البث المباشر لفضيلة الشيخ هشام بن فؤاد البيلي
Get the Flash Player to see this player.

[حتى لا تتعرض للإيقاف] تنبيه هام لجميع الأعضاء


آخر المشاركات
كيف يكون بلوغنا إلى شهر رمضان سببًا لتكفير الذنوب ..:||:.. ذكر الفصيح والصحيح في الحديث بين تذكير صفة جمادى الشهر أو التأنيث ..:||:.. فتح الله الواحد القهار ببيان أن لفظ الذكر والدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم مبني على التوقيف والاقتصار ..:||:.. الإيضاح بعدم صحة تقييد دعاء "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا" بأذكار الصباح ..:||:.. إعراب (أمثال) من قوله تعالى: «فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» [الأنعام:١٦٠] ..:||:.. حكم صرف أو منع اسم العلم الثلاثي المؤنث ساكن الوسط كهند ودعد ..:||:.. فتح الله الواحد القهار ببيان أن لفظ الذكر والدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم مبني على التوقيف والاقتصار ..:||:.. من هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه ..:||:.. ما حكم شراء ما يباع قبيل أيام الأعياد المبتدعة (المولد وغيره) أو بعدها من طعام أو شراب أو زينة مما هو شعار لهذا العيد؟ ..:||:.. ما حكم قبول الحلوى واللحوم التي تأتينا من الجيران دون طلب منا، كصدقة، وذلك في أيام المولد النبوي؟ ..:||:..

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات الغرباء السلفية، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .




ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم فهذا جزء من جمع جمعتُه فيه حكايات الإجماع عن أئمة سلفنا الصالح في مسئلة تارك عمل الجوارح


لا يمكنك الرد على هذا الموضوع لا يمكنك إضافة موضوع جديد
الصفحة 1 من 2 < 1 2 > الأخيرة »


16-10-2014 01:18 مساء
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
|
بسم الله الرحمن الرحيم
فهذا جزء من جمع جمعتُه فيه حكايات الإجماع عن أئمة سلفنا الصالح في مسئلة تارك عمل الجوارح بالكلية سميته:
فَضَلُ وَرَحْمَةُ ٱللهِ ٱلْحَكِيمِ ٱلْحَمِيد
بِجَمْعِ حِكَايَاتِ ٱلْإِجْمَاعِ ٱلَّذِي لَيْسَ بَعْدَ حُجِّيَّتِهِ مَزِيد
بِأَنَّ ٱلْإِيمَانَ بِلَا عَمَلٍ لَّا يَنْفَعُ وَلَا يُفِيد
وَكَلَامِ أَئِمَّةِ ٱلسَّلَفِ لِلِاسْتِزَادَةِ وَٱلتَّوْكِيد
وَإِيرَادُ شُبُهَاتِ ٱلْمُخَالِفِينَ مَعَ ٱلرَّدِّ وَٱلتَّفْنِيد
أسأل الله عز وجل أن يزرقني إتمامه إنه ولي ذلك والقادر عليه

3- محمد بن إدريس الشَّافِعِيُّ رحمه الله (ت 204 هـ)
قال اللالكائي رحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/956) (1593):
قال الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الْأُمّ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ: نَحْتَجُّ بِأَن لَّا تُجْزِئَ صَلَاةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِّحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ http://www.el-ghorba.com/forums/t258: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ». ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ مِن بَعْدِهِم مِّمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَّا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِّنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ.
____________________

قلت: وهـٰذا العزو من اللالكائي رحمه الله هو إحالة من ثقة لكتاب ثقة؛ وهو حجة على المعتمد، وردُّه بحجة أنه غير موجود في النسخة المطبوعة تسرع من قائله ومنهج مردود وغير مقبول للأسباب التالية:
[1] السبب الأول: أن نفي ثبوت ما عزاه اللالكائي للشافعي لمجرد عدم وجوده في المطبوع يتضمن رَمْيَ اللالكائيِّ بالوهم بلا مستند، فاللالكائي رحمه الله موصف بالفهم والحفظ والاتقان والضبط، وَصَفَهُ بذٰلك الخطيب البغدادي في تاريخه (16/108)، وأورد قصة تدل علىٰ إتقانه وضبطه؛ حدثه بها البَرْقاني وكانت بينه وبين اللالكائي؛ أعترض فيها اللالكائي على الحافظ أبي مسعود الدمشقي في إسناد حديث في صحيح مسلم، قال البرقاني في آخرها: فنظرت فإذا الأمر علىٰ ما قال. [أي: اللالكائي]، ووَصَفَهُ بذٰلك أيضًا شجاع بن فارس الذهلي، كما نقله عنه ابن نقطة الحنبلي في التقييد (640).
قلت: وما فعله ناشرا (1) كتاب تمهيد الأوائل(2) لأبي بكر الباقلاني - طبعة لجنة التأليف والترجمة بالقاهرة عام 1947م - بإيعاز من الكوثري منَّا ببعيد، حيث أن ثلاثتهم اتهموا شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله بالتزوير أو الوهم فيما نسباه(3) للباقلاني في كتابه التمهيد من إثبات الباقلاني لصفة العلو والاستواء على العرش لله عز وجل لعدم وجود ذٰلك في النسخة الخطية التي بين أيديهما، مع اعترافهما(4) أنها ناقصة!.
وجَزَمَا - والأمر كذٰلك - بخطأ ابن تيمية وابن القيم!، فقالا (ص265)(5): «ونحن نثق علىٰ كل حال بنسخة التمهيد التي بين أيدينا ثقة أقوىٰ من ثقتنا بنقل ابن تيمية وابن القيم، والله أعلم».
وقال الكوثري فيما نقله الناشران عنه في نفس الصفحة (6): «لا وجود لشيء مما عزاه ابن القيم إلىٰ كتاب التمهيد في كتاب «التمهيد» هـٰذا، ولا أدري ما إذا كان ابن القيم عزا إليه ما ليس فيه زورًا ليخادع المسلمين في نحلته، أم ظن بكتاب آخر أنه كتاب التمهيد للباقلاني».
قلت: وقد حقق الكتاب بعدهما رجل نصراني!، طبعته المكتبة الشرقية ببيروت عام 1957م، وفيه النص الذي عزاه ابن تيمية وابن القيم للكتاب.
فكان رد الشيخ عبد الرزاق حمزة رحمه الله الماتع علىٰ نفي الكوثري في (ص132) من كتابه (الإمام الباقلاني وكتابه التمهيد): «من الذي يحيط علمه بنفي ما في نسخ التمهيد شرقًا وغربًا من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر؟، من الذي يحيط علمه بهـٰذا النفي العام القاطع الجازم إلا علام الغيوب؟، فهل أحاط علم الكوثري في القرن الرابع عشر بجميع نسخ التمهيد شرقًا وغربًا في عشرة قرون، فصح له أن يقول: «لا يوجد ما نقل ابن القيم منه»، ليتدرج منه إلىٰ رمي ابن القيم بالتزوير والخداع وانتحال النحلة الباطلة إلخ؟. ألم يكن الأوفق والأجدر بالإنصاف أن يقول: لا أعرف، أو: لم أطلع، أو: لم يبلغني، كما هو الشأن في عبارات المنصفين من العلماء المحققين؟».
[2] السبب الثاني: أن الشافعي رحمه الله ألف كتبًا مستقلة لم يرتبها ترتيبًا محددًا، ولم يجمعها بين دفتي كتاب، حتىٰ جاء تلميذاه البويطي والربيع فرتبا كتاب الأم على الكتب والأبواب والمسائل الفقهيه، وألحقا الشبيه بشبيه، حتىٰ بدا الكتاب علىٰ ترتيب قريب من المطبوع الحالي - وهو الترتيب القديم - ، وكان هـٰذا الترتيب فيه كثير من الارتجالية والتكرار، مما حدا بسراج الدين البُلْقِيني أن يعيد ترتيب الكتاب علىٰ ترتيب وافق ترتيبَ المزني - صاحب الشافعي - في مختصره الذي أخذه عن الشافعي، وهو الترتيب الذي خرجت به طبعتي الكتاب: الأولىٰ ببولاق بمصر سنة 1321 هـ ، - وما تولد منها من طبعات مصورة - ، والأولي لدار الوفاء سنة 1422 هـ ، ولكن البلقيني عندما رتب الكتاب سقطت منه بعض الأبواب، وبعض النصوص، وإن كانت قليلة، كما بَيَّنَ ذٰلك كلَّه وحققه محقق طبعة دار الوفاء (1/24:15)، فكيف يحاسب اللالكائي رحمه الله (ت 418 هـ) عند عدم الوقوف على النص الذي عزاه لكتاب الأم لترتيب البلقيني رحمه الله (ت 805 هـ) الذي سقط بعض الشيء منه عند الترتيب ؟!.
[3] السبب الثالث: وهو ختام الأسباب - وهو أهمها من وجه نظري - أن النص الذي عزاه اللالكائي لكتاب الأم في باب النية في الصلاة فيه احتجاجٌ للشافعي رحمه الله بحديث عمر بن الخطاب http://www.el-ghorba.com/forums/t258 مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنية»، وهـٰذا الحديث ليس موجودًا في باب النية في الصلاة في طبعتي الكتاب، وبدأ كلام الشافعي رحمه الله في هـٰذا الباب في الطبعتين بقوله: «فَرَضَ اللهُ عز وجل الصَّلَاةَ، وَأَبَانَ رَسُولُ اللهِ http://www.el-ghorba.com/forums/t258 عَدَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، .....»، وبدأ البيهقي رحمه الله (ت 458 هـ) هـٰذا الباب في معرفة السنن والآثار (2/326) - وهو كتاب تخريج أحاديث كتاب الأم - بذكر حديث عمر http://www.el-ghorba.com/forums/t258 مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنيات»، مما يؤكد وجود سقط في ترتيب البلقيني رحمه الله لكتاب الأم في هـٰذا الباب.

تنبيه:
لم أعتبر عزو ابن تيمية رحمه الله الأثرَ للشافعي في مجموع الفتاوىٰ (7/209) إحالةً جديدة من إمام ثقة آخر تشهد لإحالة اللالكائي؛ وذٰلك: أن شيخ الإسلام نقل أثر الشافعي، ثم أثر الحميدي، ثم أثر أحمد بن حنبل، بنفس ترتيب اللالكائي ولفظه؛ مما يحتمل أن يكون شيخ الإسلام اقتبسه من اللالكائي دون الإحالة عليه. مع أن الأصل في إحالة إمام ثبت كشيخ الإسلام هو وقوفه علىٰ كلام الشافعي في كتاب «الأم» مباشـرة، فإنك ترى الأثر الذي أورده اللالكائي قبل أثر «الأم» - وهو أثر أيضًا للشـافعي - أخرجه بسـنده من طريق ابن أبي حاتم الرازي، وأورده شيخ الإسلام بنفس ترتيب اللالكائي ولكنه عزاه إلى ابن أبي حاتم مباشرة في كتابه مناقب الشافعي(7) دون الإحالة علىٰ كتاب اللالكائي، فكذٰلك الأصل في إحالته لأثر «الأم» أنها إحالة مباشِرة منه للكتاب. ولولا إيراد شيخ الإسلام الآثار الثلاثة المشار إليها آنفًا بترتيب ولفظ اللالكائي لاحتججتُ بعزو شيخ الإسلام الأثر للشافعي، ولأوردتُه من أهم مقومات الرد علىٰ من يشكك في صحة ثبوته للشافعي، ولـٰكن تركت ذٰلك قطعًا لمادة الجدال؛ لما يعكره الاحتمال الأول على الاحتجاج به.

قلت: وعلق أحد الفضلاء في مقال له بعنوان (متعالم مغرور) في الحلقة الثانية منه، فقال:
لا يثبت هـٰذا النقل عن الإمام الشافعي، ولا يوجد في كتبه لا « الأم » ولا غيرها، وقد صرّح محقق كتاب اللالكائي بأنه لم يجده في « الأم » للشافعي، والأمر كـٰذلك. وقال أيضًا: قد تبين .... أن تعريف الإيمان المنسوب إلى الشافعي رحمه الله لم يثبت.
قلت: بل ثبت كما مر بيانه، وعلىٰ فرض عدم ثبوته عن الشافعي؛ فالثابت عن غيره يشهد لمعناه.

- وتسائل - أيضًا في نفس المقال - فقال: من نقل هـٰذا الإجماع - المنسوب إلى الشافعي - غيرُ الشافعي؟ فهاته، وإلا فهـٰذه الدعوىٰ من الأباطيل التي لا أصل لها.
قلت: دونكم إياهم في هـٰذا الكتاب.

- وقال - أيضًا في نفس المقال -: الصحابة ما عرّفوا الإيمان بأي تعريف، لأن أسباب تعريفه - من الإرجاء وغيره - لم تظهر إلا بعد عصرهم ..... وأن التابعين ومن بعدهم ما عرّفوه إلا بقولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. كما نُقل ذٰلك عن أئمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وأنهم ما قالوا: لا يجزئ واحدٌ من الثلاثة إلا بالآخر، وأنه لا يقبل إيمانُ أحدٍ إلا إذا استكمل الثلاثة.
قلت: قد ثبت كما ترىٰ عن غير واحد أنه حكىٰ عن السلف الإجماع علىٰ أن الإيمان بلا عمل ...:
(لا يستقيم) كما حكاه الثوريُّ عن السلف.
أو (لا يجوز) كما حكاه الثوريُّ عن السلف.
أو (لا يكون) كما حكاه عن السلف ابنُ عيينة، والمزني، وابن أبي زيد القيرواني.
أو (لا يجزئ) كما حكاه عن السلف الشافعيُّ، والآجريُّ، وابن بطة العكبريُّ.
أو (لا يقبل) كما حكاه ابن بطة العكبريُّ عن السلف.
أو (لا ينفع) كما حكاه عن السلف ابنُ عيينة، والحميديُّ، والآجريُّ، وابن بطة العكبريُّ.
أو هو (ذهاب الإيمان) كما حكاه أبو طالب المكيُّ عن السلف.
أو (هـٰذا هو الكفر بالله) كما حكاه عن السلف الحميديُّ، وأبو طالب المكي، وابنُ تيمية.


- وقال - أيضًا في نفس المقال -: وتأمل التعريف الذي نسبه شيخ الإسلام إلىٰ من ذكرهم من أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ولم ينقل عنهم بقية هـٰذا التعريف المنسوب إلى الشافعي رحمه الله.

قلت: بل نَقَلَ شيخُ الإسلام الإجماعَ الذي حكاه الشافعي محتجًا به علىٰ أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، كما في موضعين من مجموع الفتاوىٰ (7/209)، و(8/308).

(1) كتب هـٰذان الناشران علىٰ غلاف الكتاب أنه من تحقيقهما، فرد عليهما الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة رحمه الله فقال في (ص132) من كتابه (الإمام الباقلاني وكتابه التمهيد): إنما صناعتكما النشر، ولم تتقناه، فإنكما لم تعطياه ما يعطيه الناشر الأمين.
(2) طبعاه باسم (التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة).
(3) ابن تيمية في درء التعارض (6/206)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص459).
(4) ذكرا في حاشية (ص260) سببين يدلان علىٰ نقص المخطوطة التي اعتمدا عليها، نقلًا من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/539).
(5) نقلًا من نفس المصدر السابق.
(6) نقلًا من نفس المصدر السابق، ومن كتاب الإمام الباقلاني للشيخ عبد الرزاق حمزة (ص126).
(7) طبع باسم «آداب الشافعي ومناقبه»، والأثر المعزو له في (ص146).

 


تم تحرير الموضوع بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 16-10-2014 01:36 مساء


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
05-09-2019 11:57 مساء مشاهدة مشاركة منفردة [1]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

فأما مسألتا التكفير بترك العمل بالمباني الأربعة بالكلية، والتكفير بترك الصلاة بالكلية فغير صحيح نسبة عدم تكفير أهل العلم من السلف لتارك العمل في المسألتين بالكلية، بل هو من عدم العلم بمذهبهم وعدم تحريره، كما حدث ذلك في المتأخرين.

وأما مسألتا التكفير بترك بعض المباني الأربعة والإتيان ببعضها - خلا ترك الصلاة بالكلية -، والتكفير بترك بعض الصلوات والإتيان ببعضها؛ فهاتان المسألتان محل خلاف بين السلف.

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين مسألة التكفير بترك شيء من المباني الأربعة، وبين التكفير بترك الفرائض كلها فقال في مجموع الفتاوى (611:609/7):
ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه "الفرائض الأربع" بعد الإقرار بوجوبها ......
وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد ......
وهذه المسألة لها طرفان؛
أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر.
والثاني: في إثبات الكفر الباطن.
فأما "الطرف الثاني" فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا كما تقدم.
ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح.
انتهى باختصار.

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية سبب هذا الخلط الذي أحدثه المتأخرون ونسبوه إلى مذهب السلف، فيقول في نفس المصدر السابق (7/364):
وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف.

وفي كلتا المسألتين السابقتين نقل العلماء من السلف الإجماع الصحيح على تكفير تارك العمل فيهما بالكلية.
وإليكم النقولات عن السلف في المسألة الأعم والأشمل وهي المسألة الأولى:
التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية
والتي نقلها عن السلف شيخ الإسلام ابن تيمية - كلها أو جلها - في المجلد السابع من مجموع الفتاوى في كتابي الإيمان الكبير والأوسط

1- قال سفيان بن عيينة (ت 198 هج) عندما سأله سويد بن سعيد الهروي عن الإرجاء فقال:
يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء.
لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر.
وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه، وإبليس، وعلماء اليهود.
أما آدم؛ فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة، وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر.
وأما إبليس - لعنه الله -؛ فإنه فرض عليه سجدة واحدة، فجحدها متعمدا فسمي كافرا.
وأما علماء اليهود؛ فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته، فسماهم الله عز وجل كفارا.
فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء.
وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس - لعنه الله -.
وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم.

أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (1/347) (745) قال حدثنا سويد بن سعيد الهروي، قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء.
وسويد صدوق إلا أنه عمي فصار يتلقن - التقريب (2705) -.
وأخرجه عبد الله في نفس المصدر السابق (735) عن سويد به مختصرا.

وأخرج عبد الله في نفس المصدر السابق (738) فقال: حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب لوين، سمعت ابن عيينة، غير مرة يقول: «الإيمان قول وعمل»، قال ابن عيينة أخذناه ممن قبلنا قول وعمل: وأنه لا يكون قول إلا بعمل.
ومحمد بن سليمان المعروف بلوين ثقة - التقريب (5962) -.

قلت: فعلم أن قول ابن عيينة في الأثر (745): ونحن نقول الإيمان قول وعمل.
أنه لم يعن به نفسه رحمه الله تعالى، وإنما عنى بها إجماع من كان قبله من السلف على تلك المقالة فقال في الأثر (738): «الإيمان قول وعمل، ... أخذناه ممن قبلنا».

2- قال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219 هج):
وأخبرت أن ناسا يقولون:
من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة.
فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين.
قال الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة: 5].

أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/957) (1594) قال:
أخبرنا محمد بن أحمد البصير، قال: أنا عثمان بن أحمد، قال: نا حنبل بن إسحاق، قال: نا الحميدي.
- والبصير هو ابن رزقويه الأعمى، وهو ثقة صدوق، تاريخ بغداد (2/211) (229).
- وعثمان هو الدقاق المعروف بابن السماك، وهو ثقة ثبت، تاريخ بغداد (13/190) (6045).
- وحنبل هو ابن إسحاق الشيباني ابن عم أحمد بن حنبل، وهو ثقة ثبت، تاريخ بغداد (9/217) (4339).
- وأخرجه الخلال في السنة (3/586) (1027) عن عبيد الله بن حنبل عن أبيه عن الحميدي.
- ونقله عن الحميدي شيخ الإسلام ابن تيمية - محتجا به - في مجموع الفتاوى (7/209).

3- قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (ت 238 هج):
غلت المرجئة حتى صار من قولهم - إن قوما يقولون -:
من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير ما جحود بها؛ لا نكفره.
نرجي أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر.
فهؤلاء المرجئة الذين لا شك فيهم.
نقله عنه حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله لأحمد وإسحاق (3/1015) (1629).

4- قال محمد بن الحسين الآجري (ت 360 هج ) في كتابه الشريعة (2/611):
بَابُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاث
ُقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْمَلُوا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ الَّذِيَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِين؛َ أَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ وَالتَّصْدِيقٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ نُطْقًا، وَلَا تُجْزِيءُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، حَتَّى يَكُونَ عَمَلٌ بِالْجَوَارِح،ِ فَإِذَا كَمُلَتْ فِيهِ هَذِهِ الثَّلَاثُ الْخِصَالِ: كَانَ مُؤْمِنًا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ.

5- قال أبو طالب محمد بن علي المكي (ت 386 هج) في كتابه قوت القلوب (2/216):
[الفصل الخامس والثلاثون]
ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم، وأن كل مؤمن مسلم، وتحقيق القول بالعمل، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية والحرورية، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة، وفقنا الله تعالى لذلك، .......
ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام؛ فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، .......
فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان.
انتهى مختصرا.

وفيه تنبيهان:
الأول: وردت في أصل قوت القلوب في الفقرة الأخيرة: (فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان)، والتصحيح من نقل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا النص عن أبي طالب المكي في مجموع الفتاوى (7/334).

الثاني: وهو الرد على من اعترض عن النقل عن أبي طالب المكي لما كان عنده من بدع الكلام والتصوف.
والرد على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (10/551) حين سئل عن:
"إحياء علوم الدين"، و"قوت القلوب" إلخ.
فأجاب:
أما (كتاب قوت القلوب) و (كتاب الإحياء) تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك.
وأبو طالب أعلم بالحديث، والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد وأجود تحقيقا وأبعد عن البدعة، مع أن في "قوت القلوب" أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة.

قلت: والمنقول عن أبي طالب المكي من "قوت القلوب" في مسألة الإيمان ليست من المسائل المنتقدة عليه، بل نقل أكثر كلام أبي طالب - إن لم يكن كله - في الإيمان وأقره عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، نقله عنه في مجموع الفتاوى (7/336:332)، وقال في آخره نقله:
عقد "الفصل الثالث والثلاثين" في بيان تفصيل الإسلام والإيمان وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة وهذا الذي قاله أجود مما قاله كثير من الناس لكن ينازع في شيئين.

قلت: فهذا الجزء الذي نقلته عن أبي طالب نقله شيخ الإسلام محتجا به، وجود مقالته، وأقر فيه أبا طالب في نسبته لما قاله لمذهب أهل السنة والجماعة.

6- قال عبيد الله بن محمد المعروف بابن بطة العكبري (ت 387 هج) في كتابه الإبانة الكبري (2/626):
فَإِنِّي مُبَيِّنٌ لَكُمْ شَرَائِعَ الْإِيمَانِ الَّتِي أَكْمَلَ اللَّهُ بِهَا الِّدين،َ وَسَمَّاكُمْ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَكُمْ إِخْوَةً عَلَيْهَا مُتَعَاوِنِين،َ وَمَيَّزَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا مِنَ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُرْجِئَةِ الضَّالِّينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ وَمَعْرِفَةٌ مِنْ غَيْرِ حَرَكَة،ٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَذَّبَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْ عِبَادِه.

7- قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الحراني المعروف بابن تيمية (ت 728 هج) في مجموع الفتاوى (7/621):
وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا؛ ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات - سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له؛ أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي - كان مخطئا خطأ بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها.

وقال أيضا في نفس المصدر السابق (14/120):
وهنا (أصول) تنازع الناس فيها، منها:
أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟.
فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على الجوارح.
فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئا من واجباته بلا خوف؛ فهذا لا يكون مؤمنا في الباطن؛ وإنما هو كافر.

فهذه النقولات عن السلف في ما نقلوه من الإجماع على التكفير بترك العمل بالمباني أو الفرائض الأربع بالكلية فيها الحق.

ويتبع هذا المقال - إن شاء الله تعالى - بآخر، فيه نقولات عن السلف فيها نفس المعنى، ولكن ذكروه عن أنفسهم ولم يذكروه إجماعا، للاستزادة والتوكيد.

وفي ما مضى من النقولات كما قال ابن بطة الكعبري رحمه الله تعالى في الإبانة الكبرى (2/795):
فيه شفاء وكفاية لمن أراد به مولاه الكريم خيرا، فوفقه لقبوله والعمل به، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل

والحمد لله رب العالمين


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 06-09-2019 12:12 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
06-09-2019 12:18 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [2]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

ذكرت في ما مضى النقولات عن العلماء من السلف في نقلهم الإجماع الصحيح على التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية.

وإليكم النقولات عن العلماء من السلف في نفس المسألة، تكلموا بنفس المعنى منتحلين له، ولكنهم لم ينسبوه إجماعا، وذلك للاستزادة والتوكيد.

1- نافع مولى ابن عمر (ت 117 هج):
قال معقل بن عبيد الله العبسي:
قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه، قال: فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا .......
قال: ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع .......
فذكرت له بدو قولهم .......
قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل.
قال: فنتر يده من يدي ثم قال: «من فعل هذا فهو كافر».

أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (1/382) (831) قال:
حدثني أبي، نا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، نا معقل بن عبيد الله العبسي.
- وأبوه أحمد بن حنبل إمام ثقة حافظ فقيه حجة - التقريب (97) -.
- وخالد صدوق يخطئ - التقريب (1632) -، وقد تابعه عند ابن نصر المروزي محمد بن يوسف الفريابي ثقة فاضل - التقريب (6455) -، وتابعه أيضا عند ابن جرير الطبري عمر بن خالد الأقطع الرقي لا بأس به - الدارقطني في سؤالات البرقاني (348)، والثقات لابن حبان (8/444) -، وسيأتي عزوهما قريبا.
- ومعقل صدوق يخطئ - التقريب (6845) -.

وأخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (977)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (963)، والخلال في السنة (1105)، وابن بطة في الإبانة (1101)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1732).

2- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هج):
من انتحل الإيمان بالكلام ولم يفعل فقد كذب، وليس بصادق.

أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (21/389) قال:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد به.
- ويونس هو ابن يزيد الصدفي ثقة - التقريب (7964) -.
- وعبد الله بن وهب المصري ثقة حافظ - التقريب (3718) -.

3- إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي (ت 240 هج)
سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان، وما هو؟ يزيد وينقص؟، وقول هو أو قول وعمل؟ وتصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال أبو ثور .......

فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم:
ما أراد الله عز وجل من العباد - إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة - إلا إقرارا بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟.
فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم.
من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟!!!.
فإن قالت أراد منهم الإقرار والعمل قيل: فإذا [كان] أراد منهم الأمرين جميعا؛ لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟!.
أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر [به] الله، ولا أقر به؛ أيكون مؤمنا؟.
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل منه شيئا؛ أيكون مؤمنا؟.
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: ما الفرق؟!، وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعا!!!.
فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر - إذا عمل ولم يقر - مؤمنا، لا فرق بين ذلك.
فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟.
قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه، بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا.
و[ولو] قال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان.
[قال أبو ثور: إنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم العمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا].
وفيما بينا من هذا ما يكتفى به، ونسأل الله التوفيق.
انتهى كلام أبي ثور باختصار.

أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/931) (1590) قال:
وأخبرنا محمد بن أحمد البصير، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: ثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ، قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان ....به.
- البصير هو ابن رزقويه، ثقة مرت ترجمته في أثر الحميدي.
- أحمد بن جعفر أبو بكر القطيعي، صدوق - تاريخ بغداد (5/116) (1966).
- إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرئ، ثقة - تاريخ بغداد (7/466) (3433).

وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/389:388)، وكل ما بين المعكوفات فهو زيادة من مجموع الفتاوى.

4- أحمد بن حنبل (ت 241 هج)
قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/957) (1595):
أنا محمد، أنا عثمان، نا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: «من قال هذا، فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به».
وهذا قاله أحمد إثر أثر الحميدي السابق، وأثر أحمد رجاله إسناده نفس رجال إسناد أثر الحميدي، وكلهم ثقات كما مرت تراجمهم في أثر الحميدي.

قال أبو بكر الخلال في السنة (3/570) (980):
أخبرني محمد بن موسى، ومحمد بن علي، أن حمدان بن علي الوراق حدثهم قال: سألت أحمد، وذكر عنده المرجئة.
فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن.
فقال: المرجئة لا تقول هذا، بل الجهمية تقول بهذا.
المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه، و[إن لم] تعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه، وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه، فقال: {رب بما أغويتني} [الحجر: 39] .
قلت: فالمرجئة لم كانوا يجتهدون وهذا قولهم؟ قال: «البلاء».

981 - وأخبرني محمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم، قال: قال أبو عبد الله:
كان شبابة يدعو إلى الإرجاء، وكتبنا عنه قبل أن نعلم أنه كان يقول هذه المقالة، كان يقول:
الإيمان قول وعمل، فإذا قال: فقد عمل بلسانه.
قول رديء.

982 - أخبرنا محمد بن علي، قال: ثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: شبابة، أي شيء تقول فيه؟
فقال: شبابة كان يدعو إلى الإرجاء، قال: وقد حكي عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت أحدا عن مثله، قال: قال شبابة: إذا قال فقد عمل، قال: الإيمان قول وعمل كما يقولون: فإذا قال فقد عمل بجارحته أي بلسانه. فقد عمل بلسانه حين تكلم، ثم قال أبو عبد الله:
«هذا قول خبيث، ما سمعت أحدا يقول به، ولا بلغني».

تنبيه:
في الأثر (980) عند الخلال سقط ما بين المعكوفتين، وهو سقط يستلزمه كلام الإمام أحمد في كل المنقول عنه، وبدون إثبات هذا السقط يكون معنى الكلام باطلا، وفيه أن الإمام أحمد نسب مذهب أهل السنة للمرجئة، وحاشاه رحمه الله تعالى أن يقول ذلك.

تراجم رجال الأثر (980)
- محمد بن موسى بن يونس أو الفضل البغدادي الملقب بزريق، صدوق - تاريخ بغداد (4/393) -.
- محمد بن علي بن شعيب السمسار، ثقة - تاريخ بغداد (4/111) -.
- محمد بن علي أبو جعفر الوراق يعرف بحمدان، ثقة - تاريخ بغداد (4/102) -.

تراجم رجال الأثر (981):
- محمد بن جعغر أبو جعفر الراشدي ثقة - تاريخ بعداد (2/499) -.
- أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ من أصحاب أحمد صدوق - تاريخ بغداد (6/328) -.

تراجم رجال الأثر (982):
- محمد بن علي بن شعيب سبقت ترجمته في الأثر (980)، وقد تابعه عند العقيلي في الضعفاء (2/195) الخضر بن داود وهو مقبول - ري الظمآن بتراجم شيوخ ابن حبان (163).
- وأحمد بن محمد بن هانئ الأثرم من أصحاب أحمد وكان حافظا - تاريخ بغداد (5/316) -.

5- قال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي (ت 388 هج) في كتابه معالم السنن (4/315):
وأصل الإيمان: التصديق.
وأصل الإسلام: الاستسلام والانقياد.
فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن.
ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر.

تنبيه:
جاءت الجملة الأخيرة في شرح النووي على مسلم (1/206) كالتالي:
وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
قلت: وهو خطأ بين، أخل بالمعنى، وخلف ضده.

قلت: وبذلك تكون قد بلغت الحجة من هذه النقولات في إثبات إجماع السلف على التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية.
وأما مسألة التكفير بترك الصلاة بالكلية لها موضع آخر إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
08-09-2019 12:46 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [3]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

ففي هذا المقال، وما يتلوه - إن شاء الله تعالى - أورد شبهات المخالفين لإجماع السلف على التكفير بترك الفرائض كلها، مع الرد عليها بكلام السلف رحمهم الله، وليس مرادي في هذه المقالات الجمع والاستقصاء، فإن جمع شبهات أهل البدع والأهواء مما لا طاقة لأحد به، لأنها لا تنتهي، ولا يعلم مداها إلا الله عز وجل، ولكن كما قال ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (795/2): "الحق فيه الكفاية وشفاء لمن أراد به مولاه الكريم خيرا فوفقه لقبوله والعمل به، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل".

والآن فلنشرع في المقصود

الشبهة الأولى:

استدلالهم بقوله تعالى: {إِن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116،48].

وبما أخرجه البخاري (1237)، ومسلم (94) في صحيحيهما عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي، فأخبرني - أو قال: بشرني - أنه: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: «وإن زنى وإن سرق».

وبما في معناه عند مسلم (93) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وعنده (199) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

أولا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة.


قال أبو الحسين الملطي العسقلاني (ت 377 هج) في كتابه (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع) (ص35/ت.مدبولي):
باب ذكر المرجئة
وقد ذكرت المرجئة في كتابنا هذا أولا وآخرا، إذ قولها خارج من التعارف والعقل، ألا ترى أن منهم من يقول:
من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله،،دخل الجنة إذا مات، وإن زنى، وإن سرق، وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة والزكاة والصيام، إذا كان مقرا بها يسوف التوبة، لم يضره وقوعه على الكبائر،،وتركه للفرائض، وركوبه الفواحش.
وإن فعل ذلك استحلالا كان كافرا بالله مشركا، وخرج من إيمانه وصار من أهل النار.
وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإيمان الملائكة والأنبياء والأمم وعلماء الناس وجهالهم واحد، لا يزيد منه شيء على شيء أصلا.

واحتجوا بقول الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فقالوا الكافر وحده لا يغفر له، وما دون الكفر مغفور لأهله.
ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وسرق، وقتل"، وأنا أذكر دليل هذا في جزء الحجاج إن شاء الله.

ثانيا:
الرد على الشبهة


قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في الشرح الممتع (33/2):
معنى قوله: {ما دون ذلك} ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله فهو كافر كفرا لا يغفر، وليس ذنبه من الشرك.

ولو سلمنا أن معنى: {ما دون ذلك} ما سوى ذلك؛ لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر، وإن لم يكن شركا.

قلت: فهذا الاستدلال بمحل النزاع، فمذهب أهل السنة والجماعة أن ترك عمل الجوارح بالكلية من الكفر الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل لأحد.
والمرجئة يذهبون إلى أن ترك عمل الجوارح بالكلية من الكفر الأصغر الذي يغفره الله عز وجل.

وإنما تعرف حقيقة الأسماء بما وافق الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، لا يعرف بما تعارف عليه أصحابها.

قال الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} [التوبة:17].

قال البغوي في تفسيره (20/4):
قوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} أراد: وهم شاهدون، فلما طرحت "وهم" نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر.

وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن (437/2):
(شاهدين) حال. المعنى ما كانت لهم عمارة المسجد الحرام في حال إقرارهم بالكفر.

قال ابن الجوزي في زاد المسير (408/3):
فإن قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب؟.
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا نصراني، قاله السدي.
والثاني: أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حق لا يخفى على مميز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه.
والثالث: أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، وحرضوا على اتباعه، فلما آمنوا بهم وكذبوه، دلوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري.

قلت: فكذلك لا عبرة بتسمية المرجئة لتارك عمل الجوارح بالكلية بمسلم عاص يستحق العقوبة، وينجو من عذاب الله عز وجل يوم القيامة بعد ما أجمع السلف على أن ذلك كفر أكبر مخرج من الملة.

وقد نقل الإجماع عن السلف على ذلك سفيان بن عيينة، وأبو بكر الحميدي، وابن راهويه، والآجري، وأبو طالب المكي، وابن بطة العكبري، وابن تيمية، كما في مقالي الماضي قريبا.

والحمد لله رب العالمين

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الثانية:
استدلالهم بقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:85].



تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 08-09-2019 12:50 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
08-09-2019 10:30 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [4]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة الثانية:

استدلالهم بقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:85].

أولا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


قال أبو طالب المكي في قوت القلوب (225:224/2):
وقال بعض السلف: من (لم يقل من المرجئة: أن إبليس مؤمن - لأنه قد أقر بالإيمان وقال به - انكسر عليه مذهبه).
ولعمري إن إبليس - لعنه الله - موحد لله تعالى عارف به، إلا أنه لم يعمل بالتوحيد، ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر.
فأما تعلقهم بقول الله تعال: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار}، فإنه شرط القول للجنات، أو علق الجنات بالقول، فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول، وأنه قول إيمان ويقين، وأنهم غير متعوذين بالقول، ولا متخذوه جنة كالمنافقين، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} [آل عمران: 761]، فأراد سبحانه بأن قول هؤلاء قول المؤمنين، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العمل.
وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان، وأنه يستحق عليه ثوابا، لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فأما أن يكون فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله، وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها الأعمال، ومن قوله في الكفار: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا بالزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة:5].
وأيضا فإن في نفس هذه الآية بطلان دعوى المرجئة؛ لأن الله تعالى لم يقل: فلم يثبهم الله إلا بما قالوا جنات، وإنما قال عز وجل: {فأثابهم الله بما قالوا جنات}، فأخبر أنه آجرهم على قولهم بالحق، كما قال: {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} [سبأ:37]، ثم أحكم ذلك وقيده بقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة:5].
ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران:7]، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم".
وذلك أن الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والإحكام، فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه.

قلت: والرد على الاعتراض بالنقل عن أبي طالب المكي تجده في مقالي الماضي برقم #1 في هذا الموضوع، وفيه الرد على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

ثانيا:
الرد على الشبهة

1- في بيان سبب نزول الآيات من سورة المائدة

{ تَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)}

أخرج النسائي في الكبرى (11083)، قال: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا عمر بن علي بن مقدم، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه، {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع}.
وأخرجه البزار في مسنده (2183)، والطبري في تفسيره (508/10)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1185/4)، والطبراني في الكبير(107/13)، (213/14).

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (1184/4):
حدثنا أبي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم: قال: اقرءوا فقرءوا وهنالك منهم قسيسين ورهبان وساير النصارى، فجعلت طائفة كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.
وأخرجه الآجري في الشريعة (981)، ومن طريق آخر فيه جهالة أخرجه الطبراني في الكبير (12455)، والأوسط (4639).

وقال ابن أبي شيبة في مصنفه (36642):
حدثتا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، في قوله: «ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق»، قال: نزل ذلك في النجاشي.
وأخرجه الطبري في المصدر ال


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 08-09-2019 10:38 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
08-09-2019 11:36 مساء مشاهدة مشاركة منفردة [5]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة الثالثة:

استدلالهم بما أخرجه البخاري (128) واللفظ له، ومسلم (32) في صحيحيهما عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار»، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

وبما أخرجه البخاري في صحيحه (99) عن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه».

وبما أخرجه البخاري (425)، ومسلم (33) عن عتبان بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".

أولا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد (817:815/2):
قد كنت أمليت أكثر هذا الباب في كتاب الإيمان وبينت في ذلك الموضع معنى هذه الأخبار، وأن معناها ليس كما يتوهمه المرجئة وبيقين يعلم كل عالم من أهل الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذه الأخبار أن من قال لا إله إلا الله أو زاد مع شهادة أن لا إله إلا الله شهادة أن محمدا رسول الله ولم يؤمن بأحد من الأنبياء، غير محمد صلى الله عليه وسلم ولا آمن بشيء من كتاب الله، ولا بجنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب أنه من أهل الجنة، لا يعذب بالنار.
ولئن جاز للمرجئة الاحتجاج بهذه الأخبار، - وإن كانت هذه الأخبار ظاهرها خلاف أصلهم، وخلاف كتاب الله، وخلاف سنن النبي صلى الله عليه وسلم - جاز للجهمية الاحتجاج بأخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تؤولت على ظاهرها، استحق من يعلم أن الله ربه وأن محمدا نبيه الجنة، وإن لم ينطق بذلك لسانه.
ولا يزال يسمع أهل الجهل والعناد، ويحتجون بأخبار مختصرة، غير متقصاة، وبأخبار مجملة غير مفسرة، لا يفهمون أصول العلم؛ [فلا] يستدلون بالمتقصى من الأخبار على مختصرها، وبالمفسر منها على مجملها.
قد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظة لو حملت على ظاهرها كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها في شهادة أن لا إله إلا الله على ظاهرها لكان العالم بقلبه: أن لا إله إلا الله مستحقا للجنة، وإن لم يقر بذلك بلسانه، ولا أقر بشيء مما أمر الله تعالى بالإقرار به، ولا آمن بقلبه بشيء أمر الله بالإيمان به ولا عمل بجوارحه شيئا أمر الله به، ولا انزجر عن شيء حرمه الله من سفك دماء المسلمين، وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، واستحلال حرمهم.
فاسمع الخبر الذي ذكرت أنه غير جائز أن يحمل على ظاهره، كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها على ظاهرها .
61 - حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا بشر يعني ابن المفضل، قال: ثنا خالد يعني الحذاء، عن الوليد أبي بشر، قال: سمعت حمران بن أبان، يحدث عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة».


ثانيا:
الرد على الشبهة


قلت: المعنى - في كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى -: أن الجهمية إذا أرادوا الاحتجاج بالأحاديث التي فهموا من ظاهرها أن اعتقاد القلب وحده دون الإقرار باللسان يكفي للنجاة من عذاب النار في الآخرة، فاحتجت عليهم المرجئة بأن ظاهر هذه الأحاديث التي فهمتها الجهمية غير مراد، وأنها مقيد بأحاديث أخر فيها لزوم اقتران الإقرار باللسان مع اعتقاد القلب للنجاة من عذاب النار في الآخرة، قامت الحجة بذلك لأهل السنة على المرجئة من حيث قامت للمرجئة على الجهمية وأن ظاهر هذه الأحاديث التي فهمتها المرجئة غير مراد، وأنها مقيد بأحاديث أخر فيها لزوم اقتران عمل الجوارح مع إقرار اللسان واعتقاد القلب للنجاة من عذاب النار في الآخرة.

كالذي أخرجه مسلم (2564) صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وما أخرجه البخاري(52)، ومسلم (1599) في صحيحيهما
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: - وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه -
«إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه.
ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

وهذا المعنى من تلازم عدم حصول الإيمان بدون عمل الجوارح دلالته قطعية عند السلف، منقول إجماعهم عليه، وممن نقل عنهم الإجماع:

1- قال سفيان الثوري (ت 161 هج):
كان الفقهاء يقولون:
لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

وقال الثوري أيضا ناسبا ذلك لأهل السنة:
لا يجوز قول إلا بعمل، ولا يجوز قول وعمل إلا بنية، ولا يجوز قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

2- وكذلك نفس كلام الثوري الأول نقله عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157 هج) إجماعا عن السلف، وزاد قائلا:
وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل.

3- وكذلك نفس كلام الثوري الأول نقله إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري (ت 185 هج) إجماعا عن السلف، وزاد كما زاد الأوزاعي في نفس مصادر تخريج أثر الأوزاعي الماضي.

4- قال محمد بن إدريس الشَّافِعِيُّ (ت 204 هـ):
وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ.

5- قال عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي (ت 219 هج) في كتابه أصول السنة المطبوع بنهاية مسنده:
السنة عندنا: ...........
وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة.

6- قال محمد بن الحسين الآجري (ت 360 هج) في كتابه الشريعة (611/2):
اعملوا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزيء معرفة بالقلب، ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال: كان مؤمنا دل على ذلك القرآن، والسنة، وقول علماء المسلمين.

7- قال ابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هج) في كتابه الجامع في السنن والآداب (ص107):
ومما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة

قال (ص110):
وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان.
ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية الا بموافقة السنة.

8- ابن بطة العكبري (ت 387 هج) في الإبانة الكبرى (761:760/2):
اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به، والتصديق له ولرسله ولكتبه، وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بلسانه، عاملا مجتهدا بجوارحه، ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله، وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن، ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (171:170/7):
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي "تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ"، فَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ.
وَتَارَةً يَقُولُونَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ.
وَتَارَةً يَقُولُونَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ.
وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا قَالُوا: قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَوْلِ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ جَمِيعًا؛ ......................................

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ أَرَادَ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؛
وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِقَادَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ.
وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
وَمَنْ زَادَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ إلَّا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَأُولَئِكَ لَمْ يُرِيدُوا كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ إنَّمَا أَرَادُوا مَا كَانَ مَشْرُوعًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
وَلَكِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ الرَّدَّ عَلَى "الْمُرْجِئَة" الَّذِينَ جَعَلُوهُ قَوْلًا فَقَطْ، فَقَالُوا: بَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
وَاَلَّذِينَ جَعَلُوهُ "أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ" فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ؛ كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التستري عَنْ الْإِيمَانِ: مَا هُوَ؟، فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ إذَا كَانَ قَوْلًا بِلَا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً بِلَا سُنَّةٍ فَهُوَ بِدْعَةٌ.

قلت: فتبين بذلك الفرق بين أهل العلم الذين قالوا: إن الايمان قول وعمل، وبين أهل العلم الذين قالوا: إن الإيمان قول وعمل ونية.

قال - رحمه الله - عن الذين زادوا من السلف كلمة الاعتقاد في تعريفهم الإيمان:
وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِقَادَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ..
فقول القلب
عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

وقال - رحمه الله - عن الذين زادوا من السلف كلمة النية في تعريفهم الإيمان:
وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
فعمل القلب
عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

قلت: فتبين بذلك أن كل النقولات الماضية عن السلف في تعريفهم الإيمان بقول وعمل ونية أنهم يقصدون بالعمل؛ عمل الجوارح فحسب.
ويقصدون بالنية، عمل القلب فحسب.


والحمد لله رب العالمين.

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الرابعة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة.


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 08-09-2019 11:40 مساء


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
09-09-2019 08:38 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [6]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة الرابعة:

استدلالهم بما أخرجه ابن ماجه في سننه في باب ذهاب القرآن والعلم (4049) عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها".
فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟.
فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة.
فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثا.

صححه الحاكم في مستدركه (587/4) ووافقه الذهبي.
وقال ابن حجر في فتح الباري (16/13): أخرجه ابن ماجه بسند قوي.

الرد على الشبهة

قال ابن كثير في البداية والنهاية (44/19):
وهذا دال على أن العلم قد يرفع من صدور الرجال في آخر الزمان، حتى إن القرآن يسرى عليه فيرفع من المصاحف والصدور، ويبقى الناس بلا علم ولا قرآن، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبران أنهم أدركوا الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله فهم يقولونها أيضا على وجه التقرب بها إلى الله عز وجل، فهي نافعة لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها.
وقوله: تنجيهم من النار. يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية، ويكون فرضهم في ذلك الزمان القول المجرد عن العمل، لعدم تكليفهم بالأعمال، التي لم يخاطبوا بها، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون أراد نجاتهم من النار بعد دخولهم إليها، وأن لا إله إلا الله تكون سبب نجاتهم من العذاب الدائم المستمر. وعلى هذا يحتمل أن يكونوا من المرادين بقوله تعالى في الحديث: «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله»، كما سيأتي بيانه في أحاديث الشفاعة.
ويحتمل أن يكون أولئك قوما آخرين. والله أعلم.

قال الشيخ ابن العثيمين في الشرح الممتع (37:36/2):
ما ورد مقيدا بحال يعذر فيها بترك الصلاة، كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب» الحديث، وفيه: «وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها». فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة؛ ولا صيام؛ ولا نسك؛ ولا صدقة. فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار. ثلاثا.
فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، كمن مات عقيب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.

قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (145/7):
وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثا في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم.

وقال أيضا في نفس المصدر (175/1):
وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها.

قلت: وهذا لا يصح فهمه من الحديث على إطلاقه، إنما يصح مقيدا بعذر عدم العلم بالشرائع لاندراس العلم، وفشو الجهل في ذلك الزمان، كما قال الشيخ الألباني نفسه في النقل الأول:
وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك.

فالحمد لله رب العالمين.

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الخامسة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ....... الحديث المعروف بحديث البطاقة.

ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
09-09-2019 10:44 مساء مشاهدة مشاركة منفردة [7]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة الخامسة:

استدلالهم بما أخرجه ابن المبارك في مسنده (100): عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟، أظلمك كتبتي الحافظون؟، فيقول: لا يا رب. فيقول الله: ألك عذر أو حسنة؟، فبهت الرجل، وقال: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة،فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله،،وأن محمدا عبده ورسوله،،فيقول: احضر وزنك،،فيقول: يا رب، فما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء».

- أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه(4300)، وأحمد (6994)، وابن حبان (225)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد (109/2)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص283) من طريق عبد الله بن المبارك.
- وأخرجه أبو حمزة الكتاني في جزء البطاقة (2)، واللالكاني في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2204) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير.
- وأخرجه الحاكم في المستدرك (46/1)، والبيهقي في الشعب (279) من طريق يونس بن محمد المؤدب.
- وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13)، (30/14)، وفي الدعاء (1482) من طريق عبد الله بن صالح الكاتب.
أربعتهم (ابن المبارك، وابن بكير، ويونس، وعبد الله بن صالح) عن الليث به.

- وأخرجه ابن عبد الحكم في نفس المصدر السابق من طريق عمرو بن الحارث.
- وأخرجه الترمذي في نفس المصدر السابق من طريق ابن لهيعة.
ثلاثتهم (الليث، عمرو بن الحارث، وابن لهيعة)، عن عامر بن يحيى المعافري.

- وأخرجه عبد بن حميد (339)، وابن جرير الطبري في تفسيره (313/12)، والآجري في الشريعة (902) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
كلاهما (المعافري، والإفريقي)، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال الحاكم: هذا على شرط مسلم.
وقال ابن الملقن في التوضيح (596/33): حديث صحيح على شرط مسلم.

أولا:
حمل دلالة الحديث على عموم المسلمين ممتنع شرعا باتفاق أهل السنة والجماعة


قال ابن القيم في مدارج السالكين (340/1):
وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب.

ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات، انفردت بطاقته بالثقل والرزانة.

ثانيا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المستدرك على مجموع الفتاوى (96/3):
والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
.................
وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن.

ثالثا:
الرد على الشبهة، وفيه نسبة هذا الاستدلال للمرجئة


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (222:216/6) - والنقل منه -، وفي المستدرك على مجموع الفتاوى (96:95/3) بمعناه:
فإن الإنسان قد يقول: إذا كفر عني بالصلوات الخمس، فأي شيء تكفر عني الجمعة، أو رمضان؟، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟.
وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفره من السيئات.

فيقال: أولا: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل المقبول.
والله تعالى إنما يتقبل من المتقين.

والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [سورة المائدة: 27] ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصا لوجه الله تعالى.
............
فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملا آخر.
...........
والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات».

فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله،
ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة.


وكذلك في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له».

وفي لفظ في الصحيحين: «إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغفر لها».
وفي لفظ في الصحيحين: «أنها كانت بغيا من بغايا بني إسرائيل».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له، فغفر له».

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت».

فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبا يغفر لها.
وكذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك.
فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص صلاتيهما كما بين السماء والأرض. وليس كل من نحى غصن شوك عن الطريق يغفر له.

رابعا:
عدم ذكر نجاة هؤلاء - الذين مثل بهم شيخ الإسلام في كلامه الماضي قريبا - بشيء من صالح عمل الجوارح بالفرائض ليس معناه نفي حقيقة أداء عمل الجوارح عنهم، إنما معناه نفي بقاء جزاء هذه الأعمال الصالحة لأصحابها إلا ما كان سببا للمغفرة


قلت: فليس في الحديث أن هذا الرجل ترك العمل بالفرائض كلها، إنما المعنى منه كما بين شيخ الإسلام أنه لم يقبل منه من عمل صالح إلا هذا العمل، وهو قول اللسان واعتقاد القلب.

ويبقى السؤال: وأين صالح عمل الجوارح لهؤلاء؟
والجواب: اقتسمته الغرماء.

قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (95/1):
الإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.

قال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في شرحه على سنن أبي داود (الشريط 207 بترقيم موقعه الرسمي/الدقيقة 09:00)، (ج255/ص29-الشاملة):
حديث المفلس يدل على أنه كان عنده شيء ولكنه ذهب، فيمكن أن يكون معنى «لم عملوا شيئا قط»؛ يعني: بقي لهم، أو ينفعهم، لأن الذي عملوه أخذه الدائنون، لا أنهم دخلوا في الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله ثم لم يسجدوا لله سجدة، ولم يطعموا مسكينا، ولم يحجوا، ولم يصوموا يوما من الدهر.

وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيد بسط لهذا المعنى في الرد على الشبهة السادسة.

فالحمد لله رب العالمين.

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة السادسة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطويل في ذكر الشفاعة وفيه: «فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه».

وهي أكبر شبههم التي يتعلقون بها، بل ويرمون بهتانا وإثما مبينا من لم يقل بما التبس عليهم من دلالة مغلوطة بأنه من الحدادية.

ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
09-09-2019 10:49 مساء مشاهدة مشاركة منفردة [8]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة الخامسة:

استدلالهم بما أخرجه ابن المبارك في مسنده (100): عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟، أظلمك كتبتي الحافظون؟، فيقول: لا يا رب. فيقول الله: ألك عذر أو حسنة؟، فبهت الرجل، وقال: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة،فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله،،وأن محمدا عبده ورسوله،،فيقول: احضر وزنك،،فيقول: يا رب، فما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء».

- أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه(4300)، وأحمد (6994)، وابن حبان (225)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد (109/2)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص283) من طريق عبد الله بن المبارك.
- وأخرجه أبو حمزة الكتاني في جزء البطاقة (2)، واللالكاني في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2204) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير.
- وأخرجه الحاكم في المستدرك (46/1)، والبيهقي في الشعب (279) من طريق يونس بن محمد المؤدب.
- وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13)، (30/14)، وفي الدعاء (1482) من طريق عبد الله بن صالح الكاتب.
أربعتهم (ابن المبارك، وابن بكير، ويونس، وعبد الله بن صالح) عن الليث به.

- وأخرجه ابن عبد الحكم في نفس المصدر السابق من طريق عمرو بن الحارث.
- وأخرجه الترمذي في نفس المصدر السابق من طريق ابن لهيعة.
ثلاثتهم (الليث، عمرو بن الحارث، وابن لهيعة)، عن عامر بن يحيى المعافري.

- وأخرجه عبد بن حميد (339)، وابن جرير الطبري في تفسيره (313/12)، والآجري في الشريعة (902) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
كلاهما (المعافري، والإفريقي)، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال الحاكم: هذا على شرط مسلم.
وقال ابن الملقن في التوضيح (596/33): حديث صحيح على شرط مسلم.

أولا:
حمل دلالة الحديث على عموم المسلمين ممتنع شرعا باتفاق أهل السنة والجماعة


قال ابن القيم في مدارج السالكين (340/1):
وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب.

ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات، انفردت بطاقته بالثقل والرزانة.

ثانيا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المستدرك على مجموع الفتاوى (96/3):
والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
.................
وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن.

ثالثا:
الرد على الشبهة، وفيه نسبة هذا الاستدلال للمرجئة


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (222:216/6) - والنقل منه -، وفي المستدرك على مجموع الفتاوى (96:95/3) بمعناه:
فإن الإنسان قد يقول: إذا كفر عني بالصلوات الخمس، فأي شيء تكفر عني الجمعة، أو رمضان؟، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟.
وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفره من السيئات.

فيقال: أولا: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل المقبول.
والله تعالى إنما يتقبل من المتقين.

والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [سورة المائدة: 27] ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصا لوجه الله تعالى.
............
فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملا آخر.
...........
والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات».

فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله،
ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة.


وكذلك في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له».

وفي لفظ في الصحيحين: «إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغفر لها».
وفي لفظ في الصحيحين: «أنها كانت بغيا من بغايا بني إسرائيل».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له، فغفر له».

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت».

فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبا يغفر لها.
وكذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك.
فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص صلاتيهما كما بين السماء والأرض. وليس كل من نحى غصن شوك عن الطريق يغفر له.

رابعا:
عدم ذكر نجاة هؤلاء - الذين مثل بهم شيخ الإسلام في كلامه الماضي قريبا - بشيء من صالح عمل الجوارح بالفرائض ليس معناه نفي حقيقة أداء عمل الجوارح عنهم، إنما معناه نفي بقاء جزاء هذه الأعمال الصالحة لأصحابها إلا ما كان سببا للمغفرة


قلت: فليس في الحديث أن هذا الرجل ترك العمل بالفرائض كلها، إنما المعنى منه كما بين شيخ الإسلام أنه لم يقبل منه من عمل صالح إلا هذا العمل، وهو قول اللسان واعتقاد القلب.

ويبقى السؤال: وأين صالح عمل الجوارح لهؤلاء؟
والجواب: اقتسمته الغرماء.

قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (95/1):
الإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.

قال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في شرحه على سنن أبي داود (الشريط 207 بترقيم موقعه الرسمي/الدقيقة 09:00)، (ج255/ص29-الشاملة):
حديث المفلس يدل على أنه كان عنده شيء ولكنه ذهب، فيمكن أن يكون معنى «لم عملوا شيئا قط»؛ يعني: بقي لهم، أو ينفعهم، لأن الذي عملوه أخذه الدائنون، لا أنهم دخلوا في الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله ثم لم يسجدوا لله سجدة، ولم يطعموا مسكينا، ولم يحجوا، ولم يصوموا يوما من الدهر.

وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيد بسط لهذا المعنى في الرد على الشبهة السادسة.

فالحمد لله رب العالمين.

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة السادسة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطويل في ذكر الشفاعة وفيه: «فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه».

وهي أكبر شبههم التي يتعلقون بها، بل ويرمون بهتانا وإثما مبينا من لم يقل بما التبس عليهم من دلالة مغلوطة بأنه من الحدادية.

ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
11-09-2019 08:09 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [9]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة: أحمد بن طه البنهاوي المصري »


قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (95/1):
الإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.


تصحيح:
جاء في طبعة ابن الجوزي بتحقيق طارق عوض الله (88/1):
وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي - أعني: كلمة التوحيد -، والإيمان القلبي - وهو التصديق - لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، .......

وجاءت العبارة الأولى في طبعة الغرباء (95/1) على النحو التالي:
وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق معنى كلمة التوحيد .......
ثم قال المحققون في الحاشية: قوله: (يفوق معنى) عسر علينا قراءتها في (ف)، ولعلها هكذا.

فلتستدرك من ههنا.

والحمد لله رب العالمين.


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 11-09-2019 08:11 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
11-09-2019 08:56 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [10]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة: أحمد بن طه البنهاوي المصري »
الشبهة الرابعة:

استدلالهم بما أخرجه ابن ماجه في سننه في باب ذهاب القرآن والعلم (4049) عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، ...........

الرد على الشبهة


إضافة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (165/35):
وَفِي أَوْقَاتِ الْفَتَرَاتِ وَأَمْكِنَةِ الْفَتَرَاتِ: يُثَابُ الرَّجُلُ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ الْقَلِيل،ِ وَيَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِ لِمَنْ لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا لَا يَغْفِرُ بِهِ لِمَنْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْه، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً إلَّا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ؛ وَالْعَجُوزَ الْكَبِيرَةَ. وَيَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا وَهُمْ يَقُولُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ".


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 11-09-2019 08:57 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
11-09-2019 09:54 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [11]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة: أحمد بن طه البنهاوي المصري »
الشبهة الثالثة:

استدلالهم بما أخرجه البخاري (128) واللفظ له، ومسلم (32) في صحيحيهما عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ........... قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار»

أولا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


إضافة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (614/7): وَهَذَا مِثْلُ اسْتِدْلَالِهِمْ بالعمومات الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْمُرْجِئَةُ كَقَوْلِه: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٍ مِنْهُ. . . أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ»، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ.


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 11-09-2019 09:59 صباحا


ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
14-09-2019 10:41 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [12]
ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
الشبهة السادسة:

وهي أكبر شبههم التي يتعلقون بها، بل ويرمون من لم يقل بما التبس عليهم من دلالة مغلوطة بأنه من الحدادية.
{فقد جاءوا ظلما وزورا} [الفرقان:4].
{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} [النساء:112].

استدلالهم بما أخرجه البخاري (7439)، ومسلم - واللفظ له - (183) في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري، أن ناسا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم»، ....... ثم ذكر حديث الشفاعة الطويل، وفيه:
ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا، .......
فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر، أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.

أولا:
حمل دلالة (فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه)، و(ربنا لم نذر فيها خيرا)، و(لم يعملوا خيرا قط)، و(هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه) على مطلق ظاهره ممتنع شرعا باتفاق كل طوائف المسلمين


قال أبو طالب القضاعي (ت 608 هج) في تحرير المقال (237:236/1):
ومعنى قوله فيهم: «لم يعملوا خيرا قط» أي بعد التلفظ بالشهادة، وعلى ذلك يتنزل قوله: «أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه»، فتكون هذه القبضة المذكورة في هذا الحديث، يفسرها قوله تعالى في حديث أنس: «وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله»، إذ لا يصح أن تكون القبضة المذكورة في هذا الحديث من الكفار أصلا، فإن قاعدة الشرع تقتضي أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا.

قال الزركشي (ت 794 هج) في التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (874/3):
في حديث أبي سعيد - بعد شفاعة الأنبياء - فيقول الله تعالى: "بقيت شفاعتي، فيخرج من النار من لم يعمل خيرا"(1).
وتمسك بها بعضهم على إخراج غيرالمؤمنين، وهي معلولة من وجهين:
أحدهما: أنها غير متصلة، كما قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين(2).
والثاني: على تقدير اتصالها فمحمولة على ما سوى التوحيد، كما بينته الأحاديث الأخر.

قلت: المشكل الذي رد القضاعي والزركشي حمله علي ظاهره في قوله: (لم يعملوا خيرا قط) هو إخراج عمل القلب في عموم نفي الخير عن هؤلاء، وسبب هذا الإشكال قوله: (ربنا لم نذر فيها خيرا)، بعد قوله: (فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه)، فإن هؤلاء - على ظاهره - ليس في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فكيف خرجوا في القبضة؟.
الجواب: أنه من المجمل الذي يفسر معناه من نصوص أخر.
الجواب من كلام القضاعي: (يفسرها قوله تعالى في حديث أنس)، وقوله: (قاعدة الشرع تقتضي).
ومن كلام الزركشي: (كما بينته الأحاديث الأخر).

وهو ما يبطل وينقض دعوى كل من استدل بهذا الحديث على ظاهره في إمكان حصول عمل القلب دون عمل الجوارح، فإن جاز ذلك المعنى من هذا الحديث - وليس كذلك - جاز الاستدلال به على إمكان حصول قول القلب بلا عمل القلب، وهو قول غلاة المرجئة من الجهمية، فإن كان الرد على هؤلاء الغلاة بأن الحديث مؤول ولا يدل على نفع الإيمان بلا عمل القلب، ويفسره غيره من النصوص، فقد قامت الحجة بذلك لأهل السنة والجماعة على مرجئة الفقهاء ومن تأثر بقولهم من حيث قامت الحجة للفريق الأخير على الغلاة بأن الحديث مؤول ولا يدل على نفع الإيمان بلا عمل الجوارح، ويفسره غيره من النصوص.

وبذلك يكون الرد على هذه الشبهة قد انتهى عند كل منصف وفقه الله عز وجل لقبول الحق والعمل به، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ولكن لإتمام الفائدة نأتي بالبسط على كل ما يتعلق بهذه الشبهة {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}.

ثانيا:
ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برقم (21436) بتاريخ 1421/04/08هج (126/2):

س: الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،وبعد:
فقد أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين، المقيدة استفتاءاتهم بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، ......... وقد سأل المستفتون أسئلة كثيرة مضمونها:
ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الإرجاء بشكل مخيف، وانبرى لترويجها عدد كثير من الكتاب، يعتمدون على نقولات مبتورة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ مما سبب ارتباكاً عند كثير من الناس في مسمى الإيمان، حيث يحاول هؤلاء الذين ينشرون هذه الفكرة أن يخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، ويرون نجاة من ترك جميع الأعمال، وذلك مما يسهل على الناس الوقوع في المنكرات وأمور الشرك وأمور الردة، إذا علموا أن الإيمان متحقق لهم، ولو لم يؤدوا الواجبات ويتجنبوا المحرمات ولو لم يعملوا بشرائع الدين بناء على هذا المذهب.
ولا شك أن هذا المذهب له خطورته على المجتمعات الإسلامية وأمور العقيدة والعبادة، فالرجاء من سماحتكم بيان حقيقة هذا المذهب، وآثاره السيئة، وبيان الحق المبني على الكتاب والسنة، وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام، حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، وفقكم الله وسدد خطاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ج: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
هذه المقالة المذكورة هي: مقالة المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، ويقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط وليست منه، فمن صدق بقلبه، ونطق بلسانه؛ فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط، ...........
عضو/ بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو/ صالح بن فوزان الفوزان
عضو/ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

ثالثا:
الرد على الشبهة


قال أبو بكر بن خزيمة في كتابه التوحيد (729/2):
هذه اللفظة "لم يعملوا خيرا قط" من الجنس الذي يقول العرب: "ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام"، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: "لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به.

رابعا:
معنى النفي بلفظ (قط) في لغة العرب


الأول: نفي الأبد الماضي.
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في العين (14/5):
وأما "قط" فإنه الأبد الماضي، تقول: ما رأيته قط، وهو رفع لأنه غاية، مثل قولك: قبل وبعد.

قلت: كالذي أخرجه البخاري (1601) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط".
فدخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه.

وما أخرجه البخاري (2713)، ومسلم (1866) عن عائشة رضي الله عنها قالت:
كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله عز وجل: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين} إلى آخر الآية.
قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن: "انطلقن فقد بايعتكن".
ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام.

الثاني: نفي الكمال والتمام، أو نفي الإتقان والتجويد دون نفي الأبد الماضي، مع بقاء الاسم والحكم للمنفي عنه الكمال والتمام، أو الإتقان والتجويد
كما مر نقل كلام ابن خزيمة.

كالذي أخرجه البخاري (3470)، ومسلم (2766) - واللفظ له -:
عن أبي سعيد الخدري، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم -أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضيْن، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة.
قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا: أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.

قلت: فهذه هجرة، وخروج من أرض السوء، وسير وانطلاق إلى الأرض التي فيها أناس يعبدون الله، ثم النأي بالصدر، وكل هذا من أعمال الجوارح الصالحة المأمور بها شرعا، بالإضافة إلى عمل القلب من توبة وإقبال على مرضات الله عز وجل ورغبة ورهبة وغيرها.

خامسا:
بيان معنى: أن نفي التمام والكمال، أو نفي الإتقان والتجويد لا يلزم منه نفي الاسم والحكم، فالذين "لم يعملوا خيرا قط" هم في حكم العاملين بجوارحهم، وإنما النفي نفي حقيقة العمل، فلهم أعمال لم تتقبل منهم، وأعمال متقبلة ولكنهم خسروها غرما
فالمعنى على هذا التفصيل في "لم يعملوا خيرا قط" هو: نفي الانتفاع بالعمل جزاء، لا: نفي وقوع العمل أداء


قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان (ص80):
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن واسم الإيمان غير زائل عنه؟.
قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله، إذا كان عمله على غير حقيقته.
ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان [غير حاذق بعمله و](3)ليس بمحكم لعمله: "ما صنعت شيئا، ولا عملت عملا"، ["فلان ليس بصانع"، وهم يعلمون أنه يعالج ذلك العلاج، وأنه من أهله،] وإنما وقع معناهم ههنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان.
[وكذلك يقول الرجل لصاحبه إذا عمل عملا غير إحكام، أو تكلم بكلام لم يقم فيه بحجته: "ما صنعت شيئا"، ولو سئلوا عنه: لكان(4) تاركا للعمل أو الكلام؟، لقالوا: لا، ولكنه ترك موضع الإصابة فيه.
فكثر هذا في ألفاظهم] حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه ويبلغ منه الأذى، [ويجرم عليه الجرائم]، فيقال: "ما هو بولد، [إنما هو عدو"، وكذلك يقول الرجل لمملوكه إذا كان مضارا له: "ما أنت بعبد"، وهم يعلمون أن [هذا] ابن [هذا ل] صلبه، [وأن هذا ملك يمينه، ولكنه لما كان من أكبر الحقوق الواجبة على الولد وعلى المملوك الطاعة وزال ذلك عنهما؛ أمكنهم أن يصفوهما بزوال البنوة والعبودية في المنطق، فإذا صارا في الأحكام ردت الأشياء إلى أصولها، فجرت بينهم الموارثة في النسب وغيره، وكذلك العتق والبيع ونحوه في المملوك]، ثم يقال مثله في الأخ، والزوجة(5)، وإنما مذهبهم في هذا: المزايلة الواجبة عليهم من الطاعة والبر، وأما النكاح، والرق، والأنساب، فعلى ما كانت عليه؛ أماكنها وأسماؤها.
فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها [أهلها من] الإيمان، [فقيل: ليس بمؤمن من فعل كذا]، إنما أحبطت [الذنوب عندنا] الحقائق منه [بترك](6) الشرائع التي هي من صفاته، [ونفت اسم استكماله التي نعت الله بها أهله]، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا: مؤمنون، وبه الحكم عليهم، [وهم في الحقائق على غير ذلك كالذي مثلت لك في الصانع والولد والمملوك].

وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة.

فأما التنزيل: فقول الله جل ثناؤه في أهل الكتاب، حين قال: {وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران 187].

27- قال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، في هذه الآية قال: "أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به".
[فجعلهم في الحقيقة نابذين له]، ثم أحل الله لنا ذبائحهم، ونكاح نسائهم، فحكم لهم بحكم الكتاب [إذ] كانوا به مقرين، [وبالألسنة] له منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم(7) بالحقائق [للكتاب] مفارقون، فهذا ما في القرآن.

وأما السنة:

فحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلى صلاةً فخففها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل، فإنك لم تصل»، حتى فعلها مرارًا، كل ذلك يقول: «فصل»، وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصل بالاسم، وغير مصل بالحقيقة.

وكذلك في المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين له إنها غير مقبولة.
ومنه حديث عبد الله بن عمر في شارب الخمر أنه: «لا تقبل له صلاة أربعين ليلةً».
وقول علي رضي الله عنه: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
وحديث عمر رضي الله عنه - في المقدم ثقله ليلة النفر أنه -: "لا حج له".
وقال حذيفة: "من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب وهو صائم أبطل صومه".

قال أبو عبيد: فهذه الآثار كلها وما كان مضاهيا لها فهو عندي [على إبطال الحقائق والاستكمال، فأما الأسماء والأحكام فإن لهم في ذلك مثلما لغيرهم] على ما فسرته لك.

سادسا:
معنى النفي في (لم يعملوا خيرا قط) أي: باقيا لهم نفعه.
ومعنى النفي في (بغير عمل عملوه ولا خير قدموه) أي: بغير عمل متقبل عملوه فنفعهم، ولا جزاء خير قدموه وبقي لهم


قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (88/1) ط. ابن الجوزي:
وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي - أعني: كلمة التوحيد -، والإيمان القلبي - وهو التصديق - لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح(8)، وقد قال ابن عيينة وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.

قال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في شرحه على سنن أبي داود (الشريط 207 بترقيم موقعه الرسمي/الدقيقة 09:00)، (ج255/ص29-الشاملة):
حديث المفلس يدل على أنه كان عنده شيء ولكنه ذهب، فيمكن أن يكون معنى «لم عملوا شيئا قط»؛ يعني: بقي لهم، أو ينفعهم، لأن الذي عملوه أخذه الدائنون، لا أنهم دخلوا في الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله ثم لم يسجدوا لله سجدة، ولم يطعموا مسكينا، ولم يحجوا، ولم يصوموا يوما من الدهر.

سابعا:
تسمية جزاء العمل - من ثواب أو عقاب - باسم العمل الذي كان سببا له من لغة العرب المشهورة المعلومة


في الثواب
قال الله عز وجل: {وجوه يومئذ ناعمة} [الغاشية:9].

قال ابن جرير الطبري في تفسيره (334/24) ط.هجر:
وقوله: (لسعيها راضية)، يقول: لعملها الذي عملت في الدنيا من طاعة ربها راضية.
وقيل: (لسعيها راضية) والمعنى: لثواب سعيها في الآخرة راضية.

قال أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (131/5):
(لسعيها راضية)
قال أبو جعفر: يكون التقدير: بثواب عملها راضية

في العقاب
قال الله عز وجل: {وقهم السيئات ومن تق السيئات} [غافر: 9].

قال عبد الرزاق في مصنفه (2569):
عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وقهم السيئات ومن تق السيئات} قال:
«قهم العذاب، ومن تقي العذاب يومئذ فقد رحمته»

قال أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (20/4):
سمى العقاب سيئات مجازا لأنه عقاب على السيئات.

ثامنا:
الاستدلال بقوله (أخرجوا من كان في قلبه ...) على نفى أعمال الجوارح بعد خروج من جعل الله عز وجل علامة إيمانهم ما بقي من أجسامهم لم تحرقها النار؛ تقول بغير علم.


قلت: إذ لا يعلم مكنون القلوب في الدنيا إلا الله عز وجل، فلا وجه لتمثيل أو تشبيه تلك الدلالات التي يجعلها الله عز وجل يوم القيامة دليلا للشافعين بشيء معلوم من أمور الدنيا.
فلا يعلم كنه و لا حقيقة تلك العلامات إلا الله سبحانه.
فتخصيص هذه العلامات بأنها دلالة على أعمال القلوب فحسب، أو أنها علامات يطلع بها الشافعون على ما في قلوب هؤلاء تقول بلا علم في ما لا يعلم كنهه وحقيقته إلا الله تعالى.
فهذه العلامات دليل للشافعين على أعمال هؤلاء الظاهرة والباطنة المتبقية لهم نفعها.
وكيفية هذه العلامات مما لا يخاض فيه بتأويل، إذ لا يعلم تاويلها إلا الله عز وجل.

أما عدم بقاء علامة الصلاة لبعض المصلين، وانتقال الشافعون في الاستدلال عليهم بتلك العلامات التي يجعلها الله عز وجل دليلا لهم فهي - والله أعلم -:


في من أفلس ولم يتبقى له ثواب صلاته، ويبقى له من عمل الجوارح ولو إماطة أذى عن الطريق، فيسمي غير عامل لخسارته ثواب عمله، وليس له علامته، وهو عامل من حيث الحكم والاسم والأداء، فيقبل منه - بفضل الله عز وجل - ما كان منه من عمل صالح من الطاعات وإن لم يبقى له من ثواب صلاته شيء، فهو مصل بالأداء، غير مصل في الجزاء.
فهذا قد بقي له شيء من عمل الجوارح وإن كان يسيرا، فيستدل به عليه، فيخرج من النار بذلك.

أو كالذي أفلس ولم يتبقى له ثواب شيء من أعمال الجوارح مطلقا، فلا تبقى له علامة الصلاة أيضا، ويسمي غير عامل وعامل من حيث سمي الذي قبله،،فهو مصل بالأداء، غير مصل في الجزاء.
فهذا قد بقي له شيء من عمل القلب الزائد عن التصديق والإقرار وإن كان يسيرا، فيستدل به عليه، فيخرج من النار بذلك.

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فإن لم تصدقوني فاقرءوا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء:40].

قلت: أما الذي أفلس من كل شيء، ولم يتبقى له ثواب شيء من الأعمال مطلقا، سواء أعمال القلب أو أعمال الجوارح، فهو أيضا يسمي غير عامل وعامل من حيث سمي اللذين قبله، ولا تبقى له علامة الصلاة أيضا، ولا تكون له علامة يستدل بها عليه، لأن الله عز وجل لم يأذن لأحد في معرفة التصديق والإقرار بعلامة قط، وإن كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

كما في حديث أنس في الشفاعة:
ما زلت أشفع إلى ربي عز وجل ويشفعني وأشفع، ويشفعني حتى أقول: أي رب شفعني فيمن قال: "لا إله إلا الله"، فيقول هذه ليست لك يا محمد، ولا لأحد، هذه لي، وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدا يقول لا إله إلا الله.

قال الكرماني في الكواكب الدراري (118/1):
قيل: كيف يعملون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟.
قلنا: يجعل الله سبحانه وتعالى لهم علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم من أهل التوحيد.

تاسعا:
في بيان أنهم (لم يعملوا خيرا قط) متقبلا باقيا لهم نفعه إلا التوحيد


قال ابن أبي حاتم في تفسيره (3261/10):
"لم يعملوا لله خير قط"، - يقول: مع التوحيد -.

عاشرا:
نفي التمام والكمال في لم (لم يعملوه خيرا قط) لا ينافي ولا يخصص عموم الدلالة المجمع عليها من لزوم كسب المؤمنين عملا صالحا متقبلا لدخول الجنة


قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158].

قال ابن جرير الطبري في تفسيره (266/12) شاكر:
وأما قوله : {أو كسبت في إيمانها خيرا}، فإنه يعني: أو عملت في تصديقها بالله خيرا من عمل صالح تصدق قيله، وتحققه من قبل طلوع الشمس من مغربها، لا ينفع كافرا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها، كذلك إيمانه بالله إن آمن وصدق بالله ورسله، لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله العظيم لهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة، وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار.
ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقا، ولفرائض الله مضيعا، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة، إذا هي طلعت من مغربها - أعماله إن عمل، وكسبه إن اكتسب -، لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك.
كما : 14250 - حدثني محمد بن الحسين، قال : ثنا أحمد بن المفضل، قال : ثنا أسباط، عن السدي: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} يقول:
كسبت في تصديقها خيرا عملا صالحا، فهؤلاء أهل القبلة.
وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرا؛ فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها.
وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا، قبل منها.

قال ابن أبي حاتم في تفسيره (1429/5) (8147):
قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي أنا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان: قوله: {أو كسبت في إيمانها خيرا}، يعني:
المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيرا وكان قبل الآية مقيما على الكبائر.

قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (911/4):
سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.
قالوا: الدال على أنه تلفظ باللسان قوله عز وجل: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ...........
والدلالة على أنه اعتقاد بالقلب قوله {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ............
والدلالة على أنه عمل: قال الله عز وجل: ........
{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}.

قلت: والإجماع على دلالة الآية مجمع عليه عند السلف كما مر ذكره مرارا وتكرارا، فمن شاء فليراجعه في المقالات السابقة من نفس الموضوع.

الحادي عشر:
انفراد المتأخرين بالاستدلال بهذا الحديث على إمكان حصول الإيمان بعمل القلب وحده دون عمل الجوارح بالكلية، وأن هذا الحديث من مخصصات عموم الآية الماضية من سورة الأنعام، وعدم وجود أثارة من قول عن أحد من السلف على دلالتهم المغلوطة من هذا الحديث، مع شهرة الحديث وتخريجه في الصحيحين.


قال الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى وغفر لنا وله - في السلسلة الصحيحة (133:132/7):
إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقا لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلا أم لا؟.
لقد غفلوا جميعا - فيما اطلعت - عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه.

قلت: مع شهرة الحديث، وتخريجه في الصحيحين لا تجد أحدا من السلف يستدل به على نجاة تارك عمل الجوارح، ولا أن عمل القلب المجرد عن عمل الجوارح قد يكون سببا في النجاة في الآخرة.

لن تجده إلا عند من تأثر بقول مرجئة الفقهاء في القرون الثلاثة الأول، وقد رد السلف عليهم وغلظوا فيهم القول بما لا يلتبس على أحد شأنهم، وإما أن تجده بعد هذه القرون عند من تأثر بقول الأشاعرة في الإيمان وإن لم يكن من الأشاعرة، بل تراه معظما لمذهب السلف، ثم ينتصر في مسألة الإيمان لمذهب المرجئة وهو لا يدري، بل وينسب مقالته إلى أهل السنة والجماعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (364/7):
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرين لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَأَقْوَالِ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة؛ لِاخْتِلَاطِ هَذَا بِهَذَا فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي بَاطِنِهِ يَرَى رَأْيَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُرْجِئَةِ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ مُعَظِّمٌ لِلسَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ أَمْثَالِهِ وَكَلَامِ السَّلَفِ.

الثاني عشر:
تفسير قوله: (لم يعملوا خيرا قط)، أو قوله: (بغير عمل عملوه ولا خير قدموه) بأنهم: ممن لم يصل إليهم من الإسلام إلا اسمه حين تدرس معالم الدين، ويفشو الجهل.
أو أنهم: ممن آمنوا وماتوا قبل التمكن من العمل.
- كلاهما -؛ تفسير باطل.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (42:41/22):
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا حَتَّى يَبْلُغَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَثِيرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَذِّبْهُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبْهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ.

قال الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - في الدرر المتلألئة (ص173) في رده على د. سفر الحوالي في تفسير الأخير (لم يعملوا خيرا قط) في كتابه ظاهرة الإرجاء (ص517) بحديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعا: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ......." الحديث.

فقال د. سفر:
فهؤلاء الذين يكونون حينئذ - نسأل الله العافية - نقول كما قال حذيفة: إن "لا إله إلا الله" تنجيهم من النار، إذ لا يعلمون غيرها في ذلك الزمان؛ الذي هو أسوأ زمان.

فرد عليه الشيخ الألباني:
هذا كلام باطل جزما - ولو لم يرغبه المؤلف -؛ لأن الحديث في الشفاعة للذين يستحقون العذاب بذنوب ارتكبوها، وأما هؤلاء [المذكورون في حديث حذيفة]؛ فإنهم إذا كانوا لا يعلمون غير الشهادة؛ فهم لا يستحقون العذاب؛ فتأمل.
فإذا دخل أحد منهم النار بذنب؛ فهو العدل، ولكن لا علاقة [له] بحديث: (لم يعملوا خيرا قط)؛ فهذا كمن أسلم ومات؛ فهو في الجنة دون عذاب.
فحمل الحديث [الجهنميين] على من لا يستحق العذاب؛ تعطيل واضح عن دلالته الصريحة(9).

سئل الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى - السؤال التالي:
السؤال: ما ردكم على الذين يقولون بأنه لا يوجد دليل واضح على أن أحاديث الشفاعة تطبق على الذين لم يتمكنوا من العمل، وأن القول بذلك يأتي من باب التأويل؟
فأجاب: الذين دخلوا في الإسلام ولم يتمكنوا من العمل - ماتوا على طول -؛ ما يحتاجون شفاعة - هؤلاء ما يحتاجون شفاعة -؛ لأنهم لا يعذبون على ترك العمل؛ لأنهم لم يتمكنوا منه، ما يحتاجون إلى شفاعة.
إنما الشفاعة فيمن ترك شيئا من الأعمال، التي دون الكفر، ودون الشرك، واستحق بها العقوبة، هذا تنفعه الشفاعة بإذن الله الشفاعة؛ لأنه مسلم عنده معصية، ومستحق للعذاب، تنفعه شفاعة الشافعين، إذا أذن الله بذلك، نعم، أما إذا ما تمكن من العمل، نطق بالشهادتين مؤمناً وصادقاً، ولم يتمكن من العمل حتى مات؛ فهذا ما يحتاج إلى شفاعة.

استمع لفتوى الشيخ الفوزان على أحد الروابط التالية:
http://saif.af.org.sa/sites/default/files/12_5_0.mp3

أو على:
http://saif.af.org.sa/ar/node/1690

المصدر
http://m-noor.com/showthread.php?t=15834

أو على:
https://m.youtube.com/watch?v=ItX29JdOarM

فالحمد لله رب العالمين.

يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة السابعة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد ........... فغفر له بها، ولم يعمل خيرا قط إلا التوحيد».
___________________________________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (7439)، وابن حبان في صحيحه (7377)، والدارقطني في الرؤية (4)، وابن منده في الإيمان (817).
قال ابن الملقن في التوضيح (346/33):
وقوله: "فيقول الجبار: بقيت شفاعتي"؛ خرج على معنى المطابقة لمن تقدم من الشفاعات؛ لأن الله تعالى يخرجهم تفضلا منه من غير أن يشفع إلى أحد. انتهى.
قلت: أما من قال: "هذه اللفظة منكرة" ..... لأن قوله: "وتبقى شفاعتي"؛ عند من يشفع؟، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يشفع إليه، وليس يشفع إلى أحد سبحانه وتعالى؛ {وأن إلى ربك المنتهى} [النجم:42].
قلت: هذه اللفظة مخرجة في صحيح البخاري، ولم يستنكرها أحد من حفاظ الحديث - في ما أعلم -، ووجهها العلماء؛ كما مر نقله عن ابن الملقن.
(2) نقل ابن حجر كلام الزركشي في فتح الباري (429/13)؛ ثم تعقبه فقال:
هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحق فغلط على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى وقع فيها: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من خير"، قال: "هذه الرواية غير متصلة"، ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب ساقه بلفظ البخاري، ولم يتعقبه بأنه غير متصل، ولو قال ذلك لتعقبناه عليه؛ فإنه لا انقطاع في السند أصلا.
(3)نقل ابن نصر المروزي كلام أبي عبيد في كتابه تعظيم قدر الصلاة بدء من (577/2) فقال:
"وهكذا فسر أبو عبد الله رحمه الله هذه الأخبار في كتابه المنسوب إليه في الإيمان".
وعلق المحقق في الحاشية فقال:
"(وهكذا فسر أبو عبد الله ... إلخ) من قول راوي الكتاب عن المروزي، وله كتاب في الإيمان كما صرح به المؤلف".
قلت: والصحيح أنه كلام أبي عبيد وليس أبي عبد الله، وإنما تصحفت من بعض النساخ، فكل ما نقله المروزي بدء من هذا الموضع هو كلام أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان؛ إما بالنص أو بالمعنى مع تقديم أو تأخير يسير في بعض العبارات حتى موضع انتهاء النقل عنه في (582/2)؛ فقال المروزي: "إلى ههنا كلام أبي عبيد".
وكل ما وضعته بين المعكوفات - في هذا النقل - فهو زيادات عند المروزي إلا ما نبهت عليه.
(4) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب: أكان، والله أعلم.
(5) في أصل كتاب الإيمان: والزوجة، والمملوك، ولكني حذفتها لتكررها عند المروزي مسبقا.
(6) كلمة مقدرة من عندي، وهي ساقطة، ولا يستقيم المعنى إلا بها أو بما في معناها.
(7) في أصل كتاب الإيمان: "هم لها بالحقائق مفارقون"، والمثبت بحذف لفظة: "لها" كما عند المروزي، وهو الصواب، إذ الضمير فيها لا يعود على مؤنث، بليعود على مذكر وهو الكتاب.
(8) الصحيح - والله أعلم - أن الغرماء يقتسمون أي شيء يزيد على التصديق والإقرار، سواء كان الزائد من عمل القلب أو من عمل الجوارح حتى يستوفي، كما سيأتي توضيحه في الرد على الفقرات قريبا في (ثامنا).
(9) فالدلالة الصريحة هي أنهم دخلوا النار، ويخرجون منها بالشفاعة، ولا يدخل النار أحد بغير ذنب.


تم تحرير المشاركة بواسطة : أحمد بن طه البنهاوي المصري
بتاريخ: 14-09-2019 01:00 مساء



لا يمكنك الرد على هذا الموضوع لا يمكنك إضافة موضوع جديد
الصفحة 1 من 2 < 1 2 > الأخيرة »



الكلمات الدلالية
ثبوت ، صحة ، حكاية ، الإجماع ، عن ، الإمام ، الشافعي ، رحمه ، الله ، التي ، نقلها ، عن ، السلف ، في ، الإيمان ،


 






الساعة الآن 02:51 صباحا