَرًا كنتُ موجودًا..

فالمهم أخذوا الجميع. قال: فذهبتُ إلى هناك وكذا، في الشرطة وكذا, فقلتُ: أنا ضد هؤلاء الناس, أنا لستُ معهم.

قالوا: وماذا يُثْبِتُ أنكَ لستَ معهم؟

فالأخُ هذا له صفحة على (الفيس بوك), ففتحَ لهم صفحته, (لمصلحةِ مَن يُكسَر جيشُنا)، أتى بكل.. طبعًا كل مقاطعنا عنده -أصلًا-.

قالوا: لا, أنتَ ممكن تَكُون هذه الأيام هكذا.. أنتَ قَبْل ذلك كنتُ كذا.

قال: لا, فأتى إليهم بالصفحة من أوَّلِها، كلُّها المقاطع..

قالوا: ما الذي أَتى بكَ هنا؟! اخرُجْ, اخرُجْ.

فأَخرَجوه مباشرةً, لمَّا اطمئنوا أنه على المنهج, وأنه -فعلًا- ضد هؤلاء الناس، فهم يريدون الاطمئنان, وإلا ماذا يصنعون؟!

البناتُ الآن يُفجِّرن!, ويفعلن المظاهرات هنا وهناك تحت مسمى الجهاد في سبيل الله!, وأَقْلَقُوا المجتمعَ.

لهذا إذا وقَع شيءٌ بغير قصدٍ في هذا، فَهُم معذورون في مثل هذا؛ لأن القنابل.. التي تُوضع في شجرة, والتي تُوضع تحت جدار, والتي تُوضع  في مجامع الناس, والتي تُوضع في كذا، ماذا يصنعون؟! أرواح الناس وحياة الناس مسؤولية مَن؟!

مِثْل الذين  يعيشون هناك في سيناء الآن, يقولون: نستطيع أن ندكَّ هؤلاء في أقل من يوم, لكنْ ماذا نصنع؟ الأبرياء! ماذا نصنع؟!

فلا يتسنَّى هذا إلا إذا دَكُّوا كُلَّ الناس, وهم يريدون قدرَ الإمكان المحافظة على أرواح البريئِين.

لكن هؤلاء لا يُراعون حُرُماتٍ, معروف يا إخواني.

نحن لا نتكلم هذا الكلام من أجل الدولة أو غير الدولة، نحن نتكلم بالموجود في الكُتب؛ هؤلاء يستبيحون الدماء, هؤلاء يُكفِّرون المجتمع بأسره حُكّامًا ومحكومين -بعضُهم-.

فيَبيتون ولا يُراعون حُرمةً للدماء؛ لأن هؤلاء آباؤهم الذين قَتلوا الصحابة، مِن أمثال: عثمان، وعليٍّ.

يعني لو كان الواحد يُراعِي دمًا على وجه الأرض لراعَى دمَ عثمان, هُم ما راعُوا دمَ عثمان, أمْ أنّ الذي قتلَ عثمان هُم اليهود والنصارى؟!

ما قتلَ عثمانَ اليهودُ والنصارى، إنما قتلَ عثمانَ مَن يدَّعي الإسلامَ, ويدَّعي كذا.

ولهذا قالَ الرئيسُ في خطابٍ له في رمضان، قال هكذا، قالَ -وهو يُكرِّم حفظةَ القرآنِ-: نحن نُريد مَن يَفهم القرآن, نريد مَن يعمل بالقرآن، فهناك مَن يَقرأون القرآنَ، ويَقتلون!

لماذا؟ لأنهم لا يفهمون ما في القرآن.

وصدَقَ في هذا فعلًا، صدقَ في هذا، نحن نحتاج إلى مَن يقرأ ويَفهم الفهمَ السلفي لكِتاب الله وسُنة رسول الله -^-، وإلا الخوارج أعظمُ الناسِ قراءةً، [هنا سَقْطٌ، ولعله: كما أَخبرَ] -^-.

فهؤلاء الذين في (سَيْنَاء), في (رَفَح), هنا, في أي مكان، عند (جامعة القاهرة), عند (جامعة عين شمس), عند (جامعة المنصورة), عند هؤلاء, هؤلاء الشباب المُغرَّر بهم, غُرِّرَ بهم وظنوا أن هذا هو الجهاد! وظنوا أن الواحِدَ إذا قُتل دخلَ الجنة مباشرةً!

وينسى هؤلاء الشباب أن الذين يأمرونهم بهذا لا يفعلون, لا يفعلون مثل هذا؛ من لِبْسِ الأحزمة الناسفة، أو التعرُّض للمخاطر، أو غير ذلك.

إنما يُغرون بهؤلاء الشباب تحت مسمى الجهاد, وتحت مسمى الجنة، وتحت مسمى كذا وكذا: يا أحفادَ خالد! يا أحفادَ عمرو بن العاص!

وهُم أحفادُ زي الخويصرة!, ليسوا أحفاد عمرو بن العاص, وليسوا أحفاد عبدالله بن عمر, وليسوا أحفاد كذا.

فلهذا سارت الآن بُؤَر الجامعات من أعظم البُؤَر الآن, يعني يسيطروا على الميادين، لكنْ الجامعات ماذا يصنعون فيها؟! يَمنعون التعليم طيب!

ولهذا يا إخواني, وَجَب النُّصح في مثل هذا للناس, هذا عنده ولد في الجامعة, وهذا عنده بنت في الجامعة, ابنتك هذه تخرج إلى الجامعة, وتدخل في المظاهرات وتفعل وتفعل، كيف تسمح لابنتكَ أو لولدِك أن يفعل هذا؟!

لكن للأسف الشديد هذا التغرير والغسيل الدماغي أدَّى إلى هذا.

بعض الأمهات؛ قالت أُمٌّ -فيما بلغني-: يا ولدي, لو ما جئتَ أنا أحتسبك عند الله!! -أيام (رَابِعَة)-، أنا أحتسبكَ عند الله!!

وكانوا -يا إخواني- يُسَوِّون غسيلَ دماغ، ولعلكم شاهدتم هذا, كان الواحد إذا قُتل، اتصلوا على زوجته, واتصلوا على أبيه وأُمِّه، وجاءت.. يعني أنا رأيتُ منظرًا يومًا؛ امرأةٌ فقدتْ عائلها، ومع ذلك جاءت وأحضرتْ عيالها, وتقول: أنا -إن شاء الله- سأربِّي عيالي كلهم مثل أبيهم.

لماذا؟!

أَبْشِرْ ابنكَ في الجنة!! أَبْشِرْ..

صلاح.. ما اسمه؟ صلاح الصَّاوِي هذا، صلاح الصَّاوِي الذي كان يُمْسِك بالميكروفون على المنصة: أَبْشِرْ ابنكَ في الجنة!!

طيب، أين أنتَ يا صلاح يا صاوي؟! في (رابعة), هَرَبْتَ! صلاح سلطان، صلاح سلطان، هربَ!

وأين أنتَ يا عبدالمقصود، يا مَن تُفتِي بهذا؟! هربتَ؟!

وأين أنتَ يا فوزي السعيد؟!

وأين أنتَ يا نشأت أحمد؟!

وأين أنتَ يا زهيري أبو الأشبال؟!

أين كل هؤلاء؟! أين؟!

هربوا!، هربوا إلى البلدان!, لماذا ما وقفتم تموتون كما مات هؤلاء -إنْ كان هذا جهادًا في سبيل الله-؟!

لكن عملية غسيل دماغي لهؤلاء، بحيث إن الواحد يدخل الجنة الآن فورًا بغير حسابٍ ولا عذاب!! فتقول المرأة: يا ليتني, يا ليت أبنائي كلهم يكونون مثل أبيهم!

ويُصلُّون عليهم صلاتَهم على الشهيد!, حتى الشهيد ما يُصلَّى عليه عندنا في الإسلام, في السُّنة ما يُصلَّى عليه, لكن هُم يصلُّون عليه طبعًا.

فالشاهِدُ من هذا: أن ابنَ عُمَر -رضي الله عنهما- مكَّن اللهُ -عز وجل- له، شوف الحَجَّاج الذي كان يفعلُ ما يفعلُ, يسمع ويطيع لمَن؟ يسمع ويطيع لمَن يا إخواني؟ لعبدالله بن عمر, يسمع ويطيع لعبدالله بن عمر..

يخرج عبدُالله ويصيح: الصلاة.

قالَ -[الحَجّاج]-: الرواح هذه الساعة؟

قال -[ابنُ عمر]-: نعم.

قال -[الحَجّاج]-: طيب، انتظرني.

الحَجّاج يستأذِنُ! الحَجّاج يستأذِنُ! طيب انتظرني بس حتى أُفيضَ على رأسي الماء، ودخلَ وغسلَ وخرجَ.

ابنُه -ابنُ ابنِ عُمَر- ابنُه، وليس ابنُ عُمَر نفسه، يقول: انتبه، قَصِّر الخطبة.

فنَظرَ إلى ابن عمر.. نَعْم صدقَ.. حاضِر.

هذا الحجاج يفعل هذا, لماذا؟! لأنه فيه مرسوم مَلَكِي, أطعْ مَن؟

فهؤلاء أُقسِم بالله غيرَ حانِثٍ ثقةً بربي أنّ هؤلاء لو تَبِعُوا السُّنة -مشايخ مصر هؤلاء-, لو تَبِعُوا السُّنة، وحافظوا على بلدهم بحق, والسُّنة بحق, واللهِ لرفعهم السلطان، ولصاروا هُم بطانته ومَحِل استشارته.

وإلا ما الذي يمنع إذا رأى أناسًا أمثال هؤلاء يحرصون -فعلًا- على البلد, ويحرصون على الدماء, ويحرصون على كذا..

ليسوا هُم الذين يقودون المظاهرات! مثل ما محمد حسان أخوه يكذب ويقول: لما نزلَ (ميدان مصطفى محمود) هو ويعقوب، نزلَ حقنًا للدماء! أو كذا.

حقنًا للدماء؟! هو نَزلَ في (رابعة)، قال: ارجعوا, هذا منهج الخوارج؟!

أبدًا!

إنما في (النهضة) كان موجودًا، وفي (التحرير) موجود، ولما تم القضاء على (ميدان رابعة) وقَف هو ويعقوب في (ميدان مصطفى محمود)، وكلامهم موجود مسجَّل: دماؤنا دون دمائكم!! وكذا وكذا..

هو ذهبَ يقول: ارجعوا إلى بيوتكم من أجل الدماء؟!

لقد ذهبَ يقول: نحن قادمون نُحي ميدانًا آخر وهو (ميدان مصطفى محمود)، وليس (ميدان رابعة), فإذا كان قد تم القضاء على (ميدان رابعة) فنحن سننشئ ميدانًا, لإنْ فاتنا (رابعة), لأرينّ اللهَ ماذا أصنع في (مصطفى محمود)!!

هكذا، هذا لسان حالهم, كما قال أنس بن النضر لمَّا غاب عن بَدْرٍ، ماذا قال؟ [قال: لإن] أَشْهَدَنِي الله -عز وجل- مشهدًا, لأرينّ اللهَ ماذا أصنع, فلمّا كان يوم أُحد, ونزلَ إلى أرض المعركة, أنس بن النضر قال: واهًا لرائحة الجنة, فو الله إني لأشم رائحة الجنة خلف هذا الجبل.

يقول الصحابة: والله ما طقنا ما فعلَ يا رسول الله, جهاد مع رسول الله, جهاد مشروع.

إنما يَنفَضُّ (رابعة), ولم يَخرجوا إلى (رابعة) أبدًا, ما خرج حسان ولا يعقوب ولا كذا إلى (رابعة), فلما انفضَّتْ (رابعة), طبعًا قد يقول القائل: مُنكِرُون لهم, كيف يكونون مُنكِرين, ولمَّا انفضَّت (رابعة) أقاموا ميدانًا جديدًا فورًا في (مصطفى محمود)؟!

ثم يكذبون على الناس ويقولون: الدماء والدماء والدماء، وكل فترة يطلع محمد حسان يفتي الدماء.. الدماء.. الدماء!

مَن الذي -أصلًا- أراقَ الدماء هذه في مصر من أوَّلِ الأمر؟! مَن الذي أراق؟! الذين كانوا يقولون -يا إخواني-: نريد أن نأكل؟!

عموم الناس -لعلمك- ما أحد يتبعهم, عموم الناس ما لم يجدوا مَن يؤيدهم بالنص والحديث، ويشجِّع أقوالهم، ما تبعهم الناس.

الذي يخرج يقول: نريد أن نأكلَ! نريد أن نأكلَ! أنتَ لو أخذتَ برؤوسهم في جنب، وأعطيتَ لكل واحد.. أو وظَّفته وظيفةً، فسوف يرجع مرة أخرى؛ لأن هذا صاحب مادة.

إنما الإشكال في ماذا؟ الإشكالُ لمَّا نزل الميدان مَن يقول: البخاري ومسلم ومواجهة الظالمين، ونزلَ هؤلاء أصحاب اللحى المشايخ إلى الميدان، فأخذتِ المسألة صبغةً شرعية.

ولهذا اختلفتِ اللغة: الخروج على السلطان، الخروج على الحاكم، حكم المظاهرات في الإسلام، حكم كذا، اللغة اختلفتْ.

وبدأت الثورات، وبدأ التأسُّد في الميادين لمَّا أخذَ صبغةَ الكتاب والسُّنة، والدليل على كذا كذا، والدليل على كذا كذا، والدليل على فعلكم هذا، والحرق هذا، افعلوا والدليل عليه كذا..

وعبدالمقصود يفتي بحرق سيارات الشرطة وحرق سيارات الجيش وغير ذلك، وإلى الآن الناس يمشون بفتاوى أمثال هؤلاء.

التفجيرات التي تحصل من الطلاب -طلاب الجامعات- إنما هي بسبب تلك الفتاوى الضالة المضللة، تلك الفتاوى..

الشابُ -يا إخواني- ما يذهب يضع القنبلة، ولا يفجِّر، ولا يُذهِب بالأمن إلا بسبب هذا.

هذا الضابط الواقف حرصًا على أبنائه، أنا أريد أن أفهم الآن -يا إخوان- اللواءات هؤلاء أو الجنود الذين يُقتلون كلَّ يوم، أنا ما أدري يُقتلون من أجل ماذا؟! هل فيه أحد فيهم يدافِع عن بيته؟! هل في أحد فيهم يدافعُ عن ولدِه هو؟!

يُقتل من أجل ماذا؟! من ابني وابنك الذاهب إلى الجامعة، وهذا الذي يحصل..

هذا الواقع أم لا يا إخواني؟! هذا ليس مجاملةً، هيا اخرج أنتَ الآن، قف عند الجامعة، احرص الطلاب -إذا كنتَ غير مصدِّق-.

أنتَ قد تضن بنفسك، وقد تبخل بنفسك أن تقف في هذا الموقف.

فإذًا ما يَعْتَدُون على الناس، ولا يقتحمون بيوتًا بريئةً.

فهذا فكرُ الخوارج، هذا فكر الخوارج.

فهذا أمس، يقول: (27) قتيلًا، و(31) مصابًا، حصيلة (حادث العريش) حتى الآن، هذا مَن الذي يصنعه؟!

هؤلاء هم.. ماذا؟ خوارج العصر، هؤلاء هُم خوارج العصر -وإن تسربلوا وتزيوا بزي الإسلام، أو زي الدعوة إلى الله -عز وجل-.

ما هكذا تكون الدعوة إلى الله، ولا أتى الإسلام بمثل هذا أبدًا أبدًا أبدًا.

ولهذا على أهل السُّنة أن ينشطوا في التحذير من هؤلاء الليل والنهار؛ لأن هؤلاء -يا إخواني- على فكرة، هؤلاء يهددون أمنَ الناس، وليس أمن الدولة فقط، أمنَ الناس، هؤلاء سيأتون إليك غدًا..

هؤلاء سيأتون إليكَ غدًا، ابنك يصطادونه.. أنا كنتُ في خطبة أمس في القرية، ففي قرية بجوار قريتنا، جاءت السلطات وأخذتْ ولدًا، قد يبدو للناس إنه بريء، كيف يعني، ولدٌ عادي!

لا، هذا الولد متورِّط على صفحته الرسمية مع زملائه -مع أصدقائه-، الأب قد لا يعرف عن ولده شيئًا، يظن أن الولد بريء، وأن الولدَ ما عنده شيء، والناس..

لكن هؤلاء متورِّطون، لماذا يأتون إلى هذا بالذات؟ لماذا ما أتوا إلى ولدي وإلى ولدك؟!

فلتعبدِ اللهَ -عز وجل- بأمنٍ وأمان، وعلى بصيرةٍ، وتحقن دماءَ المسلمين، وترفع يديك عن هذه الدماء؛ فابنُ عُمَر -رضي الله عنهما- مكَّن اللهُ -سبحانه وتعالى- له، صار هو المفتي، والحَجَّاج أميرٌ لكنْ يرجع إلى ابن عمر.

هكذا كلُّ عالِم سُنة، سوف يُوجِدُ اللهُ -سبحانه وتعالى-.. أحمد بن حنبل، صحيحٌ أن في عهد المأمون، في عهد الواثق، في عهد المعتصم، وجدَ ما وجدَ، لكنَّ الله ما كافأه؟!

ما كافأه -أيضًا- بالخليفة العباسي الرابع بعد هؤلاء الذي رفعَ اللهُ -عز وجل- به دعوةَ أحمد، ومكَّن لأحمد -رحمه الله تعالى-، ومكَّن للسُّنة؟!

اللهُ سيرزقك، وأهلُ السُّنة ما ينتظرون أماكن عند السلطان -يا إخواني، على فكرة-، أهلُ السُّنة ما يقولون هذا سياسةً، ولا يقولون هذا محاباةً لأحدٍ، ولا يقولون هذا مجاملةً لسلطانٍ أو حاكمٍ.

أهلُ السُّنة يقولون هذا إبرازًا لمنهج، إبرازًا لمُعْتَقَد.

نحن نقول: ابن عمر كما جاء الحديث عند البخاري لمَّا تنازعَ الناسُ، اختلفَ الناسُ، ووقعتِ الدماءُ، فقال له رجلٌ: اذهبْ يا ابنَ عمر، قاتِلْ مع هؤلاء الناس، لِمَ لا تُقاتِل؟! ما منعكَ أنْ تُقاتِل؟!

قال ابنُ عمر -والحديثُ عند البخاري، واللهِ -يا إخواني- أنا أول ما قرأتُ هذا الحديثَ، قبَّلتُ صحيحَ البخاري، قلتُ: سبحانَ اللهِ! مسالك عظيمة لهؤلاء الصحبِ الكرام-، فقال عبدُالله بن عمر: منعني أنَّ اللهَ حرَّمَ عليَّ دمَ أخي!

منعني أنْ أذهبَ فأُقاتِل مع هؤلاء الذين يُقاتِلون أنَّ اللهَ حرَّمَ عليَّ دمَ أخي.

انظر إلى الشبهة، اسمع، تلك الشبهات التي يُفتَى بها الناسُ، تلك الشبهات التي يُفتَى بها الشبابُ، فقال السائلُ لابن عمر: ألمْ يقلِ اللهُ: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]؟!

أنتَ تُخالِف يا ابنَ عُمَر الآية! ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهذه فتنة، اخرُجْ، قاتِلْ!

طبعًا هؤلاء الشباب الآن يُغريهم مَن يفتيهم:

قاتِلوا السلطة ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.

اقتلوا الناس ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.

فماذا قال ابنُ عمر؟

شوف السَّلفي، اللهُ أكبر! اللهُ أكبر! -يا إخواني-، تعليمُ السُّنةِ يجعلُ مِن الرَّجُلِ أُمَّة، يجعلُ من الرجل أُمَّة تعليمُ السُّنةِ، وتعلُّم المنهج الحق.

ماذا قال ابن عمر؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وإنكم تقاتِلون اليوم لتكونَ فتنة!

الله أكبر! نحن أولى الناس بالآية، نحن أفهم الناس للآية، نحن قاتلنا حتى لم تكن فتنة، إنما أنتم اليوم تقاتِلون..




وفرَّغه/

أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد.

2 من محرم 1436 هـ، الموافق 26/10/2014 م












 ]]>
http://www.el-ghorba.com/forums/t266
[تفريغ] [خطبة جمعة] [وظيفة المسلم في الحياة] لفضيلة الشيخ هشام بن فؤاد البيلي http://www.el-ghorba.com/forums/t265 Fri, 24 Oct 2014 09:09:33 +0200